المخرج تنقل بين عالمين متناقضين بالاعتماد على لعبة بصرية مميزة

«ريتشارد الثالث» عندما تصنع الشعوب طغاتها

صورة

«لكل زمان ريتشارده»، عبارة طالما ترددت من أفواه المثقفين والأدباء وربما السياسيين، فريتشارد الثالث هو رمز الظلم والبطش والقمع، وكم ريتشارد سقط في عالمنا وكم ريتشارد سيولد من جديد.

ليلة تونسية بامتياز أشعلت مسرح قصر الثقافة في الشارقة في ختام عروض مهرجان المسرح العربي، مسرحية «ريتشارد الثالث» للمؤلف محفوظ غزال والدراماتورج والمخرج الكوميدي المتألق جعفر القاسمي، العرض الذي خرج منه مسرحيون كثر وهم في حالة غيرة، يودون لو أنهم جزء من هذا العرض، أعاد هيبة المسرح العربي.

أب ديكتاتوري

 ريتشارد الثالث، قصة أب ديكتاتور توفي وترك عائلته التي تحاول التخلص من آثار قمعه على أجسادهم وعقولهم، وتحاول الأم لم شتات العائلة التي فرقها تسلط وظلم الأب، الصبحي الابن الأكبر الذي جسد دور ريتشارد الثالث ببراعة (الممثل صبحي عمر) هو شاعر مغرم بالكتابة، يكتب قصيدة عنوانها «لكي لا يولد ريتشارد جديد» فيتعرض بسببها لمشكلات كثيرة تقوده إلى السجن.

عالمان مختلفان

تمكن المخرج من الربط بين عالمين منفصلين تجمعهما الحالة والوضعية السياسية، عبر تغيير الضوء، لتتحول الشخصيات من ريتشارد الثالث وأعوانه والقصر وحالة الخيانة والقتل والتجبر والبطش والقمع، ثم إلى حالة الصبحي وإخوانه والبيت التونسي (إشارة إلى المجتمع) الذي يعاني التسلط وآثار القمع لدرجة أنهم يعيشون في الظلال، وطوال العرض يبحثون عن الضوء للخروج من الحالة السياسية التي وقعوا فيها.

بخشبة عارية مجردة من أبسط السينوغرافيا، وإضاءة لعبة دور البطولة وتنافست مع ممثلين كانت أجسادهم حاضرة في الصمت كما في الحركة طوال العمل المسرحي، فلم تكن الإضاءة تؤدي وظيفتها المعهودة في ضبط حدود العرض إنما كانت شريكاً رئيساً في الأداء.

هي حالة من الإبداع لعمل مصاغ بذكاء من نص لم يرد إحياء نص شكسبير، إنما يسأل من يصنع الطاغية في جميع العصور، فالشعوب تصنع الديكتاتور، فعلى الرغم من أن هناك خمسة قرون بين نص شكسبير والوضع الحالي إلا أن الديكتاتورية نفسها بتفاصيلها تصنعها الشعوب المنكسرة، لذلك عمل المخرج مقاربة بين زمان ريتشارد الثالث وبين عائلة تونسية تعيش آثار قمع أجسادها وعقولها من قبل والدها الذي توفي ولاتزال عائلته تعيش تحت وطأة هذا القمع.

صراع العائلة هو تحذير من الانجراف إلى التفكك والعنف والإقصاء ومحاولات السيطرة ومصادرة الرأي، فالمقصود ليس العائلة إنما الوطن، عبر دلالاتها وأبعادها وإسقاطاتها السياسية، فيحاولون جاهدين «لكي لا يولد ريتشارد جديد»، والمفارقة أن فريق العمل من ممثلين كانوا يؤدون بأسمائهم الحقيقية في محاولة لربطهم مع واقعهم الحالي المعاش في تونس، وإشارة واضحة إلى الرفض التام من قبل هذه المجموعة بأن يكون هناك ريتشارد ثالث، فالتاريخ لم يعد يحتمل حماقات جديدة.

أما ربيع (الممثل ربيع إبراهيم) فقد وجد في الكحول دواءً للنسيان فأضاع علاقته بزوجته سماح (الممثلة سماح التوكابري) التي ملت نسق عيشها معه، وكانت تحاول جاهدة أن تصبح أماً لكن كل محاولاتها باءت بالفشل في ظل غياب زوجها الروحي، فيما خالد (الممثل خالد الفرجاني) وجد الحل في المخدرات حتى يبتعد قدر الإمكان عن الماضي القاسي الذي عاشه مع والده، واختار عاصم (الفنان عاصم بالتوهامي) أن يبتعد ويهرب للجبل وما أن يشعر بالجوع والنقص يعود إليهم إلا أنهم يقابلونه ببرود الضيف غير المرحب به، أما منال (الممثلة منال الفرشيشي) فكانت تبحث دائماً عن الضوء وسط العتمة فهي الأخت الملتصقة بأخيها خالد، فيما الأم (الممثلة فاطمة الفالحي) كانت تحاول أن تجمع شتات العائلة ولكنها تصيب أحياناً وأحياناً تخطأ، فيصبح المنزل سجناً ولكل فرد زنزانته، فلا حوار ولا لحظات عائلية يمكن أن تجمعهم. هي حالة من التوتر تجمع أفراد العائلة الذين تفرقهم الصعقات الكهربائية التي تملأ المكان بمجرد محاولة التقارب من بعضهم بعضاً، وذلك في إشارة إلى أن سلاح الطاغية تفريق الشعب وتشتيته وتفكيكه حتى لا يتكاتف عليه ويسقطه، كذلك الشعور بوجود الجواسيس من حولهم، الذي تجسدوا في صورة الشخصيات الملثمة وهم في الأساس الشخصيات ذاتها، فقد يكون الخوف داخلياً أو ربما يكونون يخشون هؤلاء الجواسيس المزروعين في كل زاوية من البيت المعتم.

 

 

طباعة