بروفيسور فرنسي يصف علاجاً «ساخراً» من الشعور بالذنب

«كيف تتحدث عن كتاب لم تقرأه؟».. وتضمن خروجاً مشرفاً

صورة

بطرح مستفز غير تقليدي، وما يشبه لعبة إبداعية جدلية تقول إن كل شيء على ما يرام، يأتي البروفيسور الفرنسي بيير بايار، في كتابه «كيف تتحدث عن كتاب لم تقرأه؟» الذي يخلص من يطالعه من الشعور بالذنب، والإحساس بالتقصير، في حق ما فاته من أوراق وصفحات، ولعل ذلك ما جعل الكتاب - وقت صدوره - يحظى بإقبال كبير، ويتربع على عرش الأكثر مبيعاً في عاصمة النور باريس، وكذلك لندن، بعد أن ترجم إلى الإنجليزية منذ سنوات.

كتاب بايار، الذي ترجمه حديثاً إلى العربية غسان لطفي، يسبح عكس التيار، يختلط فيه الجد بالسخرية؛ ينشد حياة مختلفة مع الكتب، لا يجعلها هماً مؤرقاً، وفرضاً ثقيلاً، وأيضاً هو دعوة إلى القراءة بشكل مغاير، بعيداً عن الشكل التقليدي، لكي يستطيع المتلقي أن يخرج ما في داخله، ويطرح إبداعه الموازي إن أمكن.


بما يشبه الفكاهة يستهل المؤلف الحكاية، ودافعه إلى تأليف هذا الكتاب، إذ يرى نفسه صاحب تجربة جديرة بالتسجيل، فما أكثر ما اضطرته الظروف إلى الحديث عن كتب لم يفتحها، بحكم عمله أستاذاً للأدب في الجامعة، علاوة على أنه يتحتم عليه أن يعطي رأيه في ما ينشر، وما تخرجه المطابع كل يوم، لذا فهو مؤهل لسرد تجربته مع إيهام الآخر بأنه بالفعل مثقف من طراز ناقد. ولا يعني ذلك أن صاحب هذا الكتاب مدعٍ تماماً، فهو ذو خبرة ورفقة طويلة مع القراءة، إذ يحفل كتابه بنماذج تدل على تبحّره في مجاله، حتى لو رسم صورة معاكسة، إذ يغوص في أعماق المكتبة، ويستخرج منها ما يخدم قضيته، ويعضد وجهة نظره التي قد تصدم البعض، فهو يؤكد أنه ليس مطلوب من كل شخص أن يحيط علماً بكل المجلدات التي تضمها المكتبات، حتى أمين المكتبة ذاته. وبمحبة يتحدث المؤلف عن المكتبة الداخلية التي تسكننا: «هذه المكتبة تضم ولاشك عدداً من الكتب بعينها لكنها تتشكل خصوصاً من مقاطع من كتب نسيناها وكتب تخيلناها، نواجه العالم ونفهمه من خلالها».

انتهاك المحرمات

أستاذ ومحلل نفسي

مؤلف الكتاب بيير بايار، أستاذ الأدب في جامعة باريس – سان دوني، ومحلل نفسي، وله العديد من الكتب المثيرة للجدل التي يجسد فيها رؤية غير تقليدية للأمور، بل هادمة للتقاليد، على حسب تعريف المترجم غسان لطفي له. ومن بين أشهر كتب بايار «من قتل روجر أكرويد؟»، وهو كتاب عن رواية أجاثا كريستي «جريمة قتل روجر أكرويد» (وكل كتب بايار تدور حول كتب أخرى)، يعيد فيه فتح التحقيق في القضية، ويفند استنتاجات المحقق البلجيكي الشهير هيركول بوارو.

260

صفحة، يقع فيها كتاب الفرنسي بيير بايار، والذي صدر عن دار كلمات في الكويت.

يفتح بايار «النقاش الذي لايزال إلى حد كبير مستحيلاً، لأنه ينتهك لا محالة عدداً من المحرمات»، إذ يفضي بجانب من تجربته، ويبوح بما صنع، وذلك يمثل نوعاً من الاعتراف في الساحة الأدبية – والنقدية بشكل خاص – الحافلة بنماذج كثيرة تدّعي المعرفة، وتكذب على الآخرين، وعلى الذات، وتخطّ الأبحاث وهي لم تعايش ما تكتب عنه، وربما تكون قد اكتفت بفهارس ما تطالعه، أو بالنظر إلى ما كتبه الغير، والسطو على بعض المفاتيح منها، ثم الاسترسال في الكتابة التي تزعم أنها عايشت طويلاً نتاج هذا المؤلف أو ذاك المبدع.

يهدف بايار من وراء بحثه (يفضل ذلك الوصف على الكتاب) إلى التنفيس عن الشعور بالذنب، إذ إن المؤلف في النهاية محلل نفسي، كما هو أستاذ في الأدب، وما يحمله الكتاب يدل على أنه قارئ متمرس، وليس مجرد طارح لوجهة نظر مغايرة عن القراءة، وتبرز ثقافته حتى في الاختصارات التي يستعملها: (ك. ق/‏‏ كتب قرأتها، ك. ت/‏‏ كتب تصفحتها، ك. ن/‏‏ كتب نسيتها).

بخفة ظل، وربما باقتناع بما يقول، يتحدث المؤلف عن المواقف التي قد يجد فيها المرء نفسه مضطراً إلى التكلم عن كتاب لم يطالعه، أو تصفحه بشكل سريع منذ زمن، أو حتى قرأه بالفعل ولكن نسيه ولم يتبق في ذاكرته منه شيء، ويرسم بايار وسائل - أو بالأحرى سكك - هروب كريمة، تضمن خروجاً مشرفاً من كل المواقف (في الحياة الاجتماعية، أمام الأساتذة، أمام الكاتب، ومع من تحب).

التحرّر من الإكراه

«لا تخجل».. نصيحة أولى يسديها مؤلف الكتاب للقارئ (الذي لم يقرأ)، يطالبه بالتحرر من تلك الصورة الطاغية، عن ضرورة أن يكون قد طالع كتاباً بعينه، ويقول: «ينبغي إذاً لكي نتمكن من الحديث عن الكتب التي لم نقرأها دون خجل أن نحرر أنفسنا من تلك الصورة الطاغية، صورة الثقافة الكاملة التي نقلتها إلينا وفرضتها علينا العائلة والمؤسسات المدرسية، التي لا نكف طوال حياتنا عن السعي، عبثاً، إلى التماهي معها، فالحقيقة الموجهة للآخرين أقل أهمية من حقيقة الأنا، التي لا يصل إليها إلا من تحرر من نير الضرورة التي تكرهنا على أن نظهر أمام الناس بمظهر الثقافة والتي تعذبنا في أعماقنا وتمنعنا من أن نبقى على طبيعتنا ونكون ما نحن عليه حقاً». نصيحة المؤلف الثانية هي: «افرض أفكارك» والثالثة: «اخترع الكتب» والرابعة: «تحدث عن نفسك».

مترجم الكتاب غسان لطفي ربما استشعر خطورة ألا يرى القارئ العربي فيه سوى وجه واحد، وهو نزع الهالة والقدسية عن الكتب، لذا وضع مقدمة احترازية، يبثها بعض ما لديه: «قد يسأل سائل: هل يصلح كتاب بايار للسياق العربي، هكذا كما هو دون تعديل؟ ما جدوى ترجمته؟ وهل يحسن أن نقدمه للقارئ العربي (الذي لا يكاد يقرأ أصلاً) أم أن إثمه أكبر من نفعه؟ يقول بايار إن ما دفعه لتصنيف كتابه هذا هو هالة التقديس التي تحاط بها الكتب والقراءة: فنحن الفرنسيين والغربيين عموماً نعيش في مجتمع هو في طريق الانقراض ولا شك، لايزال ينظر إلى القراءة نظرة فيها شكل من أشكال التقديس. وينطبق هذا التقديس أكثر ما ينطبق على عدد من النصوص المكرسة – تختلف قائمتها من وسط لآخر – التي يحرم على أيٍّ كان ألا يكون قد قرأها، وإلا فقد تقدير الناس له».

يخلص المؤلف إلى أن الحديث عن كتب لم نقرأها، ربما هو سبيل بشكل ما لاكتشاف الذات، تماماً كما السيرة الذاتية، فبعيداً عن الغايات التبريرية والدفاعية، يضع المرء نفسه خلال ذلك الحديث في قلب العملية الإبداعية «ليبدع نصه الخاص، ويصبح كاتباً بدوره» وهذه الغاية الكبرى، التي ينشدها البروفيسور الفرنسي بايار، فكل ما طرحه كان يسعى إلى الوصول إلى هذه المحطة: «اختراع الكتب»، واستدعاء الخيال المحلق من أجل ذلك، للتغلب على الخوف من الحديث عن كتاب ما، حتى إن كان المرء تصفحه بشكل سريع، فذلك من وجهة نظر المؤلف بداية الإبداع. يقول المؤلف محاولاً تثبيت تلك الصورة: «مفارقة القراءة هي أن طريق أحدنا إلى نفسه يمر عبر الكتاب، وأنه يجب أن يبقى مع ذلك ممراً لا أكثر والقارئ الجيد إنما يرتحل بين الكتب ارتحالاً ويعلم أن كل كتاب منها يحمل جزءاً من نفسه، وقد يفتح له الطريق إليها إن أوتي ما يكفي من الحكمة لكي لا يتوقف عنده. ولقد شهدنا رحلة من هذا النوع مع قراء ملهمين، على اختلافهم، مثل فاليري ورولو مارتينز أو حتى عدد من طلبتي الذين إذ يمسكون عنصراً واحداً من عمل لا يعرفون عنه إلا القليل أو لا يعرفونه مطلقاً يطلقون العنان لأفكارهم الخاصة دون أن يبالوا بأي شيء آخر، ويعملون ذلك على ألا يتوهموا أو ينسوا أنفسهم».

قد تنقص الكتاب صورة كاريكاتيرية على غلافه، تصوّر نموذجاً قريباً إلى «أبو العريف» الذي يفتي في كل شيء، ويأنف من أن يقول لا أعلم، ويستخدم الحيلة ليتهرّب من كل الأسئلة، ويأخذ طارحها إلى مساحات مختلفة، تمتعه لكنها لن تشفي غليله، تذكره بتمارين الجدل، والتدرب على المحاورة وتبني طرف ما دون آخر، ثم الانتقال إلى الطرف الآخر في اللحظة ذاتها.

طباعة