الآبار.. أغلى ما يمتلكه سكان الصحراء

الطوايا.. مصدر للحياة وعلامات على الطريق

صورة

«ذاكرة الوطن»

صفحة أسبوعية تقدمها «الإمارات اليوم»، بالتعاون مع «الأرشيف الوطني»، التابع لوزارة شؤون الرئاسة، بهدف التعريف بشكل الحياة في الإمارات قبل الاتحاد، وخلال بداياته الأولى، والجهد الكبير الذي بذله الآباء المؤسسون للدولة من أجل قيامها، وربطها بما يحققه قادة الإمارات، اليوم، وأبناؤها من إنجازات شهد لها العالم.


المياه في الصحراء هي أغلى ما يمكن أن يبحث عنه أو يمتلكه سكان الصحراء، ومن أجلها عاشوا حياتهم يتنقلون بحثاً عن بئر يقيمون حولها، أو عين نبعت وسط الرمال، فنبتت حولها الأشجار والنباتات، لتصبح مقراً لهم حتى تنضب، لينطلقوا من جديد بحثاً عن غيرها.

ومع الوقت أصبحت آبار المياه، التي أطلقوا عليها في الإمارات اسم الطوايا، بمثابة علامات ترسم لهم طريقهم في الصحراء، ويستدلون بها لوصف مواقعهم أو للتأكد من أنهم على المسار الصحيح خلال ترحالهم، كما عرفت قبائل معينة بمهارتها في الاستدلال على مواقع المياه العذبة، وحفر الآبار وصيانتها والحفاظ عليها.

أهمية كبرى

وتؤكد الشيخة صبحة محمد جابر الخييلي أهمية الآبار في حياة البادية، موضحة في كتابها «وين الطروش.. بادية أبوظبي خلال الثلاثينات إلى الستينات من القرن العشرين»: «ونحن نتحدث عن الطويان في البادية، لابد أن نذكر أن للطويان أو عيون الماء والآبار أهميتها الكبرى لدى بدو الصحراء، فهم يعيشون على مياهها، وتعد تلك الموارد محطة مهمة لاستراحة العابرين للصحراء، إذ يجتمعون عندها لسقي مواشيهم والتزود بالماء العذب من أجل الشرب، فالطوي من ذلك الوقت كانت تشكل أهمية قصوى لأفراد المجتمع البدوي، وتقام حولها التجمعات السكانية، وتصبح مأهولة بهم، لأنها المصدر الرئيس الذي يبث الحياة في الكائنات الحية، وعلى رأسها الإنسان، فكانت ملهمة للشعراء منهم، وتضرب بها الأمثال، وتنسج حولها (الخراريف) والروايات التي يتناقلها البدو بحب ومتعة كبيرة».

بدع سلمى

وتشير الشيخة صبحة إلى أن أهمية الطويان لم تقتصر فقط على كونها مصدراً للماء، بل أيضاً كعلامات ودلالات للطريق: «وأذكر أيضاً عن المناطق التي ارتحلنا منها وإليها أن لكل مكان مررنا به ميزة وملامح خاصة، سواء في شكل (العراقيب) أي التلال، أو الأشجار، أو الآبار، أو طبيعة الأرض».

وتتطرق إلى ذكرياتها حول أحد هذه الأماكن، وهو «بدع سلمى»، الذي يقع شمال نقرة «بقعة»، على طريق دبي: «بدع سلمى هو بئر ماء كنا نؤمها للحصول على ماء الشرب والسقاية، ولا أنسى حقيقة ما حييت أيام الخير التي شهدناها وعشناها في ذاك المكان، وأذكر أننا في سنة من السنين اتخذنا سكننا في تلك المنطقة، وكنا في شهر رمضان المبارك، وقد أنعم الله عليها بأمطار غزيرة استمرت سبعة أيام، لم نشاهد خلالها شمساً أو ضوءاً في النهار، وعلى الرغم من أن البئر في تلك المنطقة كانت عميقة، إلا أنها امتلأت بالماء بعد المطر إلى آخرها، وتدفقت منها المياه بشكل يسر القلب والعين».

وتابعت «بعد أكثر من 50 عاماً زرنا بدع سلمى، وكأن الزمن لم يمر على هذا المكان، ملامحه لم تتغير، فلاتزال غافاته شامخات كما عهدناها سابقاً، ورجعت بذاكرتي إلى تلك الأيام الخوالي، فاستحضرت بمخيلتي مكان بيوتنا، وأبطال الصحراء الذين سكنوها في فصل الصيف، حيث كانت تكتظ (ظهارة) بدع سلمى بالسكان في هذا الوقت، وكيف كانت شهامة الرجل البدوي الذي كان يقف على بئر الماء ليسقي للنساء أولاً، سواء كانوا جيراناً أو معارف من بعيد، فجميعهم يسقون من بئر واحدة، كما تذكرت السهل الذي كان (الحلال) يرعى فيه».

ولفتت إلى أن اسم «بدع سلمى» قد أطلق على المكان نسبة إلى سلمى بنت علي الكتبي، التي أمرت بحفر بئر في المنطقة لاتزال موجودة حتى الآن، وهي سيدة معروفة في البادية، وحفرت البئر على يد راشد الحفير، وهو من أهل العين، واشتهر بهذا اللقب لمهارته في حفر الآبار.

عن الحفر

كذلك يتطرق الراوي سالم محمد بن كبينة الراشدي، الذي اكتسب خبرة واسعة بالصحراء منذ صغره، وكان ضمن فريق الرحالة البريطاني ويلفريد ثيسيغر في رحلته الشهيرة لاستكشاف الربع الخالي، في مذكراته الواردة في كتاب «ذاكرتهم تاريخنا»، الصادر عن الأرشيف الوطني، للبحث عن المياه وكيفية حفر الآبار، قائلاً: «في بحث البدو عن الماء قديماً، كانوا يحفرون آباراً في بقع مختلفة، وقد يجدون الماء، وقد لا يجدونه. فأما البقع التي يجدون فيها الماء، فإنهم يحفرون بها آباراً يصل عمقها إلى طول قامتين أو أطول منها بقامتين وربما ثلاث أو أربع، وقد يصل إلى أكثر من ذلك. ومن هذه الآبار ما يكون قريباً، وآخر يكون بعيداً، وكانوا يحفرون ويواصلون الحفر حتى يجدوا الماء، لذلك تراوح أعماق هذه الآبار للأطوال التي ذكرتها سابقاً».

وأوضح أنهم كانوا يستخدمون لحفر الآبار أدوات حديدية يحفرون بها الأرض، ثم يزيلون التراب مستخدمين الجفران ــ وهي سلة مصنوعة من سعف النخيل ومفردها جفير ــ في رفعه حتى يزداد عمق الحفرة، وهناك من يحفر الآبار بالخنجر، ويبقى الحفار في الحفرة حتى يخرجه أقرانه بواسطة حبل الرشا، وهو الحبل الذي كان يستخدم لرفع الدلو من البئر، إلا أن هناك من لديه العزم والقوة فيخرج من الحفرة. وعن أهمية الطوايا كمعالم للطريق قديماً، تحدث الباحث خليفة بن دلموك من مدينة الذيد، موضحاً في مقابلة أجرتها معه الباحثة شيخة الغاوي: «كانت قوافل الحضار تأتي من الشارقة ودبي في بداية القيظ، متجهة نحو المزارع في كلباء، وتمر على طوي سهيلة وطوي حويرة خلف المنامة قرب ثوبان وعلى وادي السيجي، ثم مسافي والبليدة والبثنة، ثم تدخل كلباء، إذ إن جل أفرادها يملكون مزارع هناك.. أما أهل دبا والطيبة والعينية والغيل فكانوا يمرون على طوي سهيلة، ثم طوي بن غرير القديمة في منطقة فلج المعلا، ثم على طوي سيف، وطوي راشد الشرقي والغربي، وبعدها يتفرقون كل حسب وجهته، إما إلى عجمان أو الشارقة أو دبي، حيث كانت القوافل القادمة من العين تمر على طوي سهيلة، وتتجه شمالاً وتنقسم إلى قسمين، قسم للتبضع، وقسم يتجهون إلى منطقة العشب في الدقداقة للرعي». كما يذكر بن دلموك أن المجموعة الأخرى من القوافل تأتي من المنطقة الشمالية من شعم وغليلة، إذ كانوا يأتون بالأسماك الطازجة إلى جانب الركاب، ويطلق عليهم الأهالي اسم «الطراديين»، ويصلون حتى البريمي والعين، ويمرون على الذيد، ومن يريد الذهاب إلى دبي يمر على طوي سهيلة وطوي سيف وطوي بن غرير، وبعضهم يمر على طوي زبيدة. أما القوافل التي تأتي من المنطقة الشرقية وما حولها، فكانت تمر على طوي سهيلة وطوي راشد وطوي سيف، ويصلون إلى سويحان قرب مطار الشارقة خلف محطة أدنوك حالياً، ومنها يذهبون إلى الشارقة أو دبي.

بينما القوافل القادمة من خورفكان، كانت تمر على الذيد، ومن الذيد غرباً على طوي النبيبيغ عند جسر رقم 9 الآن، ويصلون إلى الشارقة أو دبي.


لا يستدل عليها سوى الأجداد

قلّت الطوايا في المنطقة الشرقية لأنها أرض جبلية يصعب حفرها، حسب الباحث خليفة بن دلموك، الذي لفت إلى أن كثيراً من الآبار والطوايا ضاعت معالمها تحت الرمال، ولا يستدل على مكانها إلا عدد قليل من الآباء والأجداد.


• المصدر الرئيس الذي يبث الحياة في الكائنات الحية، وعلى رأسها الإنسان، فكانت ملهمة للشعراء، وتضرب بها الأمثال.

• «بدع سلمى» أطلق على المكان نسبة إلى سلمى الكتبي التي أمرت بحفر البئر.

طباعة