يتمتع بالاستقلالية التامة وفقاً للدستور

القضاء في الإمارات.. من العُرف إلى التشريعات الحديثة

صورة

«ذاكرة الوطن»

صفحة أسبوعية تقدمها «الإمارات اليوم»، بالتعاون مع «الأرشيف الوطني»، التابع لوزارة شؤون الرئاسة، بهدف التعريف بشكل الحياة في الإمارات قبل الاتحاد، وخلال بداياته الأولى، والجهد الكبير الذي بذله الآباء المؤسسون للدولة من أجل قيامها، وربطها بما يحققه قادة الإمارات، اليوم، وأبناؤها من إنجازات شهد لها العالم.


تتمتع دولة الإمارات بنظام قضائي متميز، تعود جذوره إلى سنوات طويلة عرف خلالها مجتمع الإمارات نماذج مختلفة من القضاء، تدرّجت من النظام القبلي القائم على الأعراف والتقاليد إلى أن أصبح لديها تشريعات حديثة، ونظام كامل يتمتع بالاستقلالية التامة، إذ تنص المادة (94) من الدستور الإماراتي على أن «العدل هو أساس الملك، ولا يوجد سلطان على القضاة أثناء أداء مهامهم سوى القانون وضمائرهم».

عند العودة إلى تاريخ القضاء في المنطقة، نجد أن البدو قد عرفوا القضاء من قديم الزمان، وطبقوه على مستوى مجتمعاتهم الضيقة في المعاملات والقصاص، وعلى أساس أعراف قديمة ورثوها من آبائهم وأجدادهم، وكانت بمثابة الدستور غير المكتوب، إلا أن النظم المتعارفة لم تكن تطبق على كل الأفراد بالتساوي، وهنا تحدد قوة القبيلة ومكانها في حجم الحكم الواقع عليها ونوعه، وكانوا يسمون القاضي بالشرع، وكان من أبرز هؤلاء القضاة «بن اليبيهه»، كما يبرز كتاب «التطور التاريخي للقضاء في دولة الإمارات العربية المتحدة بين الأعراف القبلية والأنظمة الوضعية 1946-2000»، الصادر عن «الأرشيف الوطني»، للدكتور راشد محمد عبيد رشود.

ويوضح الكتاب أن المسؤولية الجماعية هي محور القضاء في المجتمع البدوي، ويستهدف النظام القضائي عند البدو معاقبة أولئك الذين يخرجون على الإرادة الجماعية، أو يجرحون مشاعر الجماعة، والعقاب وسيلة لإعادة التوازن بين أفراد الجماعة.

ويضيف أن القضاء عند البدو كان يعتمد على العُرف والعادة، فليست ثمة قوانين مكتوبة، ولا خطط مرسومة، ويتولاه الشيوخ، وهؤلاء إما قضاة في الخلافات التي تنشأ داخل العشيرة، أو محكمون في المسائل التي تحدث بين العشائر المجاورة، ويباشرون القضاء بأنفسهم، لكنهم قد ينيبون عنهم رجالاً منهم يحكمون بما اكتسبوا من خبرة وتجربة، وبما سمعوا من أحكام أسلافهم في وقائع مماثلة.

ويشير الكتاب إلى أن للمحاكمات أصولاً، وللقضاء درجات متعارفة لا تكاد تختلف من قبيلة إلى أخرى إلا في تفاصيل قليلة، وهناك أحكام جزائية خاصة بالقتل، والدية، والزنا، والسرقة، والذم، وأحكام أخرى تتعلق بالشفعة والميراث.

مشهود له بالعدل

يتكون القضاء القبلي من شخص مشهود له بالعدل، ويكون إما حافظاً للقرآن أو شخصاً كبيراً في السن ملماً بما تنص عليه الأعراف البدوية القديمة. كما لم يعرف القضاء البدوي أدوات تلزم الذي عليه الحق بما يراه القضاء، كرجال الشرطة اليوم، والنيابة، وغير ذلك، إلا بعض السلوك التقليدي مثل: أن تتبرأ القبيلة منه، أو يهدر دمه، أو يستثنى من الذهاب مع قبيلته في غزواتها، أو لا يزوج من القبيلة.. إلخ، وكان ذلك رادعاً قوياً في وجه من لا يذعن للقضاء، وما يراه القاضي في القضية المعروضة عليه، ولذلك نجد من لم يلتزم بذلك ينفى من القبيلة، ويخرج بإرادته إلى قبيلة أخرى، أو يقطع الطريق على القوافل إلى حين، ثم يذهب برفقة أحد شيوخ القبائل إلى قبيلته لطلب رضاها عنه ويلتزم بما عليه من مغرم. وفق ما يذكر الكتاب، موضحاً أنه على عكس ما نراه اليوم في محاكمنا القضائية من قضاة ومحامين ووكلاء نيابة، فإن البدو كانوا في مرافعاتهم أمام القاضي يتحدثون عن قضيتهم بلغة تشبه الشعر. وفي كثير من الأحيان يفلح الذي له خطابة قوية لاستمالة القاضي إلى دعواه.

السرعة وقلة الإجراءات

أما الباحثة الإماراتية، نورة صقر حمدان الفلاحي، فتشير في كتابها «النظام القضائي في الساحل المتصالح من 1890-1971»، الصادر عن مركز حمدان بن محمد لإحياء التراث، إلى أنه رغم أن النظام القضائي العرفي كان شفهياً لا مكتوباً، فإنه كان منظماً بشكل بيّن وواضح، وتنبع فاعليته من أن المجموعة نفسها هي من شكلته وصاغته، من خلال شيوخها وكبارها وقضاتها، لخدمة حاجاتها واهتماماتها. كما يتميز القضاء العرفي بالسرعة وقلة الإجراءات والتكاليف، مقارنة بالقضاء النظامي المعاصر، الذي يعاني البطء وكثرة الإجراءات والتعقيدات، حسب الفلاحي، التي تلفت إلى أن القضاء العرفي عند بادية الساحل يختلف في بعض أوجهه، عن القضاء الذي ساد مدن الساحل المتصالح، نظراً إلى اختلاف الحياة وظروف المعيشة في البادية عنها في المدن الساحلية والقرى الملحقة بها أو القريبة منها. فيلاحظ أن أكثر خلافات بادية الساحل متعلقة بالحلال والمراعي وموارد المياه، بينما نزاعات مدن الساحل تدور حول التجارة، خصوصاً تجارة اللؤلؤ، وغيرها من الخلافات.

كذلك كان هناك تمييز بين اختصاصات القضاة العُرفيين وقضاة الشرع والمطاوعة، ممن لديهم تحصيل علمي، حتى ولو كان بسيطاً يجعلهم يحكمون في قضايا المواريث والزواج والطلاق والحقوق المالية، حسب أحكام الشريعة الإسلامية. أما الخلافات الناجمة عن أعمال العنف والتعدي الجنائي والخلافات الشخصية، فكان قضاة العُرف والخبراء بأعراف وعادات المجتمع البدوي يبتون فيها، ويتم اللجوء في بعض الأحيان إلى شيوخ القبائل الذين يتصفون بالحكمة والعدالة والصيت الحسن، والدراية بشؤون الحياة وأحوال القبائل.

صفات وثقافة

عن صفات القضاة وثقافاتهم، توضح الفلاحي في كتابها، أن القضاة العُرفيين هم الذين ترجع إليهم القبائل في حل خلافات أبنائها وفق العُرف السائد. ويكتسب هؤلاء القضاة معرفته بأحكام العُرف، من خلال المداومة الطويلة على حضور اجتماعات المجالس، وسماع قصص السابقين وما يتداول من أشعار، وما يشاهدونه فيها من تقاليد وعادات البدو باعتبار أن المجالس مدارس، إضافة إلى متابعتهم أحكام التقاضي والقضاة في هذه المجالس. وفي مجال العُرف لا يشترط نيل قضاة العُرف قسطاً من التعليم، حتى إن بعضهم لم يكن يعرف القراءة والكتابة، ولكنهم يتمتعون عادة بذكاء شديد وحكمة ودهاء، وقوة شخصية وفصاحة لسان وقدرة على ترتيب الكلام وتنميقه، إضافة إلى خبرتهم في الحياة وفض الخصومات والمنازعات. بينما كان للقضاة المتعلمين واجبات إضافية تزيد على بقية أقرانهم، فقد اضطلعوا بمسؤوليات أكبر حجماً وأكثر شمولية، حيث كانوا يؤدون دور الإمام والخطيب ومعلم القرآن للأطفال. كما يقومون بالتثبت من رؤية هلال شهر رمضان والعيد، وتفسير الأحلام وغيرها من المسائل الدينية، إضافة إلى دورهم في الإصلاح بين المتخاصمين.

في دبي

يتطرّق الدكتور راشد محمد عبيد رشود، في كتابه «التطوّر التاريخي للقضاء في دولة الإمارات العربية المتحدة»، إلى تطرّق العديد من المصادر إلى أهم رجال القضاة في دبي دون سواها من بقية الإمارات، لأن من يؤرخ للقضاء في دبي كمن يؤرخ لدبي تلك الإمارة الواعدة منذ البدايات. ومنذ تاريخ نشوء الإمارة مع بداية حكم آل مكتوم لها عام 1833، عرف الناس فيها القضاء في أبسط أشكاله وأقربها إليهم.

ويحدّد العارفون لتاريخ دبي أسماء عديدة لقضاة أفاضل تعاقبوا على القضاء فيها، يذكر منهم أول قاض مازال التاريخ يحفظ لنا اسمه الأول فقط وهو الشيخ خميس، ذلك القاضي الفاضل الذي شد الرحال إلى الأحساء طلباً للعلم الشرعي فيها، ثم عاد قاضياً بين أهل دبي، وكان ذلك في عهد الشيخ مكتوم بن حشر بن مكتوم بن بطي، الذي تولى الحكم في فترة (1884-1906). ولعل القضاء بوصفه حاجة ضرورية من حاجات المجتمع إلى العدل بين الناس كان أسبق من الشيخ خميس، إلا أن رواة التاريخ لا يحفظون لنا أحد قبله.

وتولى القضاء بعده الشيخ حسن الخزرجي، الذي كان يقضي بين الخصوم في بيته في منطقة الرأس بديرة، ثم تولى القضاء بعد وفاته شيخ وفد على دبي من المغرب العربي هو الشيخ محمد بن عبدالسلام المغربي، ليتسلم القضاء بعده الشيخ عبدالرحمن بن حافظ، وما لبث أن لاح في الصورة الشيخ أحمد بن حسن الخزرجى، والشيخ علي الجناحي، ثم الشيخ السيد محمد الشنقيطي، والشيخ مبارك بن علي الشامسي، الذي كانت ترفع إليه الأحكام في بيته لمراجعتها والمصادقة عليها للتأكد من صلاحيتها للتنفيذ، ولما لم يكن من حاجة أن يكون للقضاء مقراً كان القضاة يقضون في بيوتهم حتى تغيرت الحال فسمح الأمر بعد إنشاء المدرسة الأحمدية التي أنشأها وجيه دبي وكريمها محمد بن دلموك، وذلك في فترة كساد التي أعقبت الحرب العالمية فحالت الحالة الاقتصادية دون استكمال التعليم فتركت المدرسة لتتخذ مقراً للقضاء في تلك الفترة حتى تحسنت الأحوال وعادت الدراسة، فرجع القضاة يقضون بين الناس في بيوتهم، ثم عادوا في مرحلة لاحقة إلى اتخاذ جانب من مدرسة الأحمدية مقراً للقضاء.


الجميع سواء

يتمتع القضاء الاتحادي في دولة الإمارات بالاستقلالية التامة، ولا يسمح الدستور بأي تدخل من أي جهة أياً كانت. ويعمل النظام القضائي بشكل ثنائي يشمل القضاء الاتحادي برئاسة المحكمة الاتحادية العليا من جهة، والقضاء المحلي على مستوى الحكومات المحلية الأعضاء في الاتحاد. وينص دستور الدولة على تساوي الجميع أمام القانون، ويضمن حق الجميع من مواطنين ومقيمين في الحصول على محاكمة عادلة.


• تمتع قضاة العُرف عادة بذكاء شديد وحكمة ودهاء، وقوة شخصية وفصاحة لسان.

طباعة