فيلم خيال علمي بخلفية روائية في مركز جميل للفنون بدبي

لاريسا صنصور تضع الحنين «في المـــختبر»

مشاهد العمل يعيش على مدى 20 دقيقة أجواء مشحونة بالسرد الروائي والبحث في مفهوم الحنين. تصوير: أحمد عرديتي

تقدم الفنانة لاريسا صنصور في فيلمها «في المختبر»، الذي يعرض بمركز جميل للفنون في دبي، قصة تدمج فيها بين الخيال العلمي لكارثة بيئية تقع في مدينة بيت لحم، والبعد التاريخي للمكان، فتستعرض مفاهيم شاملة من الذاكرة والهوية والمكان والمنفى، فيعيش المشاهد على مدى 20 دقيقة أجواء مشحونة بالسرد الروائي، والبحث في مفهوم الحنين، وتسخّر الفنانة الأساليب الرمزية المتقنة لخدمة هذا العمل الفني. قدمت لاريسا الفيلم بتكليف من المؤسسة الدنماركية للفنون في بينالي البندقية 58، وهو مشروع مكلف من «سبايك أيلند»، ومركز «فن جميل»، ويعرض للمرة الأولى في المنطقة.

كارثة بيئية

تبدأ أحداث الفيلم في أعقاب كارثة بيئية كبيرة، إذ تلتقي عالمتان في مدينة بيت لحم في مفاعل نووي تحت الأرض، تحول إلى مخبأ، أو إلى بستان، حيث يتم التخطيط لبداية جديدة للأنواع البشرية. في هذا البستان أو المخبأ، تتم رعاية براعم بذور الإرث المجمعة، لتتم زراعتها بغية تجديد الحقول، حيث سيعيد البشر المهندسون وراثياً إحياء الكوكب. تدور محادثة طويلة خلال الفيلم بين العالمتين، وهما امرأتان تمثلان جيلين مختلفين، فتأخذنا المناقشة إلى مفاهيم جدلية مرتبطة بالقضية الفلسطينية، ومنها النفي والتهجير، والمفهوم الزائل للحاضر والماضي والمستقبل.

العالمة الكبيرة في السن ترقد على فراش الموت، وتمثل دورها (هيام عباس)، هي المؤسسة لمشروع الترميم، بينما المرأة الشابة الزائرة وتجسد شخصيتها (ميساء عبدالهادي) هي واحدة من البشر المستنسخين في المشروع. تحمل الفتاة الشابة أفكاراً لم تعشها، إذ زُرعت لديها ذكريات الماضي الذي لا تنتمي إليه، فأضحت عالقة بين ماض تعرفه من خلال ذكريات شخص آخر لكنها لم تره أبداً، ومستقبل سيتعين عليها عيشه وفق نموذج تلك الذكريات التي زُرعت فيها. تحمل الفتاة الشابة من خلال السيناريو كل هواجسها، فنجدها مشتتة في هذه المسافة الزمنية التي تقع فيها، تنظر إلى الحاضر على أنه الفراغ، أو الممر بين ما كان في الماضي وما سيكون في المستقبل. تستخدم صنصور لغة سينمائية قائمة على الخيال العلمي، وتدمجها مع الحنين وقوة الماضي، ما يجعلها تقترب كثيراً من الأحداث السياسية المرتبطة بالحرب والإيكولوجيا والهجرة الجماعية، فهي كلها موضوعات شاهدناها تحدث بالقرب من المنزل، ولكنها في الواقع يمكن أن تكون قضايا عالمية، إذ نختبر مع الشخصيتين صرخات من المنفى ذات صدى عميق التوغل في النفس.

عوامل الصدمة

وقالت لاريسا صنصور لـ«الإمارات اليوم»: «هذا الفيلم يحمل نوعاً من عوامل الصدمة، وكان هناك نوع من وقف العمل بين الحاضر والمستقبل، ولكنه ضروري للتعبير عن أنواع الصدمة التي مر بها الفلسطينيون حتى على المستوى السياسي، إن الوجود بين الماضي والمستقبل هو ما وجدته يعبر بشكل كبير عن الممر الحالي». ولفتت إلى أن ما لم يعرض في مركز جميل للفنون هو الكرة الكبيرة، التي لم يكن هناك من مجال لعرضها بسبب حجمها، وهي متممة لفكرة الفيلم، وقد عرضت في البندقية، فهي محملة بالكثير من المعاني، وأكثر تعبيراً عن الحاضر الذي يبدو غائباً إلى حد ما عن الفيلم. ونوهت صنصور بأن الكرة كبيرة الحجم، وقطرها يصل إلى ستة أمتار، وهي مجسمة من الستانلس الستيل، والألياف الزجاجية، كما أنها صممت من ثمانية قطع، بحيث يمكن انتزاع القطع من مكانها وإعادتها إلى العمل، وهي مصنوعة باللون الأسود، ولا تعكس الضوء، وهذا الخيار يتضمن شيئاً من التلاعب في المعرفة. أما فيما يخص الحديث عن جيلين في الفيلم، الأولى العالقة في الماضي، والأخرى التي تحاول أن تفهم إن كانت الذكريات هي ذكريات أهلها أم أنهم ذكرياتها هي، يجعل الفيلم أكثر ميلاً للدوران في فلك الذكريات التي تتم زراعتها في أذهان الأجيال الجديدة بشكل عضوي ومتجذر، وهنا أوضحت صنصور بأن السياسة تدخل كثيراً في عملها، ولكنها تحاول أن تجد طرقاً وسبلاً في تقديم العمل الفني بشكل يجعل السياسة فيه مبهمة وبعيدة عن المباشرة، لأن ما تسعى إليه هو تقديم العمل بشكل أقرب إلى اللغة العالمية أكثر.

كتابة التاريخ

وأكدت لاريسا أن الفيلم يعالج مسألة الحنين، وكيف تجمع الذكريات، وكيف أنه حين يمر المرء بالذاكرة تصبح الصور جميلة، مشيرة إلى أن التحدث عن الحنين والماضي يؤدي للحديث عن كيفية كتابة التاريخ ومن يقصه، وكيف يجب أن يكون موضوعياً ومبنياً على صور حقيقية من الذاكرة، فبعض الأماكن لا نراها جميلة كما نتذكرها، فالحنين أحياناً يضيع بين القيمة الحقيقية والخيال. وعن الحديث عن نقل تجربة عايشها الفنان من خلال الفن، لفتت لاريسا إلى أنها تكون تجربة تحمل الكثير من الصدق في التعبير، فينقل الفنان ما يشعر به بأمانة، ولكن في الوقت عينه تحمل الكثير من التحديات، ولهذا فإن الموازنة بين هذه المشاعر والتحديات أمر مهم، لاسيما أنها تعمل مع فريق كبير، وعليها الأخذ بعين الاعتبار ما يجول بداخلهم أيضاً. واعتبرت أن التنوع في الوسائط التي تعمل عليها في الفن الذي تقدمه ينطلق من المشروع وما يخدم الفكرة الخاصة به، وليس فقط من أجل التجريب في الفن.

سيرة فنية

ولدت الفنانة لاريسا صنصور في القدس الشرقية، وحصلت على الماجستير في الفنون الجميلة من جامعة نيويورك. تستخدم العديد من الوسائط الفنية، ومنها التصوير والفيلم والنحت والتركيب وغيرها. أقامت العديد من المعارض الفردية في عواصم عالمية، منها كوبنهاجن، ونيويورك، واستوكهولم، وباريس. كما شاركت في العديد من المعارض الجماعية، ومنها بينالي إسطنبول، وبينالي بوسان في كوريا الجنوبية، وبينالي ليفربول، إضافة إلى مشاركتها في معارض في عدد من المتاحف، منها متحف بروكلين، ومتحف لويزيانا للفن الحديث، وغيرها الكثير.


• تبدأ أحداث الفيلم في أعقاب كارثة بيئية، إذ تلتقي عالمتان في مفاعل نووي تحت الأرض.

• الفيلم يدور في فلك الذكريات التي تتم زراعتها في أذهان الأجيال الجديدة بشكل متجذر.

طباعة