«الإمارات اليوم» تزور بيت ولادة مؤلف «غيمة في بنطلون» في جورجيا

قرية «بغدادي» الجورجية تحتفل بالذكرى الـ 123 لميلاد ماياكوفسكي

صورة

تحتفي قرية «بغدادي» الجورجية بالشاعر فلاديمير ماياكوفسكي، فهي مسقط رأسه وفضاء طفولته، وكانت تُسمى باسمه حتى عام 1940، مع افتتاح متحف باسمه يضم بيت عائلته، الذي شهد ولادته في 19 يوليو 1893، ومبنى آخر يضم أكثر من 5600 قطعة من الصور والوثائق واللوحات الفنية، والكتب التي أصدرها، إضافة إلى حديقة تعدّ امتداداً لغابة تتسلق الجبل. كان الشاعر عاش سنوات طفولته في القرية الوادعة، التي قال عنها: «إنني مدين لسماء بغدادي».

 

ابنة الشاعر

لم تكن الكاتبة والأستاذة الجامعية، هيلين باتريسيا تومبسون، تُعرف أنها ابنة الشاعر ماياكوفسكي، إلا بعد بلوغها سن 65 من عمرها. وقالت في حوار نشره موقع «روسيا ما وراء العناوين» في عام 2013 عن كيفية لقاء الشاعر بوالدتها للمرة الأولى «جاء ماياكوفسكي إلى الولايات المتحدة، في عام 1925، وبقي لمدة ثلاثة أشهر فقط. كانت أمي امرأة جميلة جدّاً، فقد كانت عارضة أزياء». وأضافت: «كان بينهما تقارب فكري أيضاً. حيث كانت تترجم له الشعر الألماني، وكان بينهما قواسم مشتركة كثيرة، لكنه كان داعماً للثورة، وأمي كانت ابنة الرأسمالية. أما أنا فوُلدتُ في عام 1926».

وقالت ابنة ماياكوفسكي، التي توفيت في أبريل الماضي، عن أمها إنها «تتحدث أربع لغات، وتعلمت الإنجليزية في روسيا، وكان جدي غنياً بما فيه الكفاية ليأخذ عائلته بالكامل للعيش سنة كاملة في كاليفورنيا، حيث كان أعمامي وعماتي يشذبون لغتهم الإنجليزية. وكان ذلك قبل الثورة. بقيت أمي روسية حتى ماتت. وربتني على حب روسيا، ليس السياسة الروسية، بل ثقافتها. علمتني أن أفخر بكوني روسية، وبأني ابنة ماياكوفسكي».

«بغدادي» أو «باغداتي»، كما ينطق اسمها الجورجيون، تقيم هذه الأيام احتفالاً بالذكرى الـ123 لميلاد الشاعر المستقبلي، ماياكوفسكي، في متحفه، من خلال قراءات لقصائده ودراسات في نتاجه الشعري، وسيرته الحياتية، ولغز «انتحاره» وهو في الـ37 من عمره.

«الإمارات اليوم» زارت قرية «بغدادي»، التي تبعد عن العاصمة الجورجية 230 كيلومتراً، وزارت بيت ولادة الشاعر ومتحفه، الذي يؤمه نحو 3000 زائر سنوياً من عشاق الشعر، والمهتمين بالثقافة وبتراث مؤلف «غيمة في بنطلون»، الذي لم يقتصر على الشعر، إذ كتب ماياكوفسكي مسرحيات ومارس الرسم أيضاً.

عند بوابة قرية «باغداتي» يستقبل الزوار نُصباً تذكارياً للشاعر العاشق والثائر، يقع على يمين الشارع، كما لو أنه تحية خالدة من ماياكوفسكي لزوّار قريته المسوّرة بالغابات الجبلية، ويعبرها نهر «ريوني»، الذي يمثل شريان حياة وقصائد. وعند بوابة البيت والمتحف تقف شجرة (قيقب) حارسة ظلال الشاعر في طفولته. في هذا الريف الوارف الخضرة مثل حضن، كان ماياكوفسكي الطفل يرصد تفتح الأفق والزهور والحياة، وفي عام 1902 درس في مدينة «كوتايسي»، قبل أن ينتقل مع أمه وشقيقتيه إلى موسكو، إثر وفاة والده في عام 1909. وكانت موسكو تمثل حلماً للشاعر، لكنها لم تبق كذلك حين تعارك مع القلب والحياة والثورة، إذ شهدت موسكو «انتحاره» في 14 من أبريل 1930، بعدما أصيب بخيبة أمل من ثورة التغيير، ومن الحب أيضاً.

وقالت مشرفة المتحف، ناتو أوتوخيتزا، لـ«الإمارات اليوم»، إن «كثيراً من إرث ماياكوفسكي احتفظت به روسيا، لكن بيت ولادته ومحتوياته المتعددة من سرير الشاعر أثناء طفولته، والفوانيس، وغرفة الطعام، وأدوات المطبخ، والسجادة المزخرفة، ومذكرات والد الشاعر، والصور، لاتزال كما هي في البيت المتحفي»، مضيفة أن «روسيا تحتفظ أيضاً بدماغ الشاعر لديها».

وقبل رحيله، كانت سلطات بلاده منعت سفره إلى باريس ليلتقي حبيبته تاتيانا ياكوفليفا، التي تزوجت من رجل آخر بعد ذلك. لكن ماياكوفسكي تزوج سراً من الأميركية ليليا جونز، التي أنجبت ابنته هيلين باتريسيا تومبسون (يلينا فلاديميروفنا ماياكوفسكايا).

درج خشبي من 11 درجة يرتقي بالزائر إلى عتبة البيت الخشبي، الذي يرتفع عن الأرض بمداميك من طوب أحمر، كما لو أنه قصيدة تتهيأ للطيران، بين أشجار الحديقة الهادئة. وفي أعلى الدرج من جهة اليمين لوح رخامي منقوش فيه باللغتين الجورجية والروسية اسم الشاعر المولود في البيت الخشبي وتاريخ ميلاده. لايزال البيت كما كان في سابق عهده، من حيث التصميم وتوزيع الأثات والمحتويات الداخلية، إذ يضم سرير الطفل ماياكوفسكي، ومذكرات والده، الذي كان يعمل خفير غابات، كما يضم طاولة الطعام والمطبخ وقاعة الاستقبال وغرف النوم، وشرفة أمامية تطل على النهر الذي ينساب في هدوء، وربما يذّكر بمقطع من قصيدة مايكوفسكي «غيمة في بنطلون»، التي تعدّ أبرز قصائده، قبل ثورة أكتوبر 1917، إذ بدأ كتابتها أواخر عام 1914 وأكملها في يوليو 1915، يقول فيها:

«أنظري إليّ

إنني هادىءٌ

كما نبض جثة».

الشاعر فلاديمير ماياكوفسكي العاشق المتمرد، مرّ بمراحل متعدّدة، من حياة البؤس والغليان إبّان سطوة الإمبراطورية الروسية، والحصار الخانق الذي مورس ضده لاختلاف رؤيته الشعرية، إلى الشقاء بعد وفاة والده ومشقة العيش في موسكو والثورة وجماعة المستقبليين الروس إلى علاقاته العشقية، ونهايات الحلم بالتغيير والحب والعدالة والمدينة الإنسانية، إلى رسالته الأخيرة والرصاصة الأخيرة والصوت الأخير الذي دوّى في رأسه وفي العالم.

طباعة