معرض إلياس زيات في «غرين آرت» بدبي

«ما بعد الطوفان».. حضارة تدمر بألوان أسطورية

صورة

من الارتباط الوثيق بتاريخه وأرضه ينطلق الفنان السوري إلياس زيات، في معرضه الذي افتتح أخيراً تحت عنوان «ما بعد الطوفان» في «غرين آرت غاليري» بدبي، ليجسد مدينة عريقة صمدت في وجه الرومان، هي مدينة تدمر. يعود الفنان من خلال المعرض إلى الحضارات القديمة، فيعرضها برموزها وقصصها بأسلوب يغلب عليه الطابع الأسطوري، من جهة اللون أولاً، والإخراج التشكيلي ثانياً. يبني معرضه الأخير بأسلوب عميق مستمد من عمق المسافة التي تفصلنا عن الحضارات، وكأنه يعود بنا الى التاريخ لنهرب إليه من الواقع، فهو المكان الذي يجد فيه الفنان نفسه أكثر قدرة على التعبير، حيث تتراكم تجربته الممزوجة مع كل الفنون والحضارات التي درسها وتعرف إليها عن كثب.

سيرة فنية

http://media.emaratalyoum.com/images/polopoly-inline-images/2015/09/8ae6c6c54e486ff201500a8972da45379%20(1).jpg

ولد الفنان السوري إلياس زيات في دمشق عام 1935، ودرس الفن في أكاديمية صوفيا بين عامي 1956 و1960، ثم في القاهرة. تخصص لاحقاً في فن الترميم واستعادة الفنون في بودابست، ويعد واحداً من أشهر فناني القرن العشرين، ومن مؤسسي جامعة دمشق للفنون الجميلة في سورية، وقد درَّس مجموعة من الفنانين الى حين تقاعده. يعرف في أعماله في الرسم والترميم، وقد تأثر فنه بالأيقونة الدينية والفنون المسيحية الشعبية والحضارات القديمة، ونشر مجموعة من الدراسات والبحوث في تاريخ الفن والنقد الفني.

ندوة

http://media.emaratalyoum.com/images/polopoly-inline-images/2015/09/8ae6c6c54e486ff201500a8972da45379%20(2).jpg

أقيمت في اليوم التالي من افتتاح المعرض، ندوة عرض فيها الفنان إلياس زيات التأثيرات التي أنتجت الأعمال، وكذلك التي شكلت محور تجربته، مشيراً إلى أن ذكر المقابر التدمرية قد يوحي بالحرن، إلا أنها فعلياً توحي بالفرح، لأن فيها أشخاصاً في حياتهم الدنيا يتطلعون إلى حياتهم الآخرة، فهي ترتبط بفترة كان فيها الفن يتعلق بالمياه والأرض. وذكر أنه حاول من خلال الروايات تقديم الفن الملتزم، فرسم الطيور كما تبدو في الذاكرة. ونوه خلال الندوة بالحركة الدائرية في أعماله والمأخوذة من الفنون المسيحية والإسلامية، مشيداً بأهمية الإنسان في لوحاته. ولفت إلى خبرته في الترميم التي مكنته من معرفة الأسرار الكيميائية والفيزيائية للون، ما انعكس على شكل لوحته.

إن اختيار عنوان «ما بعد الطوفان» للمعرض الحالي الذي يستمر حتى الرابع من نوفمبر المقبل، يأتي بعد اللوحة الشهيرة التي حملت عنوان «الطوفان»، والتي قدمها في آرت دبي العام الماضي، مجسداً فيها الوضع الراهن في سورية من خلال أسلوبه المتميز بالمفردات اللونية المأخوذة من الحضارات.

يقدم زيات لوحاته كما لو أنها حكاية سردية خالصة، فيصور الشخوص في حالات أسطورية، وكذلك بطريقة تبرز الحضارات والفن المرتبط بالدين الذي أثر كثيراً في تجربة الفنان. نشعر بأن هناك هالة تحيط بالشخوص الذين يصورهم، كما يتبين من خلال المعرض تأثير الفن البيزنطي، والثقافة اليونانية، وكذلك الفنون الإسلامية والمسيحية. يقدم زيات في معرض «ما بعد الطوفان» نظرة يجمع فيها بين التشاؤم والأمل، فيتجلى الأخير في إحدى اللوحات على شكل قارب صغير في أسفل اللوحة، وكأن هذا القارب الرمز إلى الأمل البسيط بالنجاة من كل الخراب المحيط، حيث تشهد الأعمال حالة يسيطر فيها اليأس. وهذا ما يضع المتلقي أمام مجموعة من علامات الاستفهام حول انعكاس الأحداث الأخيرة على أعماله، وإن كانت السبب في النظرة التشاؤمية.

يحاول زيات من خلال اللوحات إعادة بناء التاريخ، فهو يعيد ترتيب المدينة، ويختار الفيضانات التي عرفت في الكتب التاريخية والدينية من بلاد ما بين النهرين وبابل، فيقدم نظرة تقوم على الحياة وإعادة البناء بعد الدمار والموت. يظهر صعوبة هذا الخلاص من خلال الحمام الذي يصوره في أعلى اللوحات في حركة رقص دائرية تبرز حالة الكون ربما، وكيف يكون بعد الطوفان الذي هو حالة مؤقتة في العالم الذي لم يأخذ كفايته من السكينة المرجوة، وهذا بخلاف الروايات التي كان يوجد فيها الحمام حاملاً لغصن الزيتون رمزاً للسلام. بينما يعود الفنان السوري ويجيب عن مجموعة من الأسئلة حول الخلاص من خلال الرجال الذين يضعهم على الشاطئ في أكثر من لوحة، وكأنه يصور بهم حالة الأمان والنجاة. أما الإنسان فيحتل أهمية كبرى في لوحات زيات، فهو يصوره في اللوحات كافة، ويجعله محور اللوحة، مهما تبدلت الحالات التي يعرضها، والتي يغلب عليها طابع الألم، حيث نشهد العزلة والصراع في الأشباح السوداء التي تهيمن على أحد الأعمال، دون أن يغيب الأمل الأخضر عن لوحات أخرى.

أما في حديثه لـ «الإمارات اليوم»، فقال: إن «لوحتي هي نتيجة مسيرة حياة، فقد كرست حياتي لفني، ولم يسعفني دائماً الفن للحياة، ولكنه قدم خبز حياتي، والمسيرة تطورت بحسب تطور فكري وثقافتي واطلاعي وسفري للمتاحف الغربية، والتعرف إلى الآثار في سورية ومصر، فهذا أغنى تجربتي، وها هو يخرج في اللوحة اليوم». وأضاف «أما الجيل القادم، فهو ابن عصره، ومنهم من يتعب على نفسه، ومنه من يأخذ الفن بشكل عبثي، ولكن هذا لا يعني اطلاقاً ان العصر لا ينتج ثقافة ولكن لكل عصر ثقافته الخاصة، وإن سلمنا بوجود غلبة للثقافة على قلة الثقافة في بعض الأحيان أو العكس في الأحيان الأخرى، الا أنه يمكن التأكيد على أن العصور تتلاحق، والسلام والحروب تقدم ما هو مختلف في الفن».

وتحدث عن الحضارة التي تعتبر من الأسس التي يعود لها كي يقدم فنه، مشيراً الى كونها تعاني التهديم في الوطن العربي، ولكن هذا لا يعني أنها ستختفي، فالحضارة التي نمتلكها اليوم مسجلة بالكتب ومصورة، ومن الصور يمكن إعادة كل ما تهدم، فيمكن استرداد هذه الحضارة لاحقاً.

وبين الفكرة والتجريد في العمل الفني، لفت زيات الى أن التجريد هو أساس اللوحة، وبالعودة إلى فن عصر النهضة نجد التجريد، فالفن في ذاك العصر بني على الهندسة، وأشار الى أنه عانى التجريد فترة، فعاد الى الشخص، لأن الإنسان بالنسبة اليه هو، ومن حوله ولهذا يرسمه، علماً أن التجريد الصرف الحقيقي صعب جداً، مشيراً الى ان التجريد اللوني هو موسيقى لونية يجب على الإنسان ان يتمكن منها كثيراً كي يتمكن من تقديمها. واعتبر أن الفن الحقيقي هو وحده الذي يبقى، وأن الزمن كفيل بغربلة ما يحصل اليوم في الفن المعاصر، وسيبقى ما هو أفضل.

أما لوحة الطوفان التي تحدثت عن وجع سورية، فلفت الى أنها تعد من الأعمال التي عبرت عن المعاناة بشكل رمزي، وهناك من قدمها بشكل مباشر، موضحاً أن معرض ما بعد الطوفان فيه نظرة تشاؤمية الى حد ما، وهذا نتيجة الأوضاع والدم والموت متأملاً ان يتغير الوضع، ومشدداً على أنه سيكون مختلفاً بلا شك، فسورية لن تعود كما كانت، فكما يقول أدونيس من الخراب تخرج زنبقة. وأشار الى أن الفن بلا شك سيخرج بشكل جديد، صبغته غير معروفة بعد، فاليوم هناك من يترجم الموت والحزن حالياً، ولكن الفرح سيحل، مشيراً الى أنه على الرغم من كونه لا يرى المستقبل مشرقاً، إلا أنه يؤمن بأن الضوء سيأتي من الشرق عاجلاً أم آجلاً.

طباعة