عرض لـ «الشارقة للفنون والمسرح» في ثاني أيام «دبي لمسرح الشباب»

حكايات وهموم وشخصيات تخرج من «البرواز»

صورة

شخصيات خرجت من إطار اللوحات، لنكتشف في نهاية الأمر أنها مجموعة شخوص في شخص واحد، جسّدها عرض «البرواز»، الذي قدم على خشبة ندوة الثقافة والعلوم، في ثاني أيام مهرجان دبي لمسرح الشباب بنسخته الـ13.

حمل العرض الذي أنتجته جمعية الشارقة للفنون الشعبية والمسرح، ومن تأليف سعود الزرعوني، وإخراج محمد جمعة، الحضور الى الغوص في عمق الشخصيات التي تطرح هواجسها وقضاياها، بشكل رمزي، وبقالب مسرحي متماسك، ليرى كل شخص بين الحضور نفسه في هذه الشخوص.

بدأ العرض الذي شارك به، خليفة ناصر، سارة السعدي، محمد إسحاق، عيسى مراد، باسل التميمي، مع مشهد اللصوص الثلاثة الذين يدخلون الى مرسم بغرض السرقة، فيجدون شخصية هادئة غير مكترثة، ولا تمتلك من الجواهر والأغراض الثمينة سوى اللوحات. يطلق العرض العنان للمخيلة مع الرمزية العالية التي تطرح فيها الشخصيات هواجسها وما يؤلمها ورواسب ماضيها، وتنفتح كل الاحتمالات أمام الجمهور مع النص الذكي الذي حافظ على عنصرَي الغموض والمفاجأة حتى نهاية العمل.

أدوار جديدة

من اللصوص الذين لا هدف لهم سوى سرقة ما هو ثمين، نغوص في عمق الشخصيات المطروحة على الخشبة، عندما يقرر الرسام منحهم أدواراً جديدة، فينصب الفتاة محامية وعليها أن تبدأ بمرافعتها لتحاكم اللصين اللذين أتت بصحبتهما. يتناول الكاتب من خلال هذه الأحداث المحبوكة بقالب يجمع بين الكوميديا الخفيفة والدراما، الفقر، العدل، والمساواة، ولكن الأكثر تأثيراً كان تناوله بؤس الغربة عن الذات والتشتت الداخلي، والبحث عن اسم في ضياع قد يرافقنا منذ الطفولة.

مزج العمل بين المعالجة الدرامية وبعض المونولوج الذي كان يضيف لجماليات الرمزية نكهة الكوميديا، كما أنه حمل جوانب مع العمل المسرحي الحكواتي، حين كانت تتحول الشخصيات الى الراوي، لتكشف دواخلها ورواسبها وأوجاعها. ولكن أبرز ما يميزه هو التجانس بين النص والإخراج، فقد أوجدت الصورة المقدمة على المسرح أفضل الحلول الإخراجية للنص المكتوب برمزية عالية، بينما عمل الممثلون بروح الفريق، فقدموا عرضاً ممتعاً قوامه الانتصار لانسجام الفريق على الخشبة.

سينوغرافيا

السينوغرافيا المسرحية كانت لطيفة للغاية، تحمل من الهدوء ما يكفي لتتناغم مع النص والأداء التمثيلي على الخشبة. ابتدع المخرج حلولاً إخراجية لجهة الإضاءة، لاسيما في بداية العمل، مع المصابيح التي استخدمها اللصوص للإضاءة، واستكملت مع توظيف الأدوات على المسرح، ومنها القاعدة الخاصة بالرسم التي كانت تتحول الى قضبان في قاعة المحكمة وعكاز في المستشفى. هذه الرؤية استكملت بالموسيقى التي رافقت الممثلين خلال العرض، إذ تخللته وقفات موسيقية، كانت مهمة لمنح الأحداث السياق الزمني اللازم.

حافظ العمل الذي وصلت مدته إلى ساعة تقريباً على ايقاعه المتماسك، وعلى انتباه ودهشة الجمهور حتى النهاية التي شهدت انهيار الشخصيات، والتي كشفت لنا، بأنها ليست إلا لوحات رسمت ووضعت في إطارات، ويعيش معها الرسام هذه القصص على نحو شبه يومي. هذا الانهيار يأخذنا الى عالم يُبنى بداخلنا، عالم قد لا ينعكس بكامله أمام الناس، لكنه عالم ينطوي على عوالم كثيرة.

رمزية عالية

وقال كاتب العمل سعود الزرعوني لـ«الإمارات اليوم»: «هذا النص المسرحي الثاني لي، بعد مشاركتي في المهرجان العام الماضي، وحصولي على أكثر من جائزة في أكثر من فئة». وأشار الى أنه حين بدأ بكتابة النص، تعمّد طرح هذه القضايا المهمة برمزية عالية، لأن المسرح يحتمل هذا الطرح، سواء وفق الأسلوب الكوميدي أو الجاد، موضحاً أن المهمة الأصعب على الكاتب هي طرح الأفكار بطريقة لا تجعل الجمهور يمل من العرض، أي وضع القضايا في قالب مسلٍّ للمشاهد، ليتمكن بعدها من تلقي كل مفرداته بشكل سلس، مع الإشارة الى أن الرمزية في العمل المسرحي تضيف له الكثير من النكهة، وتعزز قوته.

أسس علمية

أما المخرج محمد جمعة، فتحدث عن الاختلاف في عمله الاخراجي، قائلاً: «بدأت الدراسة في أكاديمية الشارقة للفنون الأدائية، ودخولي للأكاديمية صنع لدي الوعي في الاشتغال المسرحي، فأصبحت مدركاً في عملي الى أي مدرسة ينتمي العمل الذي أقوم به، وكذلك الأبعاد الاخراجية التي أضعها، بينما كنت في السابق أعمل بشكل تلقائي، ومن دون وجود أسس علمية، بل بتتبع الرغبة، وهذا أوجد الكثير من الاختلاف في رؤيتي». ولفت جمعة الى انه من خلال هذا العرض المسرحي، عمل كثيراً على حقيقة الممثل والشخصية، بعيداً عن التصنع، محاولاً تقديم المعرفة الأكاديمية للممثلين أيضاً، بهدف تكامل العمل. وأشار الى انه قام بتصميم وتنفيذ الديكور بنفسه، ولهذا تعمد أن تكون إكسسوارات العمل من ثيمة المكان الواحد، وهو المرسم، مبيناً انه كان يهتم للممثل بشكل أساسي. وشدد على أن الأمور التقنية في بعض الأحيان قد لا تخدم المخرج، خصوصاً حين لا يكون المسرح مجهزاً بالكامل، مع عدم وجود الفنيين الكافين، فهذا ينعكس بشكل أو بآخر على الشكل النهائي لصورة العرض.

تفاعل الجمهور

جذب عرض اليوم الثاني من مهرجان دبي لمسرح الشباب الجمهور، وتفاعل معه طوال فترة العرض، سواء في مقاطع الكوميديا التي كان يتفاعل معها الجمهور، أو حتى في التطرق لقضايا تمس البشر وتحكي أوجاعهم، ومنها قضية العدل والمساواة، حيث كان الجمهور يستوقف العرض بالتصفيق الحار، أو المناداة بأسماء الممثلين خلال الأداء كتحية على تقديم الشخصيات بشكل مميّز.

محمد جمعة:

«عملت على حقيقة الممثل والشخصية بعيداً عن التصنّع، محاولاً تقديم المعرفة الأكاديمية للممثلين».

سعود الزرعوني:

«المهمة الأصعب على الكاتب هي طرح الأفكار بطريقة لا تجعل الجمهور يملّ».

طباعة