مبادرة شبابية في غزة تنشر ثقافة القراءة بين الناس

«لنقرأ لهم».. الكتب تُقرأ في «الأماكن العامّة»

إحدى جلسات «لنقرأ لهم» الثقافية داخل متنزه بلدية غزة. الإمارات اليوم

«عندما أنظر إلى مرآتي المعلقة أمامي كاشفةً عورةَ روحي بلا أي استحياء، أتذكر كل المفارق وكل الطرق التي قطعتها حتى وصلت لهذه الحقيقة المنعكسة أمامي، شعريَ المنسدلُ يذكرني بفراقٍ عميقٍ فصلني عن أمي».. داخل ساحة عامة تجاور كلاً من متنزه بلدية غزة، ومركز عبدالمحسن القطان الثقافي إلى الشرق من مدينة غزة، تشكلت حلقة دائرية لمجموعة من الشبان والفتيات ينصتون باهتمام فائق إلى الكاتب الفلسطيني الشاب إبراهيم حمدان، الذي يسرد لهم بشغف عميق كتاب «وريثة فينوس»، الذي نثر كلماته داخل طيات (144) صفحة.

«لون عيناي يذكرني بالذي اختلس وتحايل ليشيد ثروةَ الدلال، التي يتوهم أنني أحيا بها، أما طول وانحناء سبابتي فيذكرني بمن جعدت السنون بشرتها الشاحبة وهي ترعاني، ولكن تلك الندبة في قاع صدري التي لا تظهر إلا لحظة دخولي سراديب النوم فمسببها وطبيبها شبهةُ خطأ وعدد من رجال».. يستمر إبراهيم في قراءة عمله الأدبي وسط انسجام تام من عشرات المشاركين.

يستمر هذا المشهد الثقافي الذي يتشكل بين عامة الناس على مدار ساعتين داخل الأماكن العامة، التي تتيح الفرصة لكل من جال بداخلها المشاركة في الاستماع لكلمات صاغها صاحبها، لتكون مصدر إلهام لغيره حتى تعم ثقافة القراءة الكبير والصغير، والغني والفقير.

لا تنتهي هذه الجلسة الثقافية بانتهاء مؤلف الكتاب قراءة كلماته، ففي اليوم التالي يتكرر المشهد ذاته مع كتاب آخر ومؤلف آخر، في منطقة عامة أخرى تتوسط المؤسسات الأهلية والحكومية والمنازل، مثل متنزه الجندي المجهول وسط مدينة غزة، لجذب أكبر عدد ممكن من المارة، ليكون لهم الأثر في اتساع رقعة الثقافة العامة.

«لنقرأ لهم» تصطحب المكفوفين

«لنقرأ لهم»، مبادرة ثقافية شبابية، ارتأى أصحابها نشر ثقافة القراءة بين عامة الناس، لعزوفهم عن قراءة الكتب، نتيجة مآسي الحصار والاحتلال التي تعصف بهم، وتقلب حياتهم رأساً على عقب.

كان لفكرة «لنقرأ لهم» حكاية خاصة مع صاحبتها ومنسقتها الكاتبة الفلسطينية الشابة صابرين أبوعسكر، فقد طلب منها العديد من الأصدقاء مشاركتها حفل توقيع مجموعتها القصصية التي حملت اسم «واحد وعشرون خريفاً»، والذين لم يتمكنوا من حضوره، لتقرر دعوتهم لمناقشة قصصها في مكان عام.

هذه الدعوة العامة كانت الثمرة الأولى لتأسيس مبادرة ثقافية تنفذ بين الناس عامة، والتي بلغ عدد أعضائها (١٥) شاباً وشابة، وهم مجموعة من الكُتاب الناشئين والشباب المولعين بالقراءة، وذلك بحسب صابرين أبوعسكر منسقة مبادرة «لنقرأ لهم».

وتقول أبوعسكر لـ«الإمارات اليوم»، في حديث خاص: «مبادرة لنقرأ لهم هي فردية طرحتها كإعلان على (فيس بوك) لمن يرغب في المشاركة في الحلقات الثقافية، حيث نستضيف كاتباً مع اختيار أحد أعماله الأدبية، وترتكز المبادرة على فكرة دعم الكُتاب المحليين من خلال شراء مجموعة من مؤلفاتهم في إطار جلسة ثقافية شيقة تضم عشرات الشبان والفتيات داخل الأماكن العامة كالمتنزهات في مختلف مناطق قطاع غزة المحاصر».

وتبين أنه أثناء الجلسات الثقافية العامة يستمع الحضور إلى تجارب الكُتاب الأدبية، والتي تسهم في تحفيز الناشئين منهم، وإتاحة المجال أمامهم لاكتساب المزيد من الخبرات المتناقلة.

وتمضي أبوعسكر بالقول: «واجهنا بعض الصعوبات في توفير التمويل، لأننا اعتمدنا على أنفسنا في توفير كل ما يلزم من متطلبات لوجستية وتوفير الكتب، لنخصل في ما بعد على تمويل صغير وفر الدعم لثلاث لقاءات كاملة فقط».

وتلفت منسقة «لنقرأ لهم» إلى أن مبادرتها نجحت في استقطاب البعض من أصحاب الإعاقة البصرية، حيث يستمعون إلى فكرة عامة عن الكتاب من خلال الاستماع إلى تجربة مؤلفه، موضحة أن أحد أعضاء المبادرة الثقافية يسجل الكتاب صوتياً لهذه الفئة حتى يتمكن من الاستماع إليه بسلاسة ويسر.

انطباعات إيجابية

بالانتقال إلى وسط مدينة غزة، حيث المنازل الأثرية القديمة بجوار المسجد العمري التاريخي، اجتمع عشرات الشبان والفتيات داخل مطعم أثري، للاستماع إلى رواية «أسير الثلج»، للكاتب الفلسطيني كمال صبح.

الشاب إبراهيم عودة طالب علوم سياسية، أحد المشاركين الذين واظبوا على حضور جلسات «لنقرأ لهم» الثقافية، أفصح عن مدى سعادته لانعقاد مثل هذه المبادرات التي تستهدف فئة الشباب من القراء والمهتمين بالكتابة، والذين ينقلون تجاربهم لغيرهم من الحضور.

• أحد أعضاء المبادرة يسجل الكتب صوتياً لأصحاب الإعاقة البصرية.

• تُعقد الجلسات بين المؤسسات الأهلية والحكومية والمنازل لجذب أكبر عدد ممكن من المارة.

طباعة