صوت «فتاة العرب» ينبض في «ندوة الثقافة» رغم الغياب - الإمارات اليوم

خلال أمسية تأبينية حضرت فيها قصائد وشهادات عن عوشة السويدي

صوت «فتاة العرب» ينبض في «ندوة الثقافة» رغم الغياب

الأمسية التأبينية شهدت مشاركات وحضوراً لافتاً. تصوير: باتريك كاستيلو

بعد مرور 10 أيام على رحيل «فتاة العرب»، الشاعرة عوشة بنت خليفة السويدي، نظمت ندوة الثقافة والعلوم في دبي، أمسية تأبينية، أول من أمس، فكانت ذكراها حاضرة في المكان، ومنح شعرها الأمسية ألقاً خاصاً في حضرة غيابها.

قدمت الأمسية الشاعرة، بروين حبيب، وحضرها عدد من المسؤولين في الجهات الثقافية التي تُعنى بالشأن الأدبي والشعري، بالإضافة إلى مجموعة من المبدعين والجمهور. واختتمت الأمسية مع قصائد ومختارات من إبداع الراحلة بصوت الشاعر سيف السعدي.

وقالت بروين حبيب: «إنها ليلة تأبينية لفقيدة الوطن عوشة بنت خليفة السويدي (فتاة العرب)، التي انتقلت إلى رحمة الله بعد أن عاشت ما يقارب قرناً من الزمن، مانحة لأرضها الكثير من ذخائر اللغة من خلال قصائدها التي عبرت عن جميع قيم مجتمعها من البادية إلى البحر، ومن الأصالة إلى الحداثة، بلغة رشيقة احتلت القلوب، فكان رحيلها خسارة عظيمة للثقافة والإبداع الإماراتيين».

من جانبه، أشار رئيس مجلس إدارة ندوة الثقافة والعلوم، علي عبيد الهاملي، إلى أن الراحلة أثرت الساحة الشعرية في الإمارات والخليج العربي بشعرها المتفرد، فهي لم تكن شاعرة عادية، واصفاً «فتاة العرب» بالقامة الشعرية والأدبية التي قلّ أن يجود الزمان بمثلها.

وأضاف الهاملي في كلمته خلال الأمسية: «لقد مثلت الراحلة بحضورها الشعري ظاهرة نسائية فريدة، في زمن كان الشعر يكاد يكون حكراً على الرجال، وفي مجتمع كانت العادات والتقاليد تفرض على المرأة قيوداً لا تفرضها على الرجال، لكن شخصية عوشة بنت خليفة، وتشجيع أسرتها لها، كسرا هذه القيود، وساعدا على إبراز موهبتها الفريدة».

واعتبر أنها «تركت تراثاً شعرياً جميلاً تميز بحس فني عالٍ، يعيدنا إلى عصور الشعر الذي يفيض حكمة، وغزلاً عفيفاً، ومساجلات غذّت الساحة الأدبية بروائع شكّلت مدرسة في الشعر، ولهذا يمكن بثقة أن نطلق عليها مدرسة الشاعرة عوشة بنت خليفة، المتفردة بأخيلتها وصورها ومفرداتها ومعانيها».

كلمة خاصة

أما الكلمة الخاصة بأسرة الفقيدة، فقدمها الدكتور حامد بن محمد خليفة السويدي، مثمناً جهود ندوة الثقافة والعلوم في تفعيل وتوثيق العمل الثقافي والإعلامي والاجتماعي والعلمي. وقال عن الشاعرة الراحلة: «لم تغادرنا رائدة الشعر النبطي الإماراتي (فتاة العرب)، فهي ستظل بيننا قامة من قامات الشعر النبطي، بما تمتلكه من قصائد وأشعار ومخيلة مبدعة، جسدت تفاصيل بيئتنا المحلية بمختلف أبعادها الاجتماعية والجغرافية والسياسية».

ولفت إلى أنها جسّدت، عبر مسيرتها وكتاباتها، توجه القيادة الحكيمة لدولة الإمارات، لتمكين المرأة في مختلف المجالات، إذ أثرت الحركة الشعرية النسائية في الدولة، كصوت نسائي شعري قوي وفعال يبرز مكانة المرأة الإماراتية ودورها. وأكد السويدي دور الأسرة، وبيت العلم والدين الذي ترعرعت فيه «فتاة العرب»، التي بدأت كتابة الشعر في سن 12 عاماً، مشيراً إلى أنها تميزت بمساجلاتها الشعرية مع كبار الشعراء في الدولة، وعلى رأسهم المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، الذي وصفها في قصيدة «يا ركن عود الهوى وفنه» بأنها ركن من أركان الشعر.

موهبة متفردة

من ناحيته، قال مدير قسم الشعر والنثر بهيئة دبي للثقافة والفنون في دبي، محمد الحبسي: «رحلت (فتاة العرب)، لكن إبداعاتها تأبى إلا أن تظل خالدة في وجداننا وعقولنا، فهي الشاعرة التي علمت نفسها الكتابة، واعتمدت على ذاتها في صقل موهبتها الشعرية، لتصبح في مقدمة شعراء النبط، في حقبة مهمة كانت بمثابة مرحلة مفصلية في تاريخ الإمارات وشعبها».

وأضاف: «تجلت موهبة (فتاة العرب) في مفرداتها المميزة، مجسّدة من خلالها بيئتها المحلية، لتوثق محطات تاريخية بالغة الأهمية، منذ قبل تأسيس الاتحاد، وما تلاه من تطورات اجتماعية واقتصادية، شهدتها الإمارات والمنطقة، الأمر الذي يجعل من ديوانها مرجعاً تاريخياً مداده الإبداع، وأوراقه مصنوعة من العزيمة والإلهام والإيمان بمستقبل الوطن وقيادته الرشيدة».

ووصف الحبسي أبيات «فتاة العرب» الشعرية، بأنها كانت غنية بعبق الزمان وروح الأماكن، حتى تلك التي لم تطأها قدماها، ولم يقع ناظرها عليها، مؤكداً أن الراحلة تركت إرثاً كبيراً سيظل خالدا بين الأجيال، كما أنها ستظل قدوة لنساء الإمارات وبناتها للعمل بجد وإخلاص لخدمة الوطن.

رمز من الرموز

وشهدت الأمسية كلمة خاصة لاتحاد كتاب وأدباء الإمارات، ألقاها الدكتور طلال الجنيبي، وبدأها بأبيات من قصيدة خاصة للشاعرة، مضيفاً أن «عوشة بنت خليفة السويدي بدأت كتابة الشعر في سن مبكرة، وأثرت الساحة الشعرية بعطاءات جليلة، إلى أن أصبحت رمزاً من رموز الشعر النبطي عموماً، وشعر المساجلات، خصوصاً مع أبرز الأسماء والقامات، وتأثرت بالمتنبي والماجدي بن ظاهر».

وأشار إلى أن عوشة بنت خليفة السويدي اعتزلت الشعر في أواخر التسعينات، وبقيت تروي أشعارها في مدح الرسول حتى وفاتها، موضحاً أنها ستبقى رمزاً إماراتياً خالداً في سماء الإبداع والإمتاع والعطاء المميز، وستدوم نبراساً للأجيال المقبلة. وفي كلمة خاصة لبيت الشعر في الشارقة، قال الشاعر محمد البريكي، إن «القصيدة خلّدت الوطن وخلدت الإنسان، لذلك نحن نحتفي بالقصيدة أكثر من تأبين الشاعرة التي ستبقى نبضاً خالداً»، وبعدها توجه بإلقاء قصيدة خاصة بالمناسبة. واختتمت الكلمات في الحفل التأبيني مع كلمة الشاعر مؤيد الشيباني، الذي قال: «يحاول أن يخدعنا الموت ويقول ها قد تمكنت منكم، والحقيقة أنه لم يستطع، فشاعرة حقيقية كفتاة العرب لا تموت، الشاعر الحقيقي يظل ويبقى خالداً يظل نبضاً للمكان ونستمع لصوت فتاة العرب».

قصائد..

اختُتم اللقاء التأبيني مع قراءات شعرية لبعض قصائد الشاعرة الراحلة عن قارب عُمر قارب 100 عام، قدمها سيف السعدي، مختاراً مجموعة من أبرز قصائدها، ومنها قصيدة «يا فهيم» التي تقول فيها:

يا فهيم ٍفي تعابيره.. عن وداد صافي النيه.. لا تخلي النفس في حيره.. تنشد الطرشان شفجيه.. كان شدو بدو لخويره.. عندنا خود مداميه.. يسكنون افغربي الديره.. فالمطاييح الشماليه.. لي جداهم نطرب السيره.. بالشفاقه هوب جبريه..

ووزعت على حضور الأمسية أقراصاً صلبة تحتوي على أشعار الراحلة.

شهادة شعرية

قالت مديرة بيت الشعر التابع لجمعية الفجيرة الاجتماعية الثقافية، سليمة المزروعي، خلال كلمة لها في الأمسية التأبينية: «لم تُتِحْ لي مقاربات المكان ومفارقات الزمن أن أحظى بشرف القرب أو اللقاء بالشاعرة الراحلة، غير أن شهادتي اليوم شعرية بالدرجة الأولى، لأن الشاعر ابن مكانه وزمانه، وابن أرضه وابن شعره، رغم أن الشاعرة كانت لها تنقلات جغرافية على امتداد السنوات، وتجلى هذا في مفردات قصائدها وموضوعاتها الشعرية التي أسست ورسخت للأدب الإماراتي وأدب المنطقة».

وأشارت إلى أن الشاعرة تمكنت من شق هذا الدرب في زمن حكمته الظروف الاجتماعية ومحدودية القبول.

حامد السويدي:

«ستظل بيننا قامة من قامات الشعر النبطي، بما تمتلكه من قصائد وأشعار ومخيلة مبدعة».

علي عبيد الهاملي:

«مثلت الراحلة ظاهرة نسائية فريدة، في زمن كان الشعر يكاد يكون حكراً على الرجال».

بروين حبيب:

«رحيل عوشة بنت خليفة السويدي خسارة عظيمة للثقافة والإبداع الإماراتيَّين».

سليمة المزروعي:

«موضوعات الراحلة الشعرية أسّست ورسّخت للأدب الإماراتي وأدب المنطقة».

طباعة