«الشارقة للراوي» يؤكد أن توثيق الذاكرة الشفهية عمل جماعي

رحلة مع جمعة بن حميد وراشد الشوق

بيت الثقافة يسرد قصة الأرض والناس بالكلمة واللحن والنغم والآلة البسيطة وبالمعرفة الشعبية. من المصدر

يواصل ملتقى الشارقة الدولي للراوي في نسخته الـ20 فعالياته وأنشطته وبرامجه لليوم الثالث على التوالي، على المنصة الافتراضية لمعهد الشارقة للتراث، حيث لاقت الفعاليات المتنوعة تفاعلاً حيوياً لافتاً من قبل المتابعين، وتوزّعت الفعاليات المسائية لليوم الثاني على: ندوة افتراضية من المغرب حول توثيق التراث الشفهي، حكايات من تراث الشعوب، قالوا عن الراوي (شهادات وتجارب)، فيلم من ذاكرة ملتقى الشارقة الدولي للراوي، سيرة راوي (جمعة بن حميد)، بين دفتي كتاب (تسليط الضوء على إصدارات الملتقى)، إضافة إلى حكايات على لسان أطفال «الراوي الصغير». وركز المتحدثون في الندوة على محاور أساسية هي: توثيق التراث الشعبي المغربي بين الإقدام والإحجام، وتوثيق التراث الشعبي، نماذج من المغرب، والفيلم الوثائقي في خدمة الموروث الثقافي الشعبي، المغرب نموذجاً. وقال رئيس معهد الشارقة للتراث، رئيس اللجنة العليا للملتقى، الدكتور عبدالعزيز المسلم، إن «ملتقى الشارقة الدولي للراوي ومعه تبدأ حكاية التراث في الشارقة، ومنه انطلقت الشرارة الأولى التي أشعلت قنديلاً يضيء بيت الثقافة، ويسرد قصة الأرض والناس، بالكلمة واللحن والنغم والآلة البسيطة، وبالمعرفة الشعبية والتقاليد السامية».

راشد الشوق

هو راشد عبيد راشد الشوق، من قبيلة آل علي، وُلد في إمارة الشارقة عام 1937، على وجه التقريب، كانت طفولته عادية عاشها بين أب وأم وأخوين وثلاث أخوات. في طفولته المبكرة أُرسل إلى الكتاتيب (المطوع)، ليدرس القرآن الكريم، ويتعلم بعض مبادئ الحساب والقراءة والكتابة، وفي هذه المرحلة ختم القرآن الكريم. ويروى أن الشوق درس في المدرسة المحمودية لفترة قصيرة من الزمن، وهي من أوائل المدارس النظامية التي كانت تعنى بتدريس العلوم الدينية والمعارف الإسلامية والفقه والعربية وآدابها. ارتاد مهنة الغوص، كغيره من شباب زمانه، نظراً للظروف المعيشية الصعبة، واستمر فيها فترة مارس خلالها العديد من الأعمال، فعمل «وليد»، ثم «يلاس» ثم «سيب»، بعدها أصبح مسؤولاً عن إعداد الطعام في السفينة، أي بمثابة مساعد «مجدمي»، والمجدمي هو مساعد الربان (النوخذة). أنهى الشوق حياته العملية بالعمل لدى دائرة الثقافة والإعلام بإدارة التراث كمرجع تراثيّ يملك حصيلةً كبيرةً من المأثورات الشعبية، التي وعاها واستقاها من البيئة التي عاش فيها، بما تضمنته من قيم وتقاليد الآباء والأجداد، وشكلت لديه في مجموعها تراثاً جمعه منذ طفولته المبكرة، وقد ازداد تأثره ووعيه بها كلما تقدمت به السن، حتى وصل إلى مرحلة النضج التي أصبح فيها قادراً على إعادة ما تمثله منها. ولعل ما تركه الشوق من مأثورات أكبر شاهد على ذلك، حيث أكد أهمية الحكايات الشعبية، ودورها في تربية الطفل وتوسيع خياله، وتعليمه الحكم والعظات، وفعل الخير والمعروف. توفي الشوق في 26 سبتمبر عام 2000 وكانت وفاته إيذاناً بميلاد جديد للراوي والرواة جميعاً والمعارف الشعبية المستقاة مما اختزنوه في صدورهم، حيث سنّت إدارة التراث في ذلك الوقت سنّة حسنة للاحتفاء بأولئك النجوم الأعلام من خلال فعالية «يوم الراوي»، التي انطلقت أولى دوراتها في 27 سبتمبر 2001، كحدث سنوي دائم تكريماً له ولحملة الموروث الشعبي، بمشاركات محلية وخليجية فقط.

جمعة بن حميد

إنها سيرة الراوي جمعة بن حميد، الذي وُلد في الشارقة في عشرينات القرن الماضي وتوفي في عام 2010 عن عمر ناهز 85 عاماً، وهي سيرة مجبولة بإسهامات عديدة ومتنوعة في عالم الحكايات والمرويات والقصص عن البحر والغوص، والعادات والتقاليد في الماضي، والحياة السياسية في الإمارات، وغيرها. وهو أحد الرواة الموسوعيين الذين وعوا تراث المنطقة وحفظوه بكل جوارحهم، وأدوه عبر رواياتهم الكثيرة عن تاريخ البلاد، وأنواع الحرف والمهن التي كان يمتهنها السكان قبل قيام الدولة.

«هو ذاكرة الشارقة»، هكذا قال عنه ذات زمن مضى الدكتور عبدالعزيز المسلم، فقد شهد تغيرات مهمة وتطورات عميقة، مرت بها الشارقة في القرن الـ20، وتاريخ رجالاتها، الذين تركوا بصماتهم في مجالات السياسة والأدب والثقافة والتجارة والاقتصاد. كان شاهداً على ثلاث فترات مهمة من تاريخ الإمارات: الفترة القديمة، حيث المجتمع التقليدي وأنماط عيشه التي كان يمارسها، وكيف انحسرت تلك الأنماط شيئاً فشيئاً، مع ظهور النفط وبداية التغير، حيث تشكلت الفترة الوسطى التي بدأ فيها المجتمع ينتقل إلى حياة التحضر، أما الفترة الثالثة فهي فترة تأسيس الاتحاد واستقرار الدولة والدخول في عصر التطور، ولقد استطاع أن ينقل، بوعيٍ ثاقب، تفاصيل الفترتين السابقتين، ويرويهما للأجيال اللاحقة، ووثّقت دائرة الثقافة في الشارقة مروياته، وحفظتها لتكون وثيقة تاريخية، تسهم في إبقاء معالم الحياة التقليدية للمجتمع، حاضرةً في أذهان الأجيال اللاحقة.


تراث شفهي

شكلت ندوة توثيق التراث الشفهي في المغرب محطة وعنواناً مهماً في اليوم الثاني للملتقى بنسخته الـ20، وشارك في الندوة التي قدمها الدكتور يحيى لطف العبالي، ثلاثة باحثين ومختصين في التراث المغربي، هم: الدكتور سعيد يقطين، والباحث ناسمي محمد، والدكتور الحبيب الناصري.

وتفصيلاً قال الدكتور يحيى لطف العبالي، هذا الملتقى الذي يفتخر به معهد الشارقة للتراث، ويفتخر به كل التراثيين في العالم العربي، اعتاد على الحضور الوازن للباحثين من المغرب لإثراء برامج الملتقى مع أشقائهم من الإمارات والعرب عموماً في دوراته السابقة.

من تراث الشعوب

تابع جمهور وعشاق الملتقى والحكاية عبر منصات ووسائل التواصل الاجتماعي لمعهد الشارقة للتراث تشكيلة من الحكايات من تراث الشعوب، حيث استمتع رواد منصات التواصل الاجتماعي وتفاعلوا مع الحكايات التي قدمها كل من الرواي عبدالرحيم المقوري، من المغرب، والحكواتية دورة سالم من تونس، والحكواتية المغربية حاجية المقوري.

طباعة