جيل ليبوفتسكي يرتحل في تاريخها وتداعياتها

«مملكة الموضة».. برؤية فيلسوف مـولع بالجمال

صورة

أكبر من مجرد موضوع هامشي، أو رفاهية زائدة عن الحد، تبدو عوالم الموضة اليوم، وكأنها مملكة مترامية حافلة بالأذواق والظواهر التي تستحق التحليل من قبل ذوي «العقول الكبيرة»، حتى وإن بدت صيحات الأناقة أرق من محاولات التفلسف، وأبسط من النقاش الجاد، أو العصف الذهني الذي يبحث عن فكرة عميقة وراء الولع بالجمال، والطلة المتـفردة التي يبتركها مصممون صاروا أصحاب ألقاب فخمة، وصانعي مجد، بعد أن كان ينظر إليهم على أنهم خياطون وتجار ملابس وحتى صانعو أحذية.

عن المؤلف

ولد جيل ليبوفتسكي في عام 1944، درس الفلسفة في جامعة السوربون، ويدرس حالياً الفلسفة في جامعة جرينوبل بفرنسا، وارتبط اسمه بدراسات عدة، كما اشتهر بمصطلحات «ما بعد الحداثة» و«الفردانية المفرطة». تأكدت شهرته مفكراً مع ظهور كتابه الأول «زمن العدم» في عام 1983. وتجاوزت كتبه المنشورة الـ20 كتاباً، من بينها «المرأة الثالثة» و«السعادة المفارقة»، الذي يناقش هوس الاستهلاك في المجتمعات الحديثة، و«شاشة العالم»، وغيرها من الكتب التي تحمل أفكاراً مثيرة للجدل، كما عرّفت به المترجمة دينا مندور، الحاصلة على ماجستير في إشكاليات الترجمة من جامعة إكس مارسيليا في فرنسا، وهي عضو لجنة الترجمة للمجلس الأعلى للثقافة في مصر، ومن ترجماتها: رواية «فاديت الصغيرة» لجورج صاند، و«المرأة الثالثة» لليبوفتسكي.


- تقترن الموضة منذ ظهورها الحديث بإثارة الجدل، والاصطدام بالتقاليد.

- في 1949 اختير ديور كأحد الشخصياتالخمس الأكثر شهرة في العالم.

يتصدى عالم الاجتماع والفيلسوف الفرنسي جيل ليبوفتسكي لتلك المهمة، ويتوقف عند ما يصمت عنه المثقفون، بل ويتعالون عليه، إن لم يتعطف البعض ويهاجمه بضراوة، إذ يرتحل ليبوفتسكي في تاريخ «مملكة الموضة» منذ أزمان بعيدة، مروراً بمسيرتها وما شهدته من أنماط، لا ثابت فيها إلا صيحة التغيير شبه اليومي في ما يخص ذلك العالم البراق، بكل من فيه من تفاصيل صغيرة تصنع الفوارق، وتضفي مسحة سعادة على القماش والمواد التي كانت محايدة.

لا يتوقف كتاب «مملكة الموضة.. زوال متجدد» للمفكر الفرنسي جيل ليبوفتسكي، الذي ترجمته إلى العربية دينا مندور، وصدر حديثاً عن المركز القومي للترجمة، عند البعد التاريخي للأزياء وصرعات الأناقة على امتداد قرون، بل يفتش عن المصير، وصراعات ارتبطت بصيحات، وكذلك أسماء عبرت عن أسلوب حياة وتفكير أجيال فرضت ذائقتها على خريطة الموضة.

حمى الابتكارات

بين المحاسن والعيوب، تأتي نقاشات الكتاب المثيرة، في محاولات للفهم عبر طرح الكثير من علامات الاستفهام حول الموضة؛ ما بين الوعي الزائف والاغتراب والإغواء وتحويل البشر إلى سلعة متغيرة والهوس بالمظهر، وبين تلك الإمبراطورية التي لم تعد مجرد متعة جمالية، أو ديكور للحياة الجماعية «لكنها حجر الزاوية.. وصلت إلى أوج قوتها، فقد تمكنت من إعادة تشكيل المجتمع كله في صورتها: كانت هامشية، وأصبحت الآن المهيمنة».

يثير الفيلسوف الفرنسي منذ العنوان الإشكالي تساؤلات بالجملة، حول تلك المملكة التي لا تعرف للاستقرار معنى، ولا تحترم التقاليد بالمرة، إذ تتسم بالزوال المتجدد، وحمى الابتكارات اليومية.. موضة تلوح مع كل شروق شمس تقريباً، لتغيب موضة أخرى، إذاً كيف تحتل الظاهرة القصيرة الأجل مكانة في التاريخ؟ وكيف تحركت من الهامش إلى المركز لتسيطر على العقول؟ ولماذا يحدث ذلك في الغرب بشكل خاص؟ وكيف يمكن لعصر هيمنة التقنية والتقدم العالمي أن يكون على حد سواء عصر الموضة اللامعقولة؟

يستعرض جيل ليبوفتسكي تاريخ الأزياء، وإيقاعاته المتلاحقة، منذ قرون، وارتباط الموضة بشكل خاص بانتظام المجتمع، وتشكل ملامح الاستقرار، فكل دولة حرصت على تميزها بزيّ ما، لتختلف عن جيرانها، وفي فترة لاحقة أصبحت هناك منارات للموضة، يستوحي منها الجميع، وتفرض ذوقها الخاص على سواها، تماماً كما كانت تصنع طبقة النبلاء وذوي النفوذ؛ من كانوا بمثابة صورة تسعى طبقات عدة لتقليدها، والسير على منوالها في ما يتعلق بالمظهر، وكذلك سمات البطولة والفروسية.

جدل دائم

تقترن الموضة منذ ظهورها الحديث بإثارة الجدل، والاصطدام المباشر بالمعايير الجمالية والدينية، إذ هاجم الأساقفة مثلاً في القرن الـ14 الميلادي قلة الاحتشام وعري الصدور والملابس الذكورية الضيقة التي تجعل الرجل أشبه بامرأة، ولقيت تسريحات الشعر ذات القرنين سخريات لاذعة، وأثار المعطف النسائي الطويل الضحك، كما كانت الملابس النسائية المستوحاة من الأزياء الذكورية والفساتين الشفافة هدفاً للرسوم الساخرة.

لا ينظر المفكر الفرنسي في تاريخ الأزياء الراقية، والقطع الفخمة الباهظة الثمن، بل يتطرق كذلك إلى كل ما يصلح للارتداء، والرائج الشعبي البسيط، والأزياء العملية التي وحّدت المظهر، وصارت أكثر تنوعاً، وحققت نوعاً من المساواة، وديمقراطية الشكل، كما الحال مثلاً في الملابس الرياضية التي فرضت نمطاً مغايراً مريحاً ومنطلقاً، وخالياً من عقد فساتين السهرة البراقة.

نجوم

مع الزمن وتوالي الصرعات، لم يعد الخياطون وتجار الملابس شخصيات مجهولة، إذ تحول المشتغلون بالموضة إلى مبدعين، وصار بعض «الإسكافيين» وصانعي الأحذية نجوماً يخطفون الأضواء، وفرض المصمم ذاته على الجميع، يضع توقيعاته كما الفنان على اللوحة «ويعيش وسط ديكور راق محاطاً بالشعراء والرسامين، ويبتكر ملابس المسرح وعروض الباليه والأفلام... لم تسمح الأوساط الاجتماعية الراقية والصحافة المتخصصة للمصممين الكبار بتدعيم صورتهم كفنانين فقط، ولكن سمحت لهم كذلك بشهرة دولية هائلة: في عام 1949، اختارت مؤسسة جالوب كريستيان ديور كأحد الشخصيات الخمس الأكثر شهرة في العالم».

يحفل كتاب «مملكة الموضة زوال متجدد.. الموضة ومصيرها في المجتمعات الغربية» الذي يقع في 290 صفحة، بالكثير من «زعزعة المظهر» إلى الماركات المسجلة في متطلبات عدة، وليست الأزياء فحسب، وما يطلق عليه صاحب الكتاب جيل ليبوفتسكي، الموضة المكتملة، التي تحاول أن تغلف الحياة جميعها، وانتشرت في كل أنحاء العالم، ولم تترك أحداً، إذ تسعى طبقة ما «دنيا» إلى محاكاة طبقة أرستقراطية أعلى، ما يجعل الأخيرة تحاول البحث عن موضة جديدة تثبت بها تميزها لتستمر الدائرة الحلزونية، على حد وصف مترجمة الكتاب دينا مندور في المقدمة.

ورغم زحمة الأفكار، ومحاولة التبسيط، فإن الكتاب يتطلب صبراً، وحالة من التركيز على خلاف بساطة عوالم الموضة، فثمة ظواهر اجتماعية، وتحليلات وأرقام بالجملة، وكذلك طرح عميق من عالم اجتماع يطارد المعنى العميق للموضة وتاريخه وآثاره على البشر، من الطبقات الأرستقراطية إلى الشعبية، وموضات تتصارع لتصل إلى المستهلك، وتقنعه بما تطرحه كل يوم من صيحات، ليس في الملابس وما يستر الجسد فحسب، بل في كل الميادين تقريباً.

ولا يتخلى المفكر الفرنسي عن معاودة تسليط الضوء على القيمة الكبرى التي يراها في «مملكة الموضة».. قيمة الحرية، وكون الموضة جزءاً من التفرد والروح الفكرية الجميلة، وليس مجرد الاستعراض وحب الظهور المرضي، حتى وإن صنع البعض ذلك بغرض المباهاة.

يشار إلى أن كتاب مملكة الموضة «لم يمر عند ظهوره في فرنسا مرور الكرام، بل حظي باهتمام كبير من قبل المهتمين والمشتغلين بالموضة، فاعتبر كمرجع فريد في الأبحاث المنصبة على الموضوع. كذلك حقق الكتاب مبيعات مرتفعة وطبع طبعات عدة، منها طبعات شعبية، وهو ما يثبت اهتمام القارئ العادي به، وربما يرجع ذلك إلى ما بالكتاب من تفسيرات مثيرة لسلوك الإنسان العادي وما يولي بمظهره دون أن يتوقف أمامه بالتساؤل».


محمد إسماعيل

mismail@ey.ae

طباعة