يوميات وذكريات و«برتقالة في الرأس»

«أثقل من رضوى».. سيرة الأمل ووجع الختام

صورة

حاولت الراحلة الدكتورة رضوى عاشور أن تخفف من وقع الألم في كتابها الأخير «أثقل من رضوى»، لكن الوجع ربما كان «أثقل» من كل شيء، والتجربة لم تخففها منكّهات أضفتها المبدعة التي ودعت في 30 نوفمبر الماضي.

رغماً عن قلمها، انساب وجع «البرتقالة التي نبتت في الرأس»، إلى الكتاب وقارئه، مع أن رضوى عاشور حاولت أن تتجنب تقديم «رسائل تشاؤمية» تعتبرها «فعلاً غير أخلاقي» سواء من المبدع، أو من أي صاحب رسالة.. سخرت الراحلة «فنياً» من الألم، دلّلت المرض الخبيث، وصفته بـ«السيدة شوانوما غامضة النوايا»، كيما تخفف على القارئ، وتمنع عنه الدموع، وتعتذر بصدق في صفحات عدة، عما قد تكون تسببت فيه من حزن للقارئ، ناصحة إياه بترك الكتاب لو أراد، مستشعرة أنها ترتكب ذنباً ما.

كتاب «أثقل من رضوى»، الذي رأى النور العام الماضي يعد نصاً يمزج ما بين السيرة والمذكرات.. عصارة العمر والإبداع، سيرة متحرّرة من القيود، تنطلق على هواها ما بين الأحداث والذكريات والضمائر، تستحضر حكايات الورم الشرس و«البرتقالة الخبيثة» التي تم استئصالها من الرأس أكثر من مرة، إلا أنها كانت تعاود الظهور، أخضعت رضوى لمشارط الجراحة الدقيقة خمس مرات حتى أتت على عظام وأنسجة في مناطق عدة في الرأس والجسد.

تبوح الدكتورة رضوى إلى قارئها بتفاصيل صغيرة، دونما حساسية أو حرج، تشركه مع أسرتها، تصف يوميات الحياة في شقة ضيقة بواشنطن انتظاراً للجراحة الدقيقة، تفضي إلى المتلقي بما كان يفكر فيه كل فرد من العائلة، تحديداً خلال لحظة حرجة، تحكي عن الزوج الذي احتجزته الثلوج في فرنسا، ولم يرد على هاتف الابن، وكذلك تكاليف العمليات على نفقتها الشخصية، رغم أنها أستاذة في جامعة، ولا تنسى رضوى عاشور أن تسجل تقديرها لأصحاب مواقف دعموا العائلة معنوياً خلال تلك المرحلة.

لا يستسلم الكتاب للجراحات الذاتية ومراراتها، فثمة جراحة مغايرة كانت في الشارع العربي، تابعتها رضوى عن قرب؛ من بعيد، وهي على سرير المرض، متمنية للأمل أن ينمو، وتحصد ثماره الشعوب، تحكي عن شرارة تونس، ووقع ما حدث عليها وعلى عائلتها (زوجها الشاعر مريد البرغوثي، وابنها الشاعر تميم البرغوثي)، وبعدها مصر. يعدّد الكتاب قوافل من سقطوا و«الورد اللي فتح في جناين مصر»، ورغم انحرافات الثورة، تصرّ رضوى على التمسك بطاقة النور والأمل، إذ ترى نفسها «مشرقة ومقبلة تمنح الأمل، كأنما بدأت يومها بقطف ثماره وأودعتها سلتين كبيرتين خرجت بهما لتوزيع ما فيهما على من يطلب ومن لا يطلب». تستشهد باقتباسات من «ثلاثية غرناطة»، تنفي بالمرة أن تكون «الثلاثية» مرثية أو «حكاية موت واندثار.. غرناطة حياة، بستان من المعاني المكنونة في باطن الأرض نذهب إليه عبر الحكاية».

تسرد الراحلة تفاصيل عائلية كثيرة، تبدأ من الجد (عبدالوهاب عزام) الذي تخيّر لحفيدته اسماً بوقع خاص، مقتبساً إياه من مثل عربي شهير هو «أثقل من رضوى»، الذي يستدل به على الرسوخ والتمكن، وكذلك تخيّر الجد لأخيها الأكبر اسم طارق، تيمناً بطارق بن زايد، فاتح الأندلس التي ستدور في رحابها رائعة رضوى عاشور «ثلاثية غرناطة».

ولا يغيب الأب المحامي مصطفى عاشور، وكذلك الأم مية عبدالوهاب عزام، عن الكتاب، وتستعيد المبدعة سيرة كل هؤلاء الأحبة، كأنها كانت تحاورهم، وتودع القارئ.

رضوى عاشور التي عشقت العربية، وأبدعت بها، حرمت من التحدث بها في سنوات طفولتها خلال الدراسة في «ليسيه الحرية» المدرسة الفرنسية التي التحقت بها في البداية.

تختتم رضوى عاشور كتابها بالأمل، ملخصة مسيرتها: «أقول لنفسي: لا يصح أو يجوز لأنني من حزب النمل. من حزب قشة الغريق، أتشبث بها ولا أفلتها أبداً من يدي، من حزب الشاطرة التي تغزل برجل حمارة، لماذا لا أقول إننا، كل أسرتنا، لا أعني أنا ومريم وتميم وحدنا، بل كل تلك العائلة الممتدة من الشغيلة والثوار والحالمين الذين يناطحون زمانهم، من حزب العناد؟ نمقت الهزيمة، لا نقبل بها، فإن قضت علينا، نموت كالشجر واقفين، ننجز أمرين كلاهما جميل: شرف المحاولة وخبرات ثمينة، تركة نخلفها بحرص إلى القادمين. عزيزي القارئ وعزيزتي القارئة، أستدرك لأنهي حديثي بالسطر التالي: هناك احتمال آخر لتتويج مسعانا بغير الهزيمة، ما دمنا قررنا أننا لن نموت قبل أن نحاول أن نحيا». وآخر جملة في الكتاب «تمت في التاسع من مايو 2013».. فهل كانت تلك المذكرات آخر ما كتبته الدكتورة رضوى عاشور، أم أن في أدراج مكتبها وخزانتها الثرية إبداعات أخرى؟ ربما الإجابة لدى أسرتها الصغيرة، وابنها الشاعر تميم البرغوثي.

طباعة