عزية الشريف: لوحاتي تُخرج شخوص العزلة من عتمتها

«لعبة الورق» .. يفتح حديقة الألوان والذكـريات

صورة

تشتغل الفنانة الفلسطينية عزية الشريف على الورق بوصفه مادة حيوية، قابلة للاستنطاق اللوني، وتوفر مستويات جمالية وتعبيرية متعددة. تقف الفنانة أمام الورق بصمت صوفي، تختبر وتستكشف طاقات الورق والألوان والأحبار، تاركة للخيال حرية «اللعب الإبداعي»، ما يتيح الوصول إلى نتائج مدهشة، إثر تخليها عن «الفكرة المسبقة»، فاللوحة تولد وتنمو وتتمدد، مثل كائن من ورق وألوان يتشكل في فضاء مشحون عاطفياً، ومتأجج بالذكريات التي تستدعيها لحظة الاشتباك مع بياض الورق الذي يتميز بالقوة والرهافة والحساسية والتجاوب مع المواد المختلفة.

ولدت الفنانة في دمشق بعد تهجير عائلتها من مدينة الخليل بعد الاحتلال الاسرائيلي. وترتبط ذاكرة الفنانة بمنزل جدها في حي «ركن الدين» الدمشقي، ولاتزال تتذكر كتب جدها على الرفوف، ونباتات البيت، ورائحة القهوة. وفي أعمالها ترصد شخوص العزلة وتُخرجها من عتمتها.

رحلة متعة واستكشاف

 

قالت الفنانة الفلسطينية عزية الشريف الحائزة شهادة البكالوريوس في الفنون البصرية من كلية الفنون الجميلة في دمشق عام 2008، إن «الورق يتيح لي تحويل كل محاولة لإتمام العمل الفني أقرب إلى اللعب، وبالنتيجة فإن أعمال المعرض الشخصي الثاني في عمّان تمثل رحلة من المتعة والاستكشاف».

وكانت الفنانة التي حازت الجائزة الأولى لمسابقة شركة بيترو كندا للفنانين الشباب 2010، شاركت في معارض جماعية في سورية ما بين عامي 2007 و2009، قبل أن يستضيف السفير الفرنسي إيريك شوفاليير في سورية معرضها الشخصي الأول في منزله بدمشق عام 2010. وفي العام اللاحق أقامت الفنانة بالمشاركة مع ثلاثة فنانين معرضاً في غاليري جورج كامل، كما شاركت في معرض جماعي آخر أقامه مركز رؤى في عمان، في أواخر عام 2012، تحت عنوان «أعياد ملونة».

وقالت عزية الشريف لـ«الإمارات اليوم» إن «الورق يمثل جداراً سرياً يفضي إلى حديقة مفعمة بالألوان والخطوط والمساحات»، إذ لا تخلو أعمالها من أشكال إنسانية مختزلة، لكن وضعياتها وحركاتها تفيض تعبيراً عن حالات الإنسان، خصوصاً الوحدة والصمت. ويمكن وصف أعمال الفنانة بأنها تعبيرية تجريدية تعتمد الحس الطفولي فيها، لذلك اختارت «لعبة الورق» عنواناً لمعرضها الشخصي الثاني الذي ينظمه مركز «رؤى 32» للفنون في العاصمة الأردنية عمّان، في الفترة من 28 يناير حتى 16 فبراير المقبل.

وحول معرضها الذي يتضمن 27 لوحة، أضافت الفنانة، التي نشأت في دمشق ودرست فيها الفنون البصرية وانتقلت إلى عمّان قبل عامين، أن «عنوان المعرض يعبر عن جوهر رؤيتي للعمل التشكيلي، إذ عملت على استنباط طاقة الورق أداة لممارسة العمل التشكيلي. وكان ذلك بمثابة لعبة بالنسبة لي، حيث أصبحت هذه المادة بكل مكوناتها ومرادفاتها جداراً سرياً ينفتح على حديقة من الخلق والإبداع، فكنت ألامس الجدار الذي يكاد يكون وهمياً، وما يلبث ان يختفي لأعود وألاحقه من جديد». وأفادت عزية الشريف بأنها في المعرض تحاول اظهار طاقة الورق، كونها مادة رصينة وخلاقة وقادرة على العطاء، «من خلالها أستطيع التجوّل بين الأشكال الهندسية والأحبار والأصبغة لبناء عمل ذي مفهوم تشكيلي معاصر».

وأضافت «لاحظت أن بناء الشكل في لوحتي لا يعتمد على سلوك منتظم ومسار محدد، فبالتالي النتيجة لم تكن ذات شكل مسبق، فتارة كنت أعمل على نطاق المساحة الورقية المقصوصة والمحددة لتبني لي الأحبار والأصبغة الأشكال وأشخاص لوحتي، وتارة اخرى لا أستطيع الالتزام بالمساحة الورقية المحددة، فتتمدد الأشكال لتخرج من هذه المساحة لفضاء أكثر اتساعاً وتنوعاً. وكل ذلك لم يلغِ تناول موضوعات عملت عليها سابقاً، خصوصاً تلك الشخوص الواقفة في صمتها ووحدتها، لأخرجها من عتمتها إلى الضوء».

ترتبط ذاكرة عزية الشريف ببيت جدها في حي «ركن الدين» الدمشقي. وقالت: «ولادتي ونشأتي ودراستي كانت في دمشق في وسط عائلة فلسطينية بامتياز، من حيث الخلفية الثقافية والسياسية والاجتماعية»، مشيرة إلى أن المكان الأول للعائلة في فلسطين، ومكان نشأتها في دمشق، كان لهما أثر واضح في رؤيتها الفنية، مضيفة «عائلتي من مدينة الخليل في فلسطين، وعلى إثر الاحتلال الصهيوني أُجبر جدي على ترك مسقط رأسه ليغادره الى دمشق، إذ واصلت العائلة سيرتها في منزل جدي الذي كبرت فيه، وكان في حي (ركن الدين) الذي يتلون بأطيافه المختلفة».

في بيت جدها، الذي كان له أثر جلي في توجهها الثقافي والإبداعي، كانت تشاهد وتعيش تفاصيل الحياة وتختزن ذاكرتها تلك المشاهد. وقالت الفنانة التي شاركت بمعارض جماعية عدة في سورية والأردن: «لايزال منزلنا ورائحة أزهاره ونباتاته تعبق في ذاكرتي، ولاتزال جرائد جدي وكتبه التي تحمل رائحته وعبق السنين محفورة في ذاكرتي»، مضيفة «الآن لا أقف أمام لوحاتي بوصفي فنانة فقط، لديها شغف للإبداع، وانما لأكون ابنة ذلك البيت وتلك النباتات وابنة جدي ومكتبته ورائحة قهوته. كل هذا الضجيج القوي يجعلني أقف أمام لوحتي، لأكون كثيرة الصمت. وبعد رؤيتي لهذه الأعمال الواحد تلو الآخر، أجد ذلك المعنى سامياً ومختبئاً في زوايا الأعمال».

يتضمن معرض «لعبة الورق» للفنانة عزية الشريف أعمالاً على ورق، بالدرجة الأولى، إذ أشار عنوان المعرض إلى ذلك، لكن الفنانة أرادت أن تختبر خامة أخرى، وهي الألوان والأحبار على قماش، وتعتبر ذلك بحثاً في إمكانية العمل على القماش في تجريب لمعرفة حساسية اللوحة المنفذة بالأحبار والأصباغ على القماش. وتركز الفنانة في تجربتها عموماً على الروح الانسانية، من خلال استكشاف مناطق في تفاعلات البشر مع عواطفهم، مشيرة إلى أهمية ذلك في زمن تتعاظم فيه الجوانب المادية على حساب الانسان وحضوره. وفي كل الأعمال الفنية يوجد تشكيل لشخص بخطوط مختزلة، تكاد تتماهى مع خلفية العمل. وتعبر طبيعة الألوان التي توظفها الفنانة عن طاقة إيجابية، إذ يكاد لا يخلو عمل من اللون الأحمر وطيفه.

 

 

 

طباعة