نيلسون مانديلا..مسيرة حـياة مع الحرية - الإمارات اليوم

كتب مذكراته في الظلمة وحاول تهريبها إلى النــــور

نيلسون مانديلا..مسيرة حـياة مع الحرية

صورة

في مثل هذا اليوم، قبل نحو نصف قرن، كان الآلاف يصلون من أجله أيضاً، لكن ليس بغرض شفاء يبدو بعيد المنال، بل للنجاة من حكم إعدام قد تصدره محكمة عنصرية، ففي الـ‬12 من يونيو عام ‬1964 تحديداً، سطر المناضل نيلسون مانديلا فصلاً من «مسيرة طويلة نحو الحرية» لنفسه وشعبه، رغـم الحكم عليه بالسجن مدى الحياة، إذ ظل يواصل مقاومته لنظام التمييز العـنصري، حـتى وهـو وراء جـدران معـتقل، تهاوت بعد ‬27 عاماً قضـاها مـانديلا خلفها.

في معتقل بجزيرة معزولة، وفي ليال مظلمة، غافل فيها سجانيه، كتب نيلسون مانديلا سيرته الذاتية، وحاول أن يهربها الى الخارج، لكن لم يفلح في ذلك هو ورفاقه، كما روى في سيرته «مسيرة طويلة نحو الحرية»، الذي يحوي جانباً كبيراً من قصة حياة المناضل الرمز، واعتمد نيلسون مانديلا في كتابه على كثير مما ذكره في مخطوطاته الأولى التي حاول تهريبها من السجن.

تحفل السيرة، التي ترجمتها الدكتورة فاطمة نصر، وصدرت ضمن سلسلة مكتبة الأسرة بمصر قبل ثلاث سنوات، بمرادفات الحرية والعدالة والكرامة والمقاومة، وغيرها من الكلمات التي يستدعيها مجرد ذكر نيلسون مانديلا، واللافت أن المناضل الذي تدهورت حالته الصحية أخيراً، ويصارع في المستشفى من أجل الحياة، لم يحاول إضفاء هالات على حياته، بل سرد في صفحاتها أحداثاً قد لا تروق للبعض، خصوصاً ممن يعتبرون الرجل أسطورة عصرية، وأيقونة ذات بريق باهر.

إنسانيات

خاتمة

ختم الزعيم نيلسون مانديلا مذكراته بسطور تعلن مرحلة مختلفة، وتلخص مسيرة حياته قائلا: «لم أولد وعندي فهم للحرية، فلقد ولدت حرا قدر معرفتي عن الحرية، كنت حرا أن أجري في الحقول قرب كوخ والدتي، وحرا في أن أسبح في القناة الصافية في قريتي وأمارس النشاطات الصبيانية الأخرى. لكن في جوهانسبرغ رأيت ببطء ليس فقط أنني لست حرا، بل إن جميع من هم على لوني لا يتمتعون بالحرية، والتحقت بالمؤتمر الوطني الإفريقي، وعند ذلك تبدل فهمي لحريتي بفهم أكبر لحرية شعبي. وخلال تلك السنوات الطويلة تحول فهمي لحرية كل الناس، بيضاً وسودا، فقد كنت أعلم أنه لابد من تحرير الظالم من الكراهية والتحيز وضيق الأفق. وحينما خرجت من السجن كانت مهمتي هي تحرير الظالم والمظلوم، وقد يقول البعض إنه تم إنجاز ذلك، لكني أعلم أن هذا غير صحيح، فقد خطونا الخطوة الأولى فقط على طريق أطول وأصعب، فلأن تكون حرا لا يعني فقط أن تلقي بقيدك، لكن أيضا أن تعيش بطريقة تحترم وتعلي من حريات الآخرين. ولقد سرت ذلك الطريق الطويل نحو الحرية، وحاولت ألا أتعثر، لكنني اتخذت خطوات خاطئة على الطريق. وقد اكتشفت السر أنه بعد أن يكمل الإنسان تسلق تل يكتشف أن هناك تلالاً أخرى كثيرة عليه تسلقها. لقد أخذت لحظة هنا للراحة لأسترق النظر الى ذلك المشهد المجيد الذي يحيط بي، وأنظر خلفي الى المسافة التي قطعتها، لكنني لا أسطيع التوقف سوى لحظة، لأن الحرية تأتي بمسؤوليات، ولا أستطيع الإطالة، لأن مسيرتي لم تنته بعد».

روى مانديلا في «مسيرة طويلة نحو الحرية» مراجعاته لذاته، ولحظات الضعف الإنساني التي اعترته خلال رحلة الكفاح الطويلة، وقوفه أمام نفسه ومساءلته لها: ما الجدوى من كفاح يقود الى المعتقل؟ وما ذنب الأسرة الصغيرة؟ ولم يخف صاحب السيرة أساه عندما علم بوفاة أمه وهو في السجن، وكذلك عندما جاءه خبر موت ابنه في حادث سيارة، ولم تسمح له السلطات بحضور جنازته.

تبدأ السيرة بفصل بعنوان «طفولة في الريف»، إذ ولد دوليهلاهلا (الاسم الأصلي لمانديلا قبل أن تمنحه إحدى معلماته في ما بعد اسم نيلسون)، في قرية مفيزو بمنطقة ترانسكي التي تبعد مئات الأميال عن جوهانسبرغ، في الـ‬18 من يوليو عام ‬1918، لوالد بمثابة زعيم قبيلة، لكن لم تستمر زعامته طويلا، إذ كان ضحية لحكم جائر من «سيد أبيض»، فقد على إثِره تلك المكانة والثروة أيضاً، ورحل الوالد والابن في التاسعة من العمر، لينتقل مانديلا الابن الى وصي يقوم على شأنه وتربيته.

تلقى نيلسون مانديلا تعليمه، وحاز شهادة متوسطة، والتحق بعدها بالجامعة، لكنه تركها نتيجة تمسكه ببعض مواقفه، واصطدامه برئيس تلك الجامعة، الذي اعتبره مانديلا أحد البيض المستبدين.

لم تتبلور أفكار المناضل الشاب خلال تلك المرحلة المبكرة من حياته، بل على العكس من ذلك، كانت أقصى أمانيه أن يصير «جنتلمان إنجليزيا»، يرى في النظام البرلماني الغربي قمة الديمقراطية، وعاش خلال تلك المرحلة منبهراً بنمط الحياة الإنجليزي، الى أن ترك الإقليم الذي يستقر فيه، ورحل إلى مدينة جوهانسبرغ. الطريف أن قصة الرحيل كانت بمثابة رحلة هروب من عروس، فالوصي الذي كان يرعى شؤون مانديلا تخير له فتاة، وحاول تزويجه بها، إلا أن الشاب آثر ترك المكان، والتمرد على ذلك التقليد، وكأنه يعلن عن جانب من شخصيته العنيدة.

تمييز عنصري

في المدينة الكبيرة، فتح مانديلا عينيه على مظاهر البؤس التي يحياها كثير من الملونين، أفارقة وهنودا، وقبلها سياسة التمييز العنصري وضحاياها: «كانت جريمة أن تدخل من باب مخصص للبيض، وجريمة أن تركب حافلة للبيض، وجريمة أن تستعمل صنبور مياه للبيض، وجريمة أن تسير على شاطئ مخصص للبيض، وجريمة أن توجد في الشارع بعد الحادية عشرة مساء، وجريمة ألا تحمل دفتر تصاريح، وجريمة أن يكون هناك توقيع خطأ في الدفتر، وجريمة أن تكون عاطلا، وجريمة أن تصل في المكان الخطأ، وجريمة أن تسكن في المكان الخطأ، وجريمة ألا يكون لك سكن. كنا نسمع يومياً آلاف الإهانات التي يلقاها الأفارقة في حياتهم».

التحق مانديلا في بداية استقراره بالمدينة بالعمل في أحد المناجم، عاش أياماً صعبة، وذاق مرارات كثيرة، مثل الآلاف من أبناء شعبه، دخل بعد حين الجامعة، وحصل على إجازة الحقوق، وصار محامياً للفقراء، انغمس في هموم السود، وانخرط كذلك في العمل السياسي، وحزب المؤتمر الوطني الإفريقي، صار بعد فترة أحد أبرز وجوهه، وطاف أرجاء كثيرة في بلاده، ودخل في صراعات بالجملة مع السلطات، خصوصاً بعد دعوات الاضرابات والعصيان المدني.

أصبح مانديلا أحد وجوه النضال في بلاده ضد الابارتايد (نظام التمييز العنصري)، تحول الى مطلوب لدى السلطات، يحكي عن تلك الفترة قائلا: «أصبحت مخلوقاً ليلياً، فكنت لا أخرج لعملي إلا في الظلام. وفي الأساس كنت أعمل في جوهانسبرغ، لكنني كنت أسافر إذا استدعى الأمر. كنت أقيم في شقق خالية، وفي منازل الآخرين، وفي أي مكان يمكن أن أكون فيه وحيداً وغير مرئي. وعندما كنت أعيش مختبئاً كنت لا أسير طويلاً معتدل القامة، وكنت أتكلم بصوت خفيض من دون وضوح أو تميز، وكنت لا أسأل عن أي شيء، بل كنت أترك الآخرين يخبرونني عما أعمل. وكنت غالباً ما أتخفى كسائق أو طباخ أو بستاني، وكنت أرتدي الزي الأزرق، أو زي عمال الزراعة».

مصر

تحول مانديلا في مسيرة النضال للوصول الى الحرية، من الشاب الذي يرى طوق النجاة في اتباع النهج الغربي، حيث التحضر والثقافة، إلى مناضل عنيد يعد إفريقيته حلا لأزمات العنصرية في بلاده، بل وفي القارة السمراء كلها، استطاع الهروب من جنوب إفريقيا، وتواصل مع زعماء دول تحاول التحرر والنهوض، وزار العديد منها، فحل في إثيوبيا والسودان، واطلع على تجارب المقاومة في الجزائر، والتقى ثواراً في المغرب، وكانت له وقفة خاصة مع مصر تحديداً، مع حضارتها القديمة، ومشروع التحديث الذي حاول إرساءه الراحل جمال عبدالناصر، يقول مانديلا عن ذلك في سيرته الذاتية: «كانت مصر قد تملكت مخيلتي وأنا طالب كمهد للحضارة الإفريقية وكنز لجمال الفن والتصميم، وكنت دائما أرغب في زيارة الأهرام وأبو الهول وعبور نهر النيل أعظم أنهار إفريقيا، ذهبت الى القاهرة وقضيت يومي الأول في المتحف أفحص القطع الفنية، وأدون الملاحظات وأجمع المعلومات عن نمط الرجال الذين أسسوا حضارة وادي النيل القديمة، ولم يكن اهتمامي اهتمام هاوياً للآثار، فإن من المهم للأفارقة القوميين أن يتسلحوا بالبرهان الذي يدحضون به ادعاءات البيض بأن الأفارقة لم تكن لهم في الماضي حضارة تضارع مدنية الغرب. واكتشفت في صباح واحد أن المصريين كانوا يبدعون أعمالا فنية ومعمارية عظيمة، بينما كان الغربيون في الكهوف. وكانت مصر نموذجا مهما لنا، فقد كان أمامنا على الطبيعة برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي أطلقه جمال عبدالناصر. فقد حدد الملكية الخاصة للأراضي الزراعية، وأمم بعض قطاعات الاقتصاد، وكانت له الريادة في بدء برنامج سريع للتصنيع وجعل التعليم ديمقراطياً، وبنى جيشا حديثا. وكان كثير من تلك الإصلاحات بالتحديد ما يطمح المؤتمر (الوطني الإفريقي) إلى أن يحققه، وكان الأهم بالنسبة إلينا في ذلك الوقت أن مصر كانت الدولة الإفريقية الوحيدة التي تمتلك جيشا وأسطولا بحريا وجويا يمكن أن يقارن بذلك الذي تمتلكه جنوب إفريقيا».

سجن

بعد مرحلة من التخفي، والخروج سرا من البلاد والعودة إليها، ومطاردة المخابرات، تم إلقاء القبض على نيلسون مانديلا، وفي إحدى جلسات محاكمته دخل بزي قبيلته الإفريقي المميز، ما أثار حفيظة السلطات، وصادرت ذلك الزي، واستمرت الجلسات فترة طويلة، وحكم على مانديلا بعد ذلك بالسـجن مدى الحياة، وطارت شهرة المناضل إلى جهات العالم الأربع، إذ نقلت صحف عدة دفاعه عن نفسه، ومهاجمته للنظام العنصري في بلاده، واعتباره سبب مآسي شعبه، مؤكداً أن قضيته ليست موجهة إلى كره البيض، بل العمل على خلق وطن ديمقراطي يتمتع فيه الجميع بالمساواة، ويعيشون معا في سلام، ولم يخف المناضل الإفريقي قناعاته بما دفع «المؤتمر الوطني» الى انتهاج وسائل مقاومة غير سلمية، بعدما أغلقت السلطات كل سبيل في وجه أعضائه.

لم يضعف الحكم بالسجن المؤبد نيلسون مانديلا، بل أعلن أنه كان مستعدا للموت في سبيل قضية تحرر شعبه، ولم يندم على المسافات الطويلة التي قطعها نحو النور والحرية، بل وعمل وهو في السجن على إبقاء جذوة الكفاح مشتعلة، فتواصل مع مسجونين سياسيين، للوقوف على أخبار المقاومين في الخارج، رغم نفيهم في سجن بعيد في جزيرة معزولة.

حمل نيلسون مانديلا راية التمرد في المعتقل، إذ رفض في البداية الزي الذي كان يوزع على المساجين السود تحديداً، إذ رفض أن يرتدي الشورتات القصيرة، التي تظهر المساجين السود كأنهم صبيان فاقدو الأهلية، رفضت سلطات السجن تذمر المناضل نيلسون مانديلا، واقتادته الى حبس انفرادي. لم يكن ذلك فصله الأول والأخير مع رفض استبداد السجان، إذ عمل على تحسين أحوال المحبوسين، وليس حاله هو تحديداً، مرة مع الطعام، ومرة مع تخفيف العمل، وتوفير ظروف شبه إنسانية للمسجونين.

عمدت السلطات العنصرية إلى تضييق الخناق على نيلسون مانديلا ورفاقه في السجن، فرضوا عليهم أعمالاً شديدة الصعوبة، تفتيت صخر، وعمل في المحاجر، ونوم في غرف رطبة، وطعام شديد الرداءة، وعزل عن العالم الخارجي، ومنع زيارات إلا مرة في العام، وتمزيق رسائل قادمة من الأهل، وغيرها من صور المضايقة التي لجأت اليها سلطات السجن، لكي يتخلى مانديلا وغيره من المناضلين عن قضيتهم، وينسون ما يدور هناك في السجن العنصري الكبير، خارج الجزيرة المعزولين فيها.

27 عاماً

يفصل مانديلا في سيرته الذاتية يوميات السجن، ويمنحها مساحة كبيرة، فهي ‬27 عاماً، وليست مجرد فترة عابرة، ولا ينسى المناضل الجنوب إفريقي أن ينسب بعض الفضل لأهله، فالصورة لم تكن شديدة العتمة طوال تلك الأعوام، فثمة أيام خفف وطأة محبسه فيها سجان يتعاطف، يمرر إليه بعض الأشياء، جرائد أو أوراقا، أو طعاما مختلفا، أو ملابس جديدة.

في نهاية الثمانينات، ظهرت طاقة نور في النفق المظلم، تصاعدت الاحتجاجات في خارج السجن، في ساحات جنوب إفريقيا، وطالب زعماء وقادة دول بإطلاق سراح مانديلا، ما دفع رئيس جنوب إفريقيا حينها إلى الدخول في مفاوضات مع السجين المناضل، شريطة تخليه ورفاقه عن نهجهم القديم، وإدانتهم لما يقوم به مناصرو «المؤتمر الوطني». لكن مانديلا رفض الاشتراطات، وأجبر السلطات على الجلوس معهم والتفاوض بلا أي تنازلات، ونقل مانديلا إلى سجن آخر، وخلال تلك الفترة التفاوضية تحديداً كان شبه مطلق السرح، يقيم في استراحة خاصة، حتى تم الإفراج عنه في ‬1990.

استقبل نيلسون استقبال الأبطال، وخطب في شعبه في العديد من المدن، صدم السلطات التي كانت تظن أن السجن قد أوهن عزيمته، وأنه قد وصل الى أقصى ما يتمناه من شهرة، إذ أعلن نيلسون مانديلا عن مواصلته السير في درب المقاومة حتى يواصل أحلام شعبه، وينهي تماماً نظام التمييز العنصري في بلاده، وينعم الكل في وطنه بالمساواة والكرامة الإنسانية، بل وأعلن أنه في هذه السجن مستعد للذهاب إلى السجن مرة أخرى، من أجل استكمال مسيرة الحرية التي بدأها وهو شاب. اعترفت السلطات بالمؤتمر الوطني، ولم يعد هناك حظر على أعضائه، وعلى غيره من المنظمات، كما تم الإفراج عن المسجونين السياسيين، وتم هدم نظام الابارتيد، لتشرق شمس جديدة على جنوب إفريقيا، بفضل مانديلا ورفاقه.

طباعة