برعاية
    العد التنازلي لإكسبو دبي 2020

    عالمة آثار ومستكشفة ومصوّرة وجاسوسة

    البحث عن «ملكة الصحراء» غرترود بيل «والدة» العراق الحديث

    صورة

    العثور على المقبرة البروتستانتية حيث ترقد البريطانية غرترود بيل، التي أسهمت في وضع أسس العراق الحديث، ليس أمراً سهلاً في بغداد، فيما تحديد قبرها بحاجة إلى مساعدة ناطور الموقع الذي يعرف المكان عن ظهر قلب.

    الكتابات على شاهد قبرها شبه ممحية، ولا أحد تقريباً في العراق يعرف اليوم من هي تلك الباحثة في علم الآثار والمستكشفة والمصوّرة والجاسوسة والكاتبة، التي توفيت في عزلة عام 1926 عن عمر ناهز 57 عاماً. إلا أن هذه المرأة أسهمت بنشاط في تأسيس العراق الحديث في مؤتمر القاهرة في عام 1921، إلى جانب ونستون تشرشل، حينما كانت وزيرة للمستعمرات، ما وسّع الحيز الجغرافي للعراق، الذي كان خاضعاً للانتداب البريطاني، بضم كردستان والموصل شمالاً والحقول النفطية إليه. تؤكّد المؤرخة والكاتبة العراقية، تمارا شلبي، المتخصصة في حياة غرترود بيل، أنها «فعلت كثيراً لهذا البلد، ليس فقط كأحد مؤسسيه، بل كانت بشكل من الأشكال والدة العراق».

    مكانة خاصة

    حققت بيل، التي كانت تتقن اللغتين العربية والفارسية، وتنتمي إلى المجتمع الراقي في بريطانيا حينذاك، لنفسها مكانة خاصة في العالم الذكوري للإدارة الاستعمارية البريطانية، فانضمت إلى المكتب العربي في القاهرة، أحد فروع الاستخبارات البريطانية.

    ففرضت فيصل الأول ملكاً على العراق، ونتيجة معرفتها الجيدة بالعشائر، نجحت في حصد التأييد له. لكنها كانت تعتبر إنجازها الأكبر، بناء متحف بغداد، الذي افتتح بعد شهر على وفاتها. إلا أن هذه المرأة التي عملت إلى جانب تي إي لورنس، الملقب بـ(لورنس العرب)، غير معروفة كثيراً في العراق.

    «ملكة الصحراء»

    تروي تمارا شلبي: «حينما جئت إلى العراق في عام 2005، لاحظت أن من هم دون 60 عاماً، لا يعرفون عما أتكلم. وفي الفئة العمرية الأكبر، تذكّر بعض الرجال الكبار في السنّ ماذا فعلت» غرترود بيل، وهم يلقبونها بـ«خاتون»، الكلمة العثمانية التي كانت تلقب بها النساء من طبقة الملوك أو النبلاء.

    تعزو شلبي، التي شاركت في إعداد كتاب بعنوان «غرترود بيل والعراق - حياة وإرث»، قلة معرفة العراقيين بتلك المرأة اليوم «لواقع أنها امرأة.. لكن أيضاً بسبب الطريقة التي نُلقّن فيها التاريخ في العراق».

    وتضيف: «لا يعرف العراقيون كثيراً عن ماضيهم. عن الوطن والتاريخ، يقدمون لنا نسخاً دعائية وأحادية الجانب». عدّلت كتب التاريخ في العراق، الذي يحتفي في أغسطس بمئوية تأسيسه، مراراً عقب الثورات والانقلابات والتغييرات التي طرأت على نظام الحكم.

    تشرح هايدي الطالبة الجامعية البالغة من العمر 23 عاماً أنها «تعلمت التاريخ الحديث للبلاد بين سني الـ12 والـ15.. لقد تعلمنا تواريخ، لكن اسم غرترود بيل لم يذكر أبداً».

    في المقابل، خصصت كتب كثيرة لبيل في الغرب، خلال السنوات الأخيرة، فيما أخرج الألماني فيرنر هيرتسوغ فيلماً عنها في عام 2015 باسم «كوين أوف ذي ديزيرت» (ملكة الصحراء)، لعبت فيه الممثلة نيكول كيدمان دور غرترود. العثور على المقبرة التي ترقد فيها أشبه بالبحث عن كنز. فهي تقع في أحد أزقة وسط بغداد، وينبغي القرع مرات عدة على البوابة الحديدية ليفتح الناطور علي منصور البالغ من العمر 77 عاماً.

    ورث منصور مهمة حراسة المقبرة عن والد زوجته الذي كلفه البريطانيون فيها قبل أكثر من 60 عاماً. ويتلقى مبلغ 250 ألف دينار (170 دولاراً) من الكنيسة البروتستانتية كل شهر لقاء عمله.

    على قبر غرترود بيل، وضعت بعض الورود الاصطناعية. يخبر منصور أن «بعض الزوار يضعون وروداً حقيقية، لكن أقوم بإزالتها بسبب الحرّ». ويضيف أنه «تلقى العام الماضي دعوةً إلى السفارة البريطانية لحضور احتفال تكريمي لذكرى (ميس بيل)، كما يسميها العراقيون».

    في المقابل، يؤكد أستاذ التاريخ في جامعة المستنصرية في بغداد، علي النشمي، أن «بيل كانت تخدم مصالح التاج، وليس مصالح العراقيين».

    خيوط رحلة

    لتكتمل خيوط رحلة البحث عن غرترود بيل، يجب زيارة متحف بغداد. من مكتبه، يدلّ رئيس الهيئة العامة للآثار والتراث على لوحة خشبية حفرت عليها أسماء من سبقوه في المنصب. على رأس اللائحة كتب اسم غرترود بيل، التي تولت المهمة من 1922 إلى 1926. ويقول حسين: «لم تنس أبداً. لقد أسست المتحف العراقي، وأسهمت في اللبنة الأولى لعلم الآثار في العراق».

    طباعة