من أبرز الرحالة الذين زاروا المنطقة وعُرف باسم «مبارك بن لندن»

«ذاكرة الوطن».. ويلفريد ثيسجر.. عابر الربع الخالي صديق البدو

صورة

«ذاكرة الوطن»

صفحة أسبوعية تقدمها «الإمارات اليوم»، بالتعاون مع «الأرشيف الوطني»، التابع لوزارة شؤون الرئاسة، بهدف التعريف بشكل الحياة في الإمارات قبل الاتحاد، وخلال بداياته الأولى، والجهد الكبير الذي بذله الآباء المؤسسون للدولة من أجل قيامها، وربطها بما يحققه قادة الإمارات، اليوم، وأبناؤها من إنجازات شهد لها العالم.


بين مئات الرحالة الذين زاروا شبه الجزيرة العربية، يظل اسم الرحالة البريطاني ويلفريد ثيسجر، هو الأكثر شهرة، سواء بين سكان المكان أو بين الدارسين والباحثين، وهو ما قد يرجع إلى كونه أول رحالة أوروبي يقطع الربع الخالي في شبه الجزيرة العربية مرتين في الفترة بين عامي 1946 و1950، بصحبة عدد من البدو من سكان المنطقة، وربما ترجع شهرته وارتباط سكان المنطقة به إلى حرصه على التقرب إليهم وتعلم لغتهم ومعرفة عاداتهم وتقاليدهم وارتداء الزي البدوي، المتمثل في الغترة والعقال وخنجر حول وسطه، ولذلك أحبوه وأطلقوا عليه لقب «مبارك بن لندن». أيضاً يعتبر ثيسجر من أبرز الذين أسهموا في توثيق شكل حياة البدو وسكان شبه الجزيرة في الفترة التي وجد خلالها في المكان، وتقديم تفاصيل لم يذكرها أحد قبله حول صحراء الربع الخالي والقبائل المقيمة فيه، وحياتهم الاجتماعية والاقتصادية عبر آلاف الصور التي التقطها ونشر جانب منها في كتابه الأشهر «الرمال العربية»، إلى جانب كتابه «عرب الأهوار»، الذي يتناول فيه أسفاره ورحلاته في أرض العراق.

وصف مختلف

رغم أن هناك رحالة آخرين سبقوا ثيسجر في عبور الربع الخالي، أبرزهم الرحالة المعروف برترام توماس، والرحالة هاري سانت جون فلبي، ولكن تميز ثيسجر لأنه أفضل من وصف البدو وطبيعتهم ورمال الربع الخالي، ولم يكتف بتسجيل الظواهر الجغرافية للمناطق التي مر بها، فقدم وصف مختلف لحياة حياة البدو الرحل من قبائل المنطقة، وهو وصف نابع من معايشته لهم والتفاعل مع حياتهم.

قسوة الصحراء ووفاء البدو

وعن سبب قيامه بهذه الرحلة الخطرة، يكشف ثيسجر في كتابة «الرمال العربية»، عن قناعته بأن «صحراء الربع الخالي واحدة من أماكن قليلة باقية ترضي رغبتي الجامحة في أن أزور مناطق لم يسبقني أي أحد إليها، وأنها المكان الذي يوفر راحة البال النادرة، التي تأتي مع الوحدة ووفاء البدو وسط ظروف بالغة القسوة»، مضيفاً: «هنا تكمن لذة المغامرة أن تستكشف أمراً جديداً، وتعيش حياة تختلف كلية عن الحياة التي عرفتها، عشقي للمغامرة كان خلف إصراري على قطع الربع الخالي، حيث وجدت السلام الحقيقي».

الانتماء

احتلّ وصفه لحياة البدو مساحة كبيرة من كتابه الذي صدر لأول مرة باللغة الإنجليزية في عام 1959، ومنها قوله: «إن أفضل صفات العرب جاءتهم من الصحراء، ألا وهي إيمانهم الديني العميق الذي وجد تعبيره في الإسلام، وإحساسهم بالانتماء الذي يربطهم كأشخاص يعتنقون الدين نفسه، واعتدادهم بجنسهم وكرمهم وحسن ضيافتهم، وكرامتهم، وحرصهم على كرامة الآخرين كإخوان لهم في الإنسانية، وطيب معشرهم وشجاعتهم وصبرهم، كما أن العرب يقدمون أفضل ما عندهم في وقت الشدة». وفي موضع آخر من الكتاب يتحدث عن الكرم البدوي، مشيراً إلى أنه قابل في الصحراء شيخاً بدا فقيراً جداً وجلده ارتخى على تجويف بطنه من الجوع. فاعتقد أنه ربما كان عجوزاً فقيراً حقيقياً، لكنه علم في ما بعد أن العجوز كان أغنى رجل في قبيلته وقد أفقره كرمه، لأن أحداً لم يأت إلى خيمته في أي وقت إلا نحر جملاً لإطعامه.

محبة الآخر

الاختلاف الكبير بين الحياة في أوروبا بشكل عام من جهة وحياة البدو من جهة أخرى، عبّر عنه ثيسجر في كتابه بعقد مقارنات مختلفة منها قوله: «إن أسوأ وحدة هي أن تكون وحيداً في حشد من الناس. لقد كنت وحيداً في المدرسة، وفي المدن الأوروبية، لكنني لم أكن وحيداً أبداً بين العرب. لقد جئت إلى بلادهم حيث كنت غريباً، وقد مشيت في السوق فحياني صاحب محل، ودعاني للجلوس بجانبه في محله، وطلب لي الشاي. ثم تقدم أناس آخرون وانضموا إلينا. سألوني من أكون، ومن أين جئت. وقد دعاني أحدهم للغداء، وفي الغداء قابلت عرباً آخرين، حيث دعاني شخص آخر منهم للعشاء. وتساءلت بحزن كيف سيكون شعور العرب الذين نشأوا على هذه التقاليد لو أنهم زاروا إنجلترا». في حين وصف الأشخاص الذين رافقوه خلال رحلاته لعبور الربع الخالي من الإمارات، وهم: سالم بن كبينه، وسالم بن غبيشة، والعمير بن عمر، ومحمد صالح بن کلوت، ممتدحاً شجاعتهم قائلاً: «هؤلاء الرجال الذين رافقوني شبوا وترعرعوا على قيم افتداء ضيفهم بكل ما تحمله الكلمة من معنى وبكل رجولة».

في حضرة الشيخ زايد

سجل ويلفريد ثيسجر في كتابه وصف أول لقاء له مع المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، لأول مرة، وذلك في عام 1948 حين كان ممثلاً للحاكم في مدينة العين، خلال رحلته لعبور رمال الربع الخالي، قائلاً: «اقتربنا من المويجعي وهي إحدى قرى العين وكان المغفور له الشيخ زايد يعيش في تلك القرية، وعند وصولنا إلى الحصن كان نحو 30 عربياً يجلسون تحت شجرة شائكة أمام الحصن، وبعد أن أشار دليلنا وقال لي إن الشيوخ جالسون، قمنا بتبريك نياقنا على بعد 30 ياردة وتقدمنا حاملين بنادقنا وعصي النياق، وبعد أن ألقيت على الشيخ وجماعته السلام، تحدث إليّ المغفور له الشيخ زايد، فوجدته رجلاً قوي البنية يبلغ من العمر نحو 30 عاماً، لحيته بنية اللون، وجهه قوي ينم عن الذكاء، وكانت عيناه خارقتين يقظتين، ويعطي الانطباع بأنه شخص هادئ قادر ذو عزيمة، ولباسه بسيط جداً، يتكون من قميص من قماش لونه بني فاتح، وصدرية غير مزررة ويتميز عن رفاقه بعقاله الأسود وطريقة ارتدائه كوفيته التي كانت ملقاة على كتفيه، وكان يرتدي خنجراً وحزام رصاص وبندقية ملقاة على الرمال إلى جانبه». كما تحدث (بن لندن) في مواقع أخرى من كتابه عن دعوة الشيخ زايد له للمشاركة في رحلة لصيد الصقور. وفي عام 2000، قام الشيخ زايد، طيب الله ثراه، بمنح ويلفريد ثيسجر وسام الاستقلال من الطبقة الأولى، تقديراً لجهوده التي قام بها في المنطقة ومؤلفاته ومنها كتاب «الرمال العربية».

ثيسجر.. من هو؟

ولد ويلفريد ثيسجر (مبارك بن لندن) في عام 1910، في أديس أبابا عاصمة إثيوبيا، وذلك بعد انتقال والده إليها للعمل مفوضاً سامياً لبريطانيا، ونشأ ويلفريد هناك، وحين عادت أسرته إلى بريطانيا عام 1919 تعلم في إيتوان وأوكسفورد، ومن أروقة أوكسفورد بدأ أولى رحلاته العديدة، فقد انضم إلى هيئة السودان السياسية التي أوفدته في عام 1934 للعيش في منطقة نائية تسمى «كتوم» في كوخ من سعف النخيل، وهناك وقع (بن لندن) في أسر الصحراء من جمالها وصمتها. وبعد أن غزت إيطاليا إثيوبيا عام 1935 انقطع أمله في العودة إلى المنطقة التي نشأ فيها، وخلال الحرب العالمية الثانية عاش في كل من مصر وإمارة شرق الأردن بأن عمل في العمليات الخاصة للجيش البريطاني، وحارب مع القوات الجوية الملكية في شمال إفريقيا، قبل أن يعمل مستشاراً للإمبراطور الإثيوبي هيلاسلاسي. وتوفي ثيسجر في لندن عام 2003، عن عمر يناهز 95 عاماً.


 - التقى الشيخ زايد

ثيسجر لأول مرة

في عام 1948 حين كان ممثلاً للحاكم

في مدينة العين.

- في عام 2000 منح الشيخ زايد ويلفريد وسام الاستقلال من الطبقة الأولى.

طباعة