ضمن مواقع العين المدرجة على لائحة «اليونسكو»

جبل حفيت.. حاضن أسرار التاريخ

صورة

يعد جبل حفيت أحد أهم المواقع الثقافية في منطقة العين، لما يمتلكه ومحيطه الجغرافي من أهمية كبيرة سواء كموقع تاريخ وأثري، أو كمعلم سياحي وثقافي، وما يتميز به من تنوع في مقوماته الطبيعية والجغرافية؛ ما رشحه ليكون ضمن مواقع العين التي تم إدراجها على لائحة التراث العالمي في منظمة اليونسكو، إلى جانب تصنيفه بأنه «متنزه وطني»، حيث تم الإعلان عن محمية منتزه جبل حفيت الوطني بموجب المرسوم الأميري 21 لعام 2017.

يبلغ ارتفاع قمة جبل حفيت 1240 متراً، وتُعتبر الأعلى في أبوظبي وثاني أعلى قمة في دولة الإمارات، ويتكون الجبل، الذي يُشرف على كامل منطقة العين ويقع على الحدود مع سلطنة عمان، من صخور كلسيّة شديدة الانحدار تعرضت لعوامل التعرية الطبيعية على مدى آلاف السنين، وقد اكتُشفت في محيطه آثار أحفورية مهمة تمثل جزءاً أساسياً من التاريخ القديم للمنطقة. في حين يحتل منتزه جبل حفيت الصحراوي مساحة تسعة كيلومترات مربعة على سفح جبل حفيت، ويُعدّ وجهة سياحية تتمتع بطبيعة فريدة، إلى جانب أهميته كموقع أثري، حيث كشفت التنقيبات الأثرية في المنتزه، التي تمت بتوجيهات من المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان (طيب الله ثراه)، في عام 1959، مجموعة من البقايا التي تعود إلى العصر الحجري الحديث منذ 8000 عام مضت، ومدافن تعود إلى أكثر من 5000 عام، وتمثل هذه المدافن بداية العصر البرونزي في الإمارات العربية المتحدة، حيث عثر علماء الآثار الدنماركيون على أوانٍ خزفية ومشغولات نحاسية، ما يشير إلى أهمية التجارة البحرية عبر الخليج العربي حتى في ذلك الحين، ويتألف كل مدفن من حُجرة واحدة مصنوعة من الأحجار المحلية غير المشغولة أو غير المشذبة، ما يتباين إلى حد كبير مع مدافن أم النار في المنطقة التي تحتوي على رفات مئات الأشخاص.

أسرار الجبل

وجاء جبل حفيت ضمن 17 موقعاً تاريخياً بالعين وحولها قامت «اليونسكو» بتسجيلها على لائحتها للتراث العالمي، وذلك أعلى رقم اكتشف في منطقة واحدة بحجم العين، وفق ما يذكر المستشار الزراعي للمغفور له الشيخ زايد، طيب الله ثراه، عبدالحفيظ خان في كتابه «خمسون عاماً في واحة العين»، الصادر عن الأرشيف الوطني. مضيفاً: «ويبدو أن جبل حفيت يحمل الكثير من الأسرار؛ فهو كتلة حجرية كبرى ترتفع أكثر من 1600 متر فوق سطح البحر، وتجري تحت سفوحه تلك القنوات العجيبة ناقلة الماء إلى النباتات والحيوانات التي تعيش في زواياه وشقوقه، وعلى جروفه ومنحدراته، وما الآثار التي عثر عليها عند سفوحه إلا شاهد على تلك الحضارة القديمة».

شاهد على التاريخ

ويشير خان في كتابه إلى أن النباتات والحيوانات المتوطنة في جبل حفيت تشهد على أن نظام الأفلاج السائد في المنطقة قبل 3000 سنة كان سبباً في اجتذاب الناس إليها، مع أنها كانت تتصحر سريعاً بفعل الدورة الموسمية؛ إذ كانت تظل جافة فترات ممتدة، وفق ما أظهرته الاكتشافات الأثرية التي جرت في منتصف ثمانينات القرن الماضي، وذلك حين شق طريق إلى الفندق الفاخر الذي شيد على قمة الجبل. وتشير وثائق هيئة أبوظبي للثقافة والتراث إلى وجود 107 أصناف من النباتات المتوطنة التي لا توجد إلا في سفوح ذلك الجبل وعلى منحدراته وحوافه العليا الحادة، حيث تتجمع مياه الأمطار في ما يشبه القنوات والوديان الصغيرة. أما الحيوانات التي تسكن الجبل فتشمل الثدييات والطيور، ومن الحيوانات التي كانت هناك: الثعلب، والقط البري، والوعل (الطهر)، والزلم، وبعض أنواع الفئران، والطيور المتوطنة والمهاجرة، ومنها العقاب المصري، وبوم الصحراء، والخفاش. ويدل وجود بعض طيور الصيد مثل أبوالحناء والبلبل، وبطبيعة الحال الصقر وغيره من الجوارح، على أن البدو لم يستأثروا بالحياة في تلك السنين حين عاشوا في الواحة القريبة. ويضيف: «وهكذا كان جبل حفيت يغص بالحياة على طريقته الخاصة».

العين الفايضة

ويتطرق عبدالحفيظ خان إلى ذكرياته عن بداية تعمير جبل حفيت والمنطقة المحيطة به، ليروي قصة طريفة حدثت عندما أمر المغفور له الشيخ زايد، طيب الله ثراه، بتشجير الشوارع في مدينة العين، وزراعة أشجار بها، ويقول: «عندما اشتد عود الأشجار ونمت واستطالت أعلى أوجتها أصبحت هدفاً للحمير التي أطلقها الفلاحون وكانت تلتهم الأوراق؛ فقد ترتب على استخدام سيارات (اللاندروفر) الاستغناء التدريجي عن خدمات تلك الحمير، وكان عددها كبيراً جداً في ذلك الوقت، وأصبحت النباتات والأشجار التي تنمو على جوانب الطرق مصدر العلف الجاهز لها، ولم يكن ممكناً تعيين جيش من الخفراء لحراسة الأشجار، فما الذي كان يمكن فعله لتلك الحمر الكثيرة؟ هل نطلق النيران عليها؟ لم يكن المغفور له الشيخ زايد ليرضى بتلك القسوة أبداً، ولكن إذا تركت الحمير لتنطلق حيثما شاءت فسوف تقضي في النهاية على الأشجار التي يعشقها، وبذل الكثير لكي يغرسها في إطار مشروعه الأكبر لتنمية بلاده وشعبه. ولم يكن ثمة داعٍ للاحتفاظ بالحمير في المدن؛ فلم يكن أحد بحاجة إليها، ومن الناحية الأخرى لم يكن هناك ما يعرف الآن بمحميات للحيوانات، ولا حديقة للحيوان في أبوظبي. وبعد تفكير وجّه المغفور له الشيخ زايد بحل لتلك المشكلة؛ فقد أمر بجمعها والدفع بها إلى البراري، حيث تجد ما تقتات به من الحشائش والأعشاب في سفوح جبل حفيت، وتم تنفيذ ذلك بالفعل، ولكن بعد يومين أخبرنا الرجال الذين كلفوا بجمع الحمير من المدينة وإقصائها إلى الصحراء بأنهم شاهدوا بعضها وقد غاص في ما يشبه الأدغال، وقد حاولت الخروج منها لكنها لم تستطع، وبدا ذلك ظاهرة غريبة جديدة تتراءى أمام عيني، وكان عليّ أن أخبر الشيخ زايد بأمرها، وقد بادر بالحضور إلى الموقع ليرى الظاهرة بعينيه، وافترض احتمالاً ضئيلاً لوجود غثاء وسط الصحراء، حيث يبعد الموقع عن الوجهة الشاطئية بنحو 150 كيلومتراً، وإذا كان ثمة غثاء فإن ذلك يعني وجود مصدر للماء، وهكذا استبد به ذلك الافتراض. ولما وصلنا إلى المواقع تيقنا من صحة ما رواه الرجال، فأمر الشيخ زايد بالحفر في الموقع حول ما بدا غثاء وسط البراري، وكان الأمل يحدونا جميعاً في اكتشاف مصدر جديد للماء الارتوازي العذب يضاف إلى الفلج الذي كان يجري من تحت ذلك الجبل نفسه ربما قروناً مضت، وكان مصدر الحياة في العين. وأسفر الحفر عن مصدر ماء شبه مالح تحت الأرض، وهو ما جعل الحشائش تنمو بغزارة. واعتقد كثيرون أن الحفر إذا تواصل بالموقع وانبثق الماء فسوف يتوفر مصدر جديد للماء العذب سيأتي بمعجزات في تلك الصحراء. ورحب المغفور له الشيخ زايد بالفكرة، وحفرت قناة فتدفق فيها ذلك الماء شبه المالح حتى وصلت الصحراء المجاورة. وتلك كانت بداية الموقع الترفيهي الذي يعرف الآن باسم (العين الفايضة)، وكان اسمه الأول (عين أبوسخنة) (عين المياه الساخنة شبه المالحة)، لافتاً إلى أنهم وجدوا مصدراً آخر للماء العذب بعد ذلك بسنوات عدة عند سفح جبل حفيت، ولم يكن بعيداً عن العين الفايضة، وتلك منطقة تم تطويرها تماماً، وتعرف الآن باسم «المبزرة الخضراء»، وهي مزارع منبسطة، حيث تم حفر العديد من الآبار باستخدام طرائق جديدة للحفر العميق واستخراج الماء الصالح للزراعة، وكان بعض مائها ساخناً كالماء شبه المالح في العين الفايضة، بل كان ساخناً جداً وبه ترسبات كبريتية، ومع ذلك يصلح لزراعة نباتات معينة، أهمها نخيل التمر الذي يمكنه تحمل نسب من الملوحة أعلى مما تتحمله نباتات أخرى.


1240

متراً ارتفاع قمة جبل حفيت.

107

أصناف من النباتات المتوطنة.

نظام الأفلاج الذي كان سائداً في المنطقة قبل 3000 سنة كان سبباً في اجتذاب الناس ونمو النباتات.

يتكون الجبل من صخور كلسية شديدة الانحدار، تعرضت لعوامل التعرية الطبيعية على مدى آلاف السنين.

اكتُشفت في محيط جبل حفيت آثار أحفورية مهمة تمثل جزءاً أساسياً من التاريخ القديم للمنطقة.

«ذاكرة الوطن»

صفحة أسبوعية تقدمها «الإمارات اليوم»، بالتعاون مع «الأرشيف الوطني»، التابع لوزارة شؤون الرئاسة، بهدف التعريف بشكل الحياة في الإمارات قبل الاتحاد، وخلال بداياته الأولى، والجهد الكبير الذي بذله الآباء المؤسسون للدولة من أجل قيامها، وربطها بما يحققه قادة الإمارات، اليوم، وأبناؤها من إنجازات شهد لها العالم.

طباعة