«لمصر لا لعبدالناصر» يفنّد حملات تشويه استباحت كل الحدود

6 شهادات تستدعيها مئوية «ناصر»

صورة

كما يليق بزعيم يحتفظ بمساحته في قلوب محبيه بوطنه العربي الكبير، احتفت أوساط مصرية، بمئوية الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، الذي حلّت ذكرى ميلاده الـ100 في 15 يناير الجاري، مجدّدة الشهادات حول «ناصر»، بما له أو حتى عليه، وباعثة حالة من الجدل حول رمز عربي تاريخي. ومنذ أكثر من 40 سنة، تأتي الطبعة الأولى من كتاب «لمصر لا لعبدالناصر»، بينما تعود مقالاته إلى أبعد من ذلك، إذ استشعر الكاتب الراحل محمد حسنين هيكل، ما تعرّض له عبدالناصر (15 يناير 1918 - 28 سبتمبر 1970) من «حملات تشويه تستبيح كل الحدود: التاريخ والأمانة والأخلاق والشرف»، بدأت مبكراً بعد وفاته مباشرة، ما دفع صاحب «خريف الغضب» إلى محاولة التصدي لتلك الحملات، وإلقاء شهادته حول «صديق العمر» عبدالناصر.

وهنا ست شهادات من كتاب هيكل في ذكرى مئوية ميلاد «ناصر»:


1

يكتب هيكل في مقدمة «لمصر لا لعبدالناصر»: «إن تجربة 23 يوليو بالطبع ليست فوق النقد والحساب، ثم إنني أنا الذي كتبت يوم الأربعين بعد وفاة جمال عبدالناصر مقالاً عنوانه (عبدالناصر ليس أسطورة)، أي إنني لا أؤمن بالقداسات للبشر، وإنما أؤمن بإنسانية البشر وأول مقتضياتها أن كل التجارب قابلة للنقد، كما أن أدوار كل البشر - بما فيهم الأبطال - قابلة للتقييم، شرط أن تكون الجدية والموضوعية أساساً للنقد وأساساً للتقييم، أما أن يتحوّل الأمر إلى حملات إدانة كاسحة فهذا ليس تجنياً على تاريخ مصر فحسب، وإنما هو نحر في شرعية النظام من أساسه. وإذا كان ما ينسب لثورة 23 يوليو ولجمال عبدالناصر على النحو الذي تقول به الحملات فليس أمام النظام (...) إلا أن يجمع أوراقه ويرحل».

2

يؤكد هيكل أنه شاهد على الأحاديث التي يرويها عن جمال عبدالناصر، ويلفت بشكل خاص إلى إدراكه لما سيجره عليه - في تلك اللحظة التاريخية - الدفاع عن «ناصر»، خصوصاً أن الأحاديث لم تنشر في البداية بمصر، إلا أن هيكل رفض - على حد تعبيره - أن يقبل بـ«دور الشيطان الأخرس الساكت عن الحق. وأعرف مقدماً أيضاً أن هذه الأحاديث ستثير عليّ ما أنا في غنى عنه، وسأهاجم بسببها دون فرصة لحق الدفاع عن النفس، وسينسب إليّ ما لم أقله، وأتهم بما لم أقترفه، ومع ذلك فإني أقبل راضياً وسعيداً، عارفاً أن كل واحد منا يملك اختيار مواقفه، ولكن من منا يملك اختيار مقاديره».

3

يطرح حديث هيكل الأول سؤالين: الحملة على جمال عبدالناصر ماذا وراءها؟ ومن وراءها؟ محاولاً استجلاء الحقيقة، من وجهة نظره، ومخططات قوى السيطرة العالمية عموماً، وفي القلب منها وكالة المخابرات الأميركية، مضيفاً: «لم يكن ذلك تخميناً أو رجماً بالغيب، وإنما كان استناداً إلى حقائق معروفة أكدتها ملفات هذه الوكالة التي كانت مفتوحة لمن يقرأ ويفهم ويستوعب».

ويبرز هيكل كيف أن الوكالة نجحت في الاغتيال المادي لبعض الرموز، ومن بقي منهم حاولت أن تغتاله معنوياً، بالتشويه والطعن، وتبع البعض الوكالة في تلك الحملات المغرضة التي تأججت بعد وفاة عبدالناصر.

4

يرى صاحب الكتاب أن من تكلموا بعد رحيل الزعيم المصري، كانوا يسردون «في الواقع عن أنفسهم وليس عن عبدالناصر، بعضهم يبحث عن تاريخ في الماضي، وبعضهم يبحث عن دور في الحاضر»، واصفاً الكثير من الروايات بأنها مختلقة ومبالغ فيها: «قادمة من النسيان، وإلى النسيان تذهب. الاختلاق واضح في كثير منها، حتى إن بعض الذين قابلوا جمال عبدالناصر لدقائق ينسبون إليه - بخيالهم - أحاديث تستغرق أياماً بعد أيام.. لم يتجاسروا جميعاً على سلبياته حتى جاء الموت ومنحهم الحرية، وهذا شيء سيئ، وأسوأ منه أنهم ظلوا من 29 سبتمبر 1970 إلى بداية سنة 1974 يتمسحون بذكرى الراحل والرحيل كأنهم لا يصدقون المقادير. ثم بعد أربع سنوات كاملة اطمأنوا إلى أن الجسد المكفن بالثوب الأبيض لن يخرج من قبره فتحوا أفواههم وتكلموا».

5

للتهم التي زجّها كارهو عبدالناصر وعهده، يتصدى محمد حسنين هيكل مفنداً، بداية من الاتهام في الذمة المالية، مروراً بالتعرض لأموال الأغنياء، وصولاً إلى الأحلام الكبرى والانكسارات. ويشير هيكل إلى أن عبدالناصر «كان يرى الغنى الفاحش في وسط الفقر المدقع جريمة لا تغتفر، وهكذا جعل هدفه الذي لا يحيد عنه تذويب الفوارق بين الطبقات.. ولقد كان من بين المعايير الصارمة التي ألزم نفسه بها أن لا يملك أرضاً أو عقاراً.. لم تكن للرجل - وهذه حقيقة عرفها كل الذين خالطوه في مصر أو في العالم العربي أو في الدنيا الواسعة كلها - شهوة في طعام أو شراب.. كان نهاره وليله عملاً متواصلاً، وكانت لمسة الترف في نهاره حينما يجلس للعمل في مكتبه تسجيلاً لأغنية من أغاني أم كلثوم».

6

في حديث «نهاية المطاف»، يلخص هيكل مسيرة «الزعيم»، وتجربته الهائلة في حياة أمة، مطالباً بأن يكون الحساب أميناً، وأن تقاس تجربة الرجل بأهدافها، وكذلك بالتحديات التي واجهتها من القريب والبعيد. وفي الختام يقول هيكل: «لقد كانت تجربة جمال عبدالناصر، بإيجابياتها وسلبياتها، تجربة مصرية عربية إنسانية أصيلة. ومناقشتها حق، لكن إدانتها الشاملة على هذا النحو الذي يجري في مصر، وبالوسائل والأساليب التي يتم بها ذلك في مصر، باطل لا يصح. ويبقى اعتقادي أنه لا يصح غير الصحيح ثم أتوقف عند عبارة بدأت بها هذه السلسلة من الأحاديث وتلك هي أنني لا أعطي لأحد حق اتهامه، ولا أعطي لأحد شرف تبرئته. تلك كلها حقوق للجماهير.. وللأمة.. وللتاريخ».

طباعة