نصف قرن مع تخطيط أبوظبي ومدن عربية

عبدالرحمن مخلوف يروي رحلة العمر مع العمران

مخلوف كان قريباً من المغفور له الشيخ زايد وشاهداً على جزء من أحلام المؤسس الباني وحاضراً خلال «التصور المنشود» الذي تحول إلى «واقع مشهود». أرشيفية

في بيت عامر بالأصالة والعلم فتح عينيه، ليجد نفسه في رحاب جد من كبار مشايخ الأزهر الشريف، ووالد يشغل منصب مفتي الديار المصرية، تتلمذ على يد جيل من الرواد، واختار أن يهندس حياته بشكل خاص، كما خطط مدناً عربية، بعد ذلك، ووضع بصماته عليها.. إنه الدكتور عبدالرحمن مخلوف، الذي يعد واحداً من رواد التخطيط العمراني في العالم العربي، ومن أبرز من تخصصوا مبكراً في هذا المجال.

تنقلت مسيرة مخلوف بين مدن عربية عدة، بداية من القاهرة، مروراً بالمدينة المنورة، وصولاً إلى العاصمة الإماراتية أبوظبي التي كان له معها حكاية طويلة ذات شجون وذكريات يفصّلها في كتابه «رحلة العمر مع العمران.. نصف قرن مع تخطيط المدن»، الذي صدر حديثاً عن المكتب العربي للتخطيط والعمارة في أبوظبي والعين، في 259 صفحة.

البدايات؛ كانت في بيت يضم ثلاثة أجيال: الجد، والوالد، والأخوة.. والجميع يقدس قيم العلم، فالجد الشيخ محمد حسنين مخلوف، عضو هيئة كبار العلماء، والوالد الشيخ حسنين محمد مخلوف، مفتي الديار المصرية، أما الأخوة، فجميعهم من حملة الشهادات، ما جعل البيت بمثابة «جامعة موسوعية». على مقالات كبار الكتاب تتلمذ مخلوف، طالع مقالات الزيات وأحمد أمين والعقاد وطه حسين وآخرين.

من وحي زيارة لقرية العائلة في صعيد مصر (بني عدي)، قرر مخلوف أن يلتحق بكلية الهندسة، بعدما شاهد حال القرية، وما ينقصها من خدمات وتطوير، هي وبقاع كثيرة في مصر، لعله يسهم في إعادة تنظيمها، وحل أزمات سكان تلك القري البعيدة عن الاهتمام إلى حد كبير. التحق مخلوف بكلية الهندسة في جامعة القاهرة، وتخرج فيها عام 1950، ولم تنته مسيرته العلمية عند ذلك، إذ ذهب إلى ميونيخ الألمانية التي كانت تنفض عن نفسها دمار وغبار الحرب العالمية الثانية، هي وكثير من مدن أوروبا، ما جعله يتابع عن كثب كيف يعاد تخطيط المدن، وكيف تنهض من تحت رماد الحروب، وحصل على شهادة الدكتوراه، ليعود إلى بلده، ويشارك في النهضة التي كانت تشهدها بعد عام 1957، فأسهم في العديد من المشروعات، وتخطيط المدن التي كانت ترنو إلى المستقبل.

ومن جديد؛ يرتحل الدكتور مخلوف عن مصر، لكن هذه المرة ليضع بصماته في أمكنة روحانية تهفو إليها أفئدة كثيرين، فشارك في التطوير الحديث لمكة المكرمة والمدينة المنورة وجدة، وكان العمل خلال تلك الفترة (1959 ــ 1963) بمثابة «عبادة متصلة»، كما وصفه الدكتور مخلوف في «رحلة العمر مع العمران». «الرحلة الرابعة كانت إلى أبوظبي عام 1968، وإلى اليوم في الإمارات؛ كل من عاصر هذه المرحلة شاهد منظومة عمرانية شيدها المغفور له الشيخ زايد، وتسامى بها إلى بناء حضارة إنسانية متكاملة».. بهذه الكلمات يبدأ الدكتور مخلوف حكايته مع رحلة أبوظبي الطويلة، التي امتدت عقوداً، لذا أفرد المهندس الكبير مساحات في الكتاب لذلك، فالرجل تم تعيينه مديراً لتخطيط المدن اعتباراً من الثاني من نوفمبر عام 1968، وكان قريباً من المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، وشاهداً على جزء من أحلام المؤسس الباني، وحاضراً خلال «التصور المنشود» الذي تحول إلى «واقع مشهود». يسرد الدكتور مخلوف مراحل بناء أبوظبي، يعود إلى تاريخ الجزيرة القديم، وسبب اختيارها تحديداً، وينطلق إلى ذكرياته مع المغفور له الشيخ زايد، معدداً كثيراً من التحديات والإنجازات التي اعتبرها البعض «بعيدة المنال أو مستحيلة»، لكن الشيخ زايد «مضى إلى تحقيقها بإرادة واثقة وجهود فائقة».

الشيخ زايد.. و«السعادة»

http://media.emaratalyoum.com/images/polopoly-inline-images/2014/01/84885.jpg

يروي الدكتور عبدالرحمن مخلوف لقاء مع المغفور له الشيخ زايد في قصر البحر عام 1974، قائلاً «كان موضوع اللقاء تسمية الطرق الرئيسة (الشوارع) في أبوظبي. واختار الشيخ زايد الأسماء المعروفة الآن في المدينة، وهي في مجملها ذات دلالات حكيمة: الوفاء للأجداد من آل نهيان.. وتأكيد الإحساس بالمدى الجغرافي لأبوظبي، شوارع مهمة بأسماء أماكن جغرافية: دلما، بني ياس، البطين. ومن المعاني الدالة على أهدافه نحو أبناء وطنه اختياره اسماً فريداً لأحد أهم شوارع أبوظبي (شارع السعادة)، وهذا يذكرني بما قاله أرسطو عن المدينة المثالية؛ أن تكون بجانب تأدية وظيفتها الأساسية: (توفير المأوى والحماية لسكانها) مصدراً لسعادة الإنسان».

أصالة وهوية

http://media.emaratalyoum.com/images/polopoly-inline-images/2014/01/84882.jpg

يركز الدكتور عبدالرحمن مخلوف الذي حاز العديد من التكريمات، ومن أبرزها «جائزة أبوظبي» في نسختها الخامسة في عام 2009، والتي سلمها إليه الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، على عنصر الأصالة دوماً في التخطيط العمراني، مؤكداً أنه عنصر ضروري، لا ينبغي الاستغناء عنه، إذ إنه بمثابة احتفاظ ببصمة المكان التاريخية.

ويشيد الدكتور عبدالرحمن مخلوف بحس المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان الأصيل، وتمسكه بهويته العربية، وحرصه على ذلك خلال نهضة أبوظبي الكبيرة، حتى في اختيار أسماء الشوارع.

طباعة