من أبرز مفردات التراث الإماراتي

الحناء.. نقوش الفرح ووصفة التداوي الأصيلة

صورة

«ذاكرة الوطن»

صفحة أسبوعية تقدمها «الإمارات اليوم»، بالتعاون مع «الأرشيف الوطني»، التابع لوزارة شؤون الرئاسة، بهدف التعريف بشكل الحياة في الإمارات قبل الاتحاد، وخلال بداياته الأولى، والجهد الكبير الذي بذله الآباء المؤسسون للدولة من أجل قيامها، وربطها بما يحققه قادة الإمارات، اليوم، وأبناؤها من إنجازات شهد لها العالم.


تمثل الحناء واحدة من أبرز مفردات التراث الإماراتي والخليجي بشكل عام، ورغم التغييرات الكبيرة التي شهدتها المجتمعات خلال السنوات الماضية، إلا أن الحناء حافظت على مكانتها وحضورها المرتبط غالباً بطقوس البهجة والاحتفال، سواء بالمناسبات الاجتماعية أو بالأعياد، إذ أصبح السائد استخدامها وسيلة للزينة، بينما تراجع استخدامها وسيلة للتداوي والتطبب. كذلك أصبح استخدام الحناء مقصوراً، لدرجة كبيرة، على النساء والفتيات، على خلاف الماضي، إذ كان يستخدمها الرجال والنساء.

وعرفت الحناء منذ عقود طويلة، إذ استعملها الفراعنة في أغراض شتى، فقد صنعوا من مسحوق أوراقها معجوناً لتخضيب الأيدي وصباغة الشعر وعلاج الجروح، كما وجد كثير من المومياوات الفرعونية مخضبة بالحناء، واتخذوا عطراً من أزهارها. كما كان للحناء مكانة خاصة في الثقافة العربية والإسلامية، فلجأ كثير من الشعوب إلى استخدامها في التجميل بفضل صفاتها، فتخضب بمعجونها الأيدي والأقدام والشعر، وفرشوها حتى في القبور تحت موتاهم.

وتستخدم الحناء كذلك في دباغة الجلود والصوف. ويتم الحصول عليها من طحن أوراق شجرة الحناء، وهي شجيرة من الفصيلة الحنائية حولية أو معمرة تعمر نحو ثلاث سنوات وقد تمتد إلى 10، مستديمة الخضرة، غزيرة التفريع، يصل طولها إلى ثلاثة أمتار، وفروعها خضراء اللون وتتحول إلى البنى عند النضج، وأوراق الحناء بسيطة جلدية بيضاوية الشكل بطول ثلاثة إلى أربعة سم، وقد تكون بلون أحمر خفيف أو أبيض مصفر، والأزهار صغيرة بيضاء لها رائحة عطرية قوية ومميزة.

صحة العيون والأيدي

كان الناس في الإمارات يعتقدون أن الحناء من أسباب صحة العيون والأيدي، لأن وضع الحناء على باطن الأقدام يعزل الجسد عن حرارة الأرض، ويؤدي ذلك العزل إلى تجنب الإجهاد الحراري، لأنه يوفر طبقة عزل عن العناصر (الماء، والهواء، والنار).

وغالباً ما يسبب الإجهاد الحراري التهاب العيون، والصداع، ولذا يعتقد أن الحناء تساعد على اجتناب تلك المتاعب الصحية.

كما كانت توضع على الرأس مباشرة إذا عانى الشخص أعراضاً مماثلة، وفي تلك الحالة، كانت توضع على رأس المريض أوراق حناء طازجة بعد سحقها، ثم تغطى بوشاح، وفق ما يذكر الباحث عبدالله الشرقي، في مجلة «ليوا»، التي تصدر عن الأرشيف الوطني، موضحاً أن استخدام الحناء لم يقتصر على الكبار، إذ كانت توضع على يدي المولود وقدميه بعد أسبوعين من ولادته باستخدام «الغمسة»، ويقصد بها غمس اليد مع الرسغ والقدم مع الكعب في الحناء، وقبل أن يصل عمره 40 يوماً يعاد وضع الحناء على يديه وقدميه، وفي المرة الثانية يوضع على الجلد أولاً طبقة من معجون أسود مصنوع من الصبر (آلو فيرا)، ثم توضع طبقة من الحناء. والغرض من ذلك أن المولود عندما يكبر ويستخدم الحناء فستبدو دکناء بدرجة أكبر على الجلد.

ولفت إلى أن ثمة استخداماً آخر للحناء مع المواليد لدى بلوغهم الشهر الـ18 أي وقت ظهور الأسنان، لتجنب الآلام المصاحبة له عادة. وفي هذه الحالة يستخدم المزيج من أوراق الحناء، وأوراق التوت (من جنس الموارس) بعد طحنها، ثم توضع على قمة الرأس وخلف الأذنين، ثم يغطى ذلك المرهم بشاش، ويترك يومين.

كذلك يشير الشرقي في بحثه إلى أن الحناء توضع على أقدام وأيدي الأطفال من الذكور الإناث، وكان من الشائع في الماضي أن يضع الرجال الحناء على أيديهم وأرجلهم، وعادة ما يفعلون ذلك بمناسبة الأعياد، ومع تغيّر الزمن في الإمارات، بدأ الرجال يضعون الحناء على باطن أقدامهم، أو راحة أيديهم، وقلت تلك العادة الآن، ولكن بعض الرجال ظلوا يضعون الحناء على أقدامهم أو أيديهم في الزفاف والأعياد.

ليلة خاصة

تشكل الحناء طقساً رئيساً من طقوس الزفاف للمرأة في الإمارات، وفي العالم العربي عموماً، إذ تُحيي قريبات العروس وصديقاتها ليلة الحنّاء قبل الزفاف، فكانت العروس تجلس في وسطهن، وتبدأ بقية الفتيات والنساء في ترديد أهازيج معينة ارتبطت بالحناء وليلة الحناء، من أشهرها «حنونا من حناكم، ترى إحنا نمشي وراكم».

وعادة ما كانت إحدى قريبات العروس المتزوّجات والأكبر منها سنّاً ترسم الحناء بأشكال وتصاميم عدة، تختلف من أسرة إلى أخرى، وفي الوقت الحالي أصبحت هنا «حناية» أو «محنية» تؤدي هذه المهمة. كذلك تستخدم الحناء في العديد من المناسبات الأخرى، مثل عيد الفطر، كما تصبغ النساء الأكبر سنّاً أظافرهنّ بالحناء.

أشكال

كانت المرأة تصنع الحناء بنفسها، من خلال طحن أوراق نبتة شجرة الحناء الخضراء المجففة، وعجنها مع الماء الدافئ وبعض من عصارة الليمون الجاف لتزيين اليدين والقدمين، وفي حال استخدامها لتقوية الشعر لا يوضع الليمون.

وكانت هناك نقوش مختلفة متعارف عليها، من أشهرها، «الغمسة»، وفيها تغمس اليد كاملة من الأمام والخلف بالحناء. و«القصة» وتكون على الأصابع ونصف أو کامل راحة اليد، و«الشراع» وتكون على شكل مثلث، و«الروايب» وتكون على أطراف الأصابع، و«التيلة» وتكون نقطة على شكل تيلة، إضافة إلى حنة «الكازوا» وتكون على شكل حبة الكازوا، و«أبوالبيطان» و«الجوتي» وفيه يتم تخضيب القدمين.

علاج للغواصين وفوائد أخرى

استخدم الآباء والاجداد في الإمارات الحناء كعلاج ومرطب للجلد لمن يغوصون تحت الماء بحثاً عن اللؤلؤ، لتعالج الجفاف الذي تصيبهم به مياه البحر المالحة.

كذلك كانت الحناء تستخدم للمرأة الحامل في الأيام الأخيرة قبل الولادة، لتخفيض درجة حرارة الجسم وتسريع الولادة، فكانت تعجن الحناء مع الماء وتضع المرأة قدميها في الوعاء، ثم تلف القدمين في قطعة قماش.

إلى جانب فوائد الحناء الأخرى في علاج الطفيليات التي تصيب الجلد، وفي علاج قشرة الشعر وسقوطه والطفيليات التي قد تظهر على فروة الرأس، وفي تطهير الجروح والتقيحات، وذلك لما تتضمنه من مواد قابضة ومطهرة.


- طقس للبهجة، وترديد أهازيج ارتبطت بها وبليلة الحناء، ومن أشهرها: «حنونا من حناكم، ترى إحنا نمشي وراكم».

- من أشهر النقوش «الغمسة»، وفيها تغمس اليد كاملة بالحناء.

طباعة