«عزيزة» و«مايا» يفتحان أبواب الحكايا والبحث عن الذات

بوح أنثوي في أول عــروض «الفجيرة للمونودراما»

صورة

البحث عن الذات، هو العنوان العريض لعروض اليوم الأول من فعاليات مهرجان الفجيرة الدولي للمونودراما في نسخته السادسة. أو يمكن القول إنها كانت ليلة نسوية بامتياز، اختلطت فيها الأحلام والأوهام، وتداعيات حياة قاسية حافلة بالتناقض والمتاهات الإنسانية. وبين «عزيزة بنت سليمان»، و«مايا» كان الجمهور عالقاً في مقارنة لا تجوز في كثير من الأحيان، خصوصاً أننا كنا أمام فضاءين مسرحيين على درجة كبيرة من الاختلاف، حتى لو جمعهما بوح نسوي، أو تشاركتا منطق البحث عن الأحلام الضائعة.

منطلق الاختلاف الجوهري بين العرضين، يكمن بشكل أساسي في خصوصية النص؛ فبينما كانت «عزيزة»، التي جسدتها باقتدار الفنانة أمل عرفة، عالقة في مواجهة نص بمقولة كبيرة لكنه أفقي المسار، يتغلب فيه الأدب على الفرجة، نجد أن الممثلة سعاد جناتي تحلق على الخشبة، متسلحة بنص على درجة كبيرة من الحيوية، أتاح لها أن تظهر بتلك التلقائية، التي كانت في بعض الأحيان تصل إلى حد الهزل.

الفرجة في كلا العرضين كانت متماسكة، من دون الوقوع في أي رغبة استعراضية، فالمخرجان الفنان أسعد فضة، والمخرج بوسهلة هواري هشام، كانا في حضرة ممثلتين قديرتين لا تحتاجان إلى ما يشوش على قدراتهما، ولا إلى الكثير من العناصر البصرية. كان على المخرجين تهيئة الخشبة لاستقبال كل ذلك الألق.

في رحلة «عزيزة بنت سليمان»، مضت أمل عرفة، تحت إدارة الفنان أسعد فضة، من خلال عرض جدلي، كتبه الراحل عاطف الفراية، الذي لم يسعفه القدر أن يشاهد نصه الفائز بالجائزة الأولى، في المسابقة الدولية لنصوص المونودراما على خشبة المسرح. يحاول هذا النص أن يكون مرآة لشخصية تعمقت فيها التناقضات، إلى درجة الهذيان والانفصال عن الواقع. في هذا العمل كنا أمام نجمة، الفنانة المعتزلة التي وجدت نفسها مرمية ومنسية في مأوى للعجزة خارج دائرة الضوء والشهرة، اللذين كانت تتمتع بهما. نجمة التي تحاول أن تستعيد اسمها الحقيقي، الضائع خلف أضواء الشهرة والمعجبين والعشاق، إنها بكل بساطة في لحظة مصيرية، تلتقط فيها بعض خيوط حياتها، لتدخل في محاكمات ذاتية طريفة حيناً، وقاسية في أحيان كثيرة. البحث عن الذات في هذا العرض يبدو عودة إلى الوراء، وتشريح للخيارات والاختيارات التي تقودنا في كثير من الأحيان إلى متاهة وجودية. نجمة اليوم لا هي تلك السيدة المشهورة، ولا هي تلك الصبية البسيطة التي رفضت زيجة بسيطة من شاب فرّان؛ مأخوذةً برغبة الأضواء. عثور نجمة على هويتها الشخصية يكون منطلقا لها، لتلملم ما بقي من حياتها، واسترجاع مسيرة يبدو أنها وصلت إلى مرحلة من التيه والعزلة والوحدانية القاسية.

نجمة التي تجد نفسها وحيدة بعد ذهاب جميع نزلاء مركز للإيواء، وضعها في مواجهة نفسها، كأنها كانت مناسبة لتحاكم نفسها، وتشريح مسيرة لم يبقَ منها غير الكثير من الذكريات، والقليل من الصور والملابس، التي تتحول إلى منطلقات لنعيش معها سلسلة من التحولات، والانتقال بين أزمنة وحكايا مختلفة.

أسس الفنان أسعد فضة في هذا العرض لبنية بصرية دلالية، تستفيد من أدوات غرفة بسيطة، تتحول تفاصيلها إلى خلفية لأحداث وحكايا عدة، جسدتها أمل عرفة بيسر وتلقائية. السرير مكمن الفرح والبداية والنهاية، الصندوق الذي تخرج منه الحكايا، خزانة الملابس التي تتوالد منها الشخصيات. فضة بنى على الخشبة معطيات كافية لخوض غمار فرجة ممتعة؛ إلا أن بنية النص ظلت ـــ بشكل أو بآخر ـــ عائقاً، خصوصا لناحية الصنعة الأدبية فيه، التي ظلت في مستوى واحد، ولم تدخل في عمق المأزق الوجودي الذي تعيشه نجمة، وبقينا في شكل واحد من أشكال الذاكرة.

اشتغال الفنان أسعد فضة على العمل اتسم بالرصانة والخبرة المعهودة، مستفيداً أيضاً من قدرات أمل عرفة، وقدرتها على التجسيد والتنويع في الأداء، لكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل أعاقت أمانة المخرج للنص الوصول إلى مستويات أخرى من الفرجة؟ أسس المخرج في هذا العمل لشكل تبرز فيه ممكنات التوظيف والدلالة، وما يتقاطع عضوياً مع البنية النفسية للشخصية، وبدت رغبة المخرج في السير وفق بنية متأنية غير ميالة إلى المشاكسة، كان الاشتغال واضحاً على البنى النفسية للشخصية، وجعل تحولاتها سريعة ورشيقة، لعبة المكاشفة، والبحث في مفاهيم على درجة كبيرة من الأهمية والخصوصية.

فريق عمل «عزيزة»

تأليف: عاطف الفراية.

إخراج: أسعد فضة.

تمثيل: أمل عرفة.

مساعد المخرج: خليفة التخلوفة.

تصميم الإضاءة: عبدالله مسعود.

موسيقى: علي الحفيتي.

ديكور وملابس: سامي عبدالحليم.

إدارة الخشبة: عبدالله اليماحي، سليمان الشامسي.

مدرب رقص: فهد العبدالله.

إدارة إنتاج: عبدالله راشد.

 طاقم «مايا»

تأليف وإخراج: بوسهلة هواري هشام.

تمثيل وكوريغراف: سعاد جناتي.

التركيب الموسيقي: العربي شريف.

تقني موسيقى: سفيان مختار.

ريجيسوار: مدوني عباسية.

مستشار فني: أحمد بن خال.

 

ارتحل المخرج مع الممثلة والمتلقي في أكثر من حالة، وظرف نفسي لتأكد قسوة ما تعيشه. لا تبدو المحاكمات في هذا العرض ذاتية بقدر ما هي محاكمة لواقع كامل تحكمه الأنانية والمصلحة، والقسوة ولوثة حب الذات التي تتضخم على حساب أي شيء آخر. هذه المفاهيم حاول مخرج العمل أن يكرسها بصرياً من خلال مستويات عدة للخشبة، التي انقسمت أمامنا وفق حدود غير مرئية بين الراهن والماضي، الواقع والحلم.

العرض الجزائري «مايا» قدم لجمهور المهرجان فرجة تستند إلى متن حكائي، بدا في كثير من الأحيان دون نهاية. قصة فسيفسائية تتوالد تفاصيلها من بعضها بتلقائية لافتة. العرض الذي نال تصفيقاً مستحقاً من جمهور لم يطل به الوقت ليصير شريكاً في رحلة إنسانية محفوفة بالآمال والخيبات، جسدتها باقتدار الممثلة سعاد جناتي التي ارتحلت مغنية وراقصة وراوية في مساحة مغرية من الأمكنة والأزمنة والشخوص، واستطاعت أن تلخص بمهاراتها الجسدية والتعبيرية حكاية مصيرية لفتاة تبحث عن حلمها وشغفها في أن تصير شيئاً مختلفاً عما هي عليه. الممثلة في هذا العرض بدت على درجة كبيرة من الحرفية والسيطرة على أدواتها الجسدية والنفسية، لاسيما أننا كنا أمام عدد كبير من الشخصيات.

خصوصية هذا العرض تبدأ من بنائه الأدبي، الشكل الحكائي فيه الكثير من المغريات. مؤلفه ومخرجه بوسهلة هواري هشام، استطاع أن يؤسس لعبته من خلال نص متشظ ومفتوح على تداعيات وانقلابات بين الأنا والآخر، «الهُنا» الذي يمثل الواقع، و«والهُناك» الحلم. لا يحمل النص ادعاءات، ولا يقوم على رغبة استعراضية؛ إنها بكل بساطة حكاية قوامها الحميمة والتلقائية التي تعبر عن جوهر شخصية مايا الفتاة البسيطة الآتية من بيئة بسيطة جداً، لكنها غنية في عوالمها وتفاصيلها.

المؤلف المخرج في هذا العمل، استطاع أن يخلق حالة من التوازن بين حجم التفاصيل المحكية، والمشهد البصري الذي لم يلجأ فيه إلى المغالاة، أو تحميل الأشياء أكثر مما تحتمل. كنا أمام بناء بصري بسيط هدفه إعطاء المجال للممثلة سعاد جناتي وارتحالاتها المستمرة بين كل الشخصيات التي جسدتها وتنقلت بينها، مستفيدة من أدوات بسيطة لكنها كانت كافية لإيجاد فضاء منسجم مع بعضه، ومتناغم مع البنية الحكائية التي اتسمت هي الأخرى بالبساطة والعفوية. المكنسة التي تصير شخصية، الستائر التي تتغير دلالاتها وتوظيفاتها، الإضاءة التي نسجت هي الأخرى بنية جمالية أضيفت إلى ميزة أخرى. لعبت الموسيقى في العمل دوراً مهماً، خصوصاً لناحية تأكيد حالة الاغتراب التي كانت تعيشها بطلة العمل. غربة مايا في هذا العمل لم تكن في المكان فقط، بل هي غربة نفسية عن عالم تتنوع قدرته على تقييد الأحلام وتشويهها وتحريفها.

حكاية مايا ليست شخصية أو محددة، يمكننا الادعاء أنها تعبر عن آمال وأحلام شريحة واسعة من الشباب والشابات، الذين ينظرون إلى الضفة الثانية من البحر. إنها حكاية خيبة مكللة بالرغبة في تغير واقع لا يبدو أن تغييره سهل أو في متناول اليد. تبدو القيود كثيرة لكن مايا، وكما تقول، كانت تعزل نفسها في عالمها الخاص، تختبئ خلف جدار من موسيقى الغجر التي تعلمت الكثير عنهم، وعن رقصهم الذي أتقنته وصار جزءاً من شخصيتها المسكونة بالفضول والرغبة في البحث عن الذات وسط عالم صعب المراس، ولا مكان فيه للضعيف الذي يجد نفسه في كثير من الأحيان عالقاً في متاهة غير منتهية من المواجع. ولعل تلك اللحظة التي وجدت فيه مايا نفسها عالقة في واقع جديد صعب وشاق، وبين ماضٍ تغيرت ملامحه وتفاصيله، ولم يعد الرجوع إليه متاحاً أو وارداً.

عروض اليوم

http://media.emaratalyoum.com/images/polopoly-inline-images/2014/01/82315.JPG

تتواصل اليوم عروض الدورة السادسة من مهرجان الفجيرة للمونودراما، مع العرض الصيني «تنهد»، تأليف يو رونغحون، وإخراج وتمثيل تيانا مانشا، إضافة إلى عرض «احتراق» من السودان، تأليف فرحان بلبل، وإخراج وتمثيل هدى أمون إبراهيم.

توظيف

اشتغال الفنان أسعد فضة على العمل اتسم بالرصانة والخبرة المعهودة، مستفيداً أيضاً من قدرات أمل عرفة على التجسيد والتنويع في الأداء، لكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل أعاقت أمانة المخرج للنص الوصول إلى مستويات أخرى من الفرجة؟

اختلاف

منطلق الاختلاف الجوهري بين العرضين، يكمن بشكل أساسي في خصوصية النص. فبينما كانت «عزيزة»، التي جسدتها باقتدار الفنانة أمل عرفة عالقة في مواجهة نص بمقولة كبيرة، لكنه أفقي المسار، يتغلب فيه الأدب على الفرجة، نجد أن الممثلة سعاد جناتي تحلق على الخشبة، متسلحة بنص على درجة كبيرة من الحيوية.

آمال وأحلام

حكاية مايا ليست شخصية أو محددة، يمكننا الإدعاء أنها تعبرعن آمال وأحلام شريحة واسعة من الشباب والشابات الذين ينظرون إلى الضفة الثانية من البحر. إنها حكاية خيبة مكللة بالرغبة في تغير واقع لا يبدو أن تغييره سهلاً أو في متناول اليد. تبدو القيود كثيرة لكن مايا، وكما تقول، كانت تعزل نفسها في عالمها الخاص.

طباعة