رند عبدالجبار.. تحاكي حضارة بلادها من خلال منمنمات من طين وسيراميك

«عجائب الأرض».. إنه العراق الذي لا يموت

صورة

تتويجاً لبحثها في التراث الثقافي والمعماري العراقي، وتركيزها على الماضي القديم لبلاد ما بين النهرين، جاء معرض الفنانة العراقية، رند عبدالجبار، في رواق الفن بجامعة نيويورك أبوظبي، الذي حمل عنوان «عجائب الأرض.. أساطير السماء».

وأكدت رند عبدالجبار، لـ«الإمارات اليوم»، أن هذا المعرض، الذي يحمل في طياته منمنمات من طين وسيراميك، ما هو إلا دلالة على ما حملته العراق بلاد الحضارات من قصص وحكايات في باطنها وظاهرها تجمع كل الثقافات والديانات التي عاشت على هذه الأرض أكثر مما تفرق في بلد ضج بالويلات والحروب، ولايزال لكنه مستمر لا يموت.

زائر معرض رند، الذي سيستمر حتى 29 من الشهر الجاري، يلمس بالفعل الدلالة التي تريد إيصالها، وهي التي عكفت على بحثها وتنفيذه أكثر من ستة أشهر، ذهبت خلالها إلى بغداد بعد انقطاع سنوات عدة، لتكون حاضرة بكيانها، ولتستطيع خلال جولتها في أروقة المتحف العراقي، وفي كلية الفنون الجميلة بجامعة بغداد، أن تخرج بهذه المنمنمات الصغيرة والكبيرة في معناها، لتروي من خلالها حكاية وطن كامل.

أنين العراق

المجموعة التي حملت عنوان «نفذ»، هي عبارة عن خمس قطع مختلفة الحجم واللون يجمع بينها عينان، تدل على أن هذه القطع شاهدة على كل شيء، والوصف جاء كالتالي «هو الذي رأى كل شيء، فغني بذكره يا بلادي، ورثينا عيونه واغزلي من حبر التاريخ ألف أبو ذية بلسان النخيل وألف بساط مهاجر» ثمة أنين يخرج من هذه المجموعة، والأنين ارتبط تاريخياً بوجع العراق، من أغنيات وأفلام ولوحات وقصائد، وهذا بالفعل ما تستشعره وأنت تقترب من هذه المنمنمات الصغيرة الدقيقة الصنع، وتقرأ «ألا دع التكشيرة الصفراء والثقبين، حيث امتصت العينان جحافل من جيوش الدود يجثم حولها الصمت، تلوح لناظري. ودع الدماء تسح من أنفي من الثقبين»، وتقرأ تفسيراً للمجموعة نفسها «لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد».

وهنا قالت رند المقيمة في الإمارات «تعكس الأعمال سلسلة المراحل التاريخية، التي تأثّرت بالمسارات الحضارية عبر الزمن على امتداد الجغرافيا المشتركة للمنطقة، وتكشف عن ملامح العمارة والآثار والأساطير التي استمدت منها الإلهام».

البحث عن المشترك

وتؤكد رند أن كل ما يحدث في بلادها من ويلات لم يستطع أن يزيل التصاق جملة منبع الحضارات من العراق، هذا التراكم التاريخي هو الذي تراه على شكل البشر، الذين مهما اختلفوا سيظل التاريخ يجمع بينهم، وهنا من الممكن لمس ما قالته الفنانة عبر منمنمة حملت عنوان «قبض» من خلال مدلولاتها النفسية، وهي عبارة عن شيء أشبه بالحلقة تضم بينها حلقات أصغر متشابكة، مع ألوان التراب والبنفسج تقف أمام قطعة تنبض منها لغة شعرية «تيبست رقبتي في يده مقبضاً دهرياً، فهل ليد كما يقولون ما أخذت؟ تشابكت بين أصابعه الأضداد.. الغنة، العوز، العطاء والأخذ ثم السلطان والطاعة والاستسلام والندم، أعيش بين يديه، بيت العتق والموت، بين الماء والنفط، أرسم الحدود وأتشبث باحتمال الحب».

فالأعمال النحتية في المعرض، التي تتجاوز في أبعادها الحدود المكانية والزمانية، تشكّل بحسب رند «مجالاً فسيحاً من الاكتشافات، حيث تجسّد كل قطعة تاريخاً ناشئاً يطرح في مساراته حواراً جماعياً شيّقاً، كما تتحدّى هذه الأعمال مفاهيم التراث التقليدية باعتبارها تكويناً راسخاً، وتصوّر العراق على أنه بنية مكانية أكثر من كونه امتداداً إقليمياً، لتؤسس بذلك حواراً يردّد صدى الماضي، وصولاً إلى الحاضر».

نهر الرافدين

عبدالجبار، التي مازالت تبحث عن كل ما يتعلق بحضارة بلاد ما بين النهرين، وذلك بوحي من أصول العمارة الآشورية والبابلية وعلم الآثار والأساطير، استفادت من اطلاعها على الأرشيف الموروث والسرديات الخاصة بالعراق في العصر الحديث، للغوص في العلاقة بين العناصر الملموسة الراسخة والمفردات الآنية التي رسمت تاريخ عائلتها الشخصي، واستطاعت على سبيل المثال لا الحصر عبر منحوتتها التي حملت عنوان «جهد»، أن تقرب الصورة أكثر «قلب نابض، بين الجُهد والجَهد، بين الوسع والغاية، أحياناً بالكاد يبلغ الاثنين، وأحياناً ينفد صبره ويبالغ، رحى تدور في الحقول تساوي الأرض وتواسيها، وعندما لجمت الأفواه وجفت الأهوار ظلت هناك عند ترافد النهرين، تحاك البيوت من قصب وتعجن الأساطير من طين وماء».

الأمل

كل قطعة في المعرض تحمل حكاية، بلغة فنية وشعرية، تشبه ما كانت ترويها الجدات، ومازالت تلك الحكايات تنتقل من جيل إلى آخر، المتعة البصرية حاضرة والتي تأسرك فيها طريقة النحت والألوان المتداخلة والتي تحمل الأمل في غدٍ جميل آتٍ لا محالة، طاقة إيجابية تجوب أروقة المعرض لها علاقة بتاريخ لو كان لون الدم هو الذي يأتي ببالك، إلا أن حضارته هي الأبقى والأقوى، تشبه منحوتة حملت عنوان «نزع»، التي طغى عليها اللون الأبيض وتحكي الفنانة من خلالها «بين نزعة الإنسان إلى الفعل وقدرته عليه، هناك مجال ضبابي كثيف يغلف قدرتنا على الاختيار، وباندفاع القدرة وضمورها ينكمش ضفاف النهر ويتمدد، وتكون المدن أو لا تكون، تثأر أو تنتحر»، مستشهدة ببيت قصيدة للسياب «تعالي نذيب الزمان وساعة في عناق طويل، لا يحتكم مجال الذاكرة إلا للأمل، ولا يحفر الإلحاح إلا في قلب بعيد».

نهج إبداعي

تتبنّى الفنانة العراقية رند عبدالجبار، المولودة في بغداد عام 1990، والمقيمة في الإمارات، نهجاً إبداعياً متعدد التخصصات في إنتاجها الفني، الذي يراوح بين التصميم والهندسة المعمارية والفنون البصرية.

وتستعير الفنانة - في معظم الأحيان - مفردات المكان والتاريخ والذاكرة خلال عملها الإبداعي، لتعيد تشكيلها من جديد في تصاميم ومنحوتات وتركيبات، تعتبرها الأدوات الأساسية للعمل. وقد حصلت عبدالجبار على شهادة الماجستير في الهندسة المعمارية من جامعة كولومبيا عام 2014.

طباعة