العد التنازلي لإكسبو دبي 2020

    تشكيلية سورية تقيم في عمّان وترسم الحلم بالحرّية

    ريم يسوف: الطائـرة الورقــيـة صوت الأطفال العالي

    صورة

    بلدة دير عطية السورية كانت الفضاء الحيوي لطفولة الفنانة التشكيلية ريم يسوف. وبعدما اتخذت الفن طريقاً تعبيرياً، عادت إلى الطفولة، وعادت المرأة في لوحاتها إلى طفلة صغيرة تلعب مع أقرانها، في مشاهد تشير إلى الحلم بالحرية، حيث ترفرف طائرات ورقية، في فضاء اللوحات. لكن في جانب آخر تشير أعمالها إلى ما تتعرض إليه الطفولة من انتهاكات، إذ إن سجل شهداء الثورة السورية يتضمن عدداً كبيراً من الأطفال الذين لم ترحمهم طائرات النظام ومدفعيته.

    أبجدية الحلم

    الفنانة ريم يسوف ترسم كما لو أنها تحلم، إذ يتداخل الواقع والخيال في لحظة هي ذروة الانهماك والحوار بين الفنانة وقماش اللوحة الأبيض. وفي الحوارية بين أبجدية الألوان والقماش والفرشاة المشحونة بالعاطفة تتخلق لوحة ريم يسوف بين يديها.

    ومنذ انطلاق الثورة السورية من أجل الحرية والعدالة والكرامة، بدأت الفنانة مرحلة جديدة في تجربتها، إذ تبلورت أسلوبيتها، وصارت الألوان أكثر شفافية، كما لو أنها تقول إنها تواجه بالرسم وتلك الألوان الشفيفة آلة الدمار والظلام والموت التي تفتك بشعبها الثائر. ريم يسوف ترسم أحلام أطفال سورية بغد جميل خالٍ من الرصاص القاتل، ومملوء بالطائرات الورقية المرفرفة في فضاء وطن حنون للجميع، وطن خالٍ من الاستبداد. وأنجزت الفنانة قبل أيام دفتراً فنياً، بعنوان «رسالة من طفل إلى طفل»، معبرة فيه عن الحلم بمستقبل جميل للأطفال الذين يتعرضون لانتهاكات صارخة، تصل إلى القتل. وترى الفنانة، ابنة بلدة دير عطية، أن اللون الأبيض بدرجاته المتعددة بمثابة «صرخة في عالم قاتم بدخان البارود»، وهي لا ترى حاجة إلى مزيد من الألوان في ظل «وحشية ألوان القذائف والصواريخ» التي يطلقها النظام على مدن وقرى وبلدات. الفنانة متمسكة بأبجدية الحلم التي تواجه بها بشاعة واقع القتل والتدمير والتهجير.

    https://media.emaratalyoum.com/images/polopoly-inline-images/2013/05/02-fghj;3.jpg

    أحداث الفجائع اليومية وذاكرة الطفولة والبراري المفتوحة على الحلم، كلها حاضرة في الأعمال التعبيرية للفنانة ريم يسوف. وكانت زيارتها للعاصمة الأردنية عمان عتبة لمرحلة جديدة في حياتها وفنها، إذ إن تلك الزيارة كانت «مؤقتة»، لكن تطور الأحداث المتسارع، حيث القصف الجوي والبري يطال البشر والحجر والحيوان والشجر، جعل الفنانة تفكر بتأسيس مرسم جديد لها في جبل اللويبدة في عمّان.

    وقالت ريم يسوف لـ«الإمارات اليوم» عن المرحلة العمّانية، إن «المفاجآت المرعبة التي تحدث بشكل يومي في سورية، ومن بينها ما حدث أمام مرسمي هناك، حيث مشهد الدم هو الطاغي، جعلني أتمسك بمسؤوليتي تجاه فني بشكل أكبر»، لتواجه في جبل اللويبدة العتيق قماش اللوحة وتواصل إبداعها، واصفة بياض قماش الرسم بأنه «المرعب الساحر».

    وأضافت أن «طفولتي هي مركزي وبدايتي، والطائرة الورقية تمثل الصوت العالي بصمت لأطفال موجودين أو كانوا بيننا»، مؤكدة أن «مع بداية الثورات في الوطن العربي تحولت المرأة في لوحاتي إلى طفلة، وصار القط صديق طفولة أو شاهداً في أعمالي التي تظهر أحلام طفل هو ضحية أحداث كبيرة». ودانت ما تتعرض له الطفولة من انتهاكات صارخة في بلدها.

    وأشارت ريم يسوف، التي درست الفن في كلية الفنون الجميلة في جامعة دمشق، إلى أهمية التفاعل بالنسبة للفنان، والانفتاح على مختلف التجارب التشكيلية، إذ إن «الفن يرتبط بفكرة السفر عبر الالوان والبلاد، ما يدعم تجربة الفنان فكرياً وفنياً، فالفنان ضد التقوقع. وكانت زيارتي مدينة عمّان فكرة مؤقتة لمتابعة عملي بمجال الفن، ولكن عند وجودي كانت الأحداث تتطور بشكل يقلق، نتيجة المفاجآت المرعبة التي تحدث، ومن بينها ما حدث أمام مرسمي في سورية، ما جعلني أتمسك بمسؤوليتي تجاه فني وعملي بشكل أكبر، واتخاذ القرار الحاسم بتأسيس مرسم لي في عمان ومتابعة العمل بجدية».

    ريم يسوف التي أقامت معارض شخصية، وشاركت في معارض جماعية عدة، ذكرت أن «الفنان متأثر ومؤثر، والمكان هو جزء من الذاكرة والاستقرار، كما الرائحة، واشتياقي لمرسمي في بلدي سورية فاق حد التعب، كما اشتياقي لأهلي وأصدقائي ولرائحة البلد التي تعشّش في ذاكرتي». لكن الفنانة تواصل شحن قدراتها بطاقة جديدة، على الرغم من مشاهد القتل اليومية في بلدها الذي يشهد ثورة منذ أكثر من عامين. وقالت: «مع ازدياد قسوة الحياة، نزداد قوة وتعلقاً بالغد وإشراقة الشمس والأمل، فكان هدفي الأول هو الأسمى بما يتعلق بلوحتي، فالتاريخ يثبت أن الفنان زائل والمكان متغير، لكن العمل الفني يواصل الحياة عبر الزمن، وهو جزء مهم في بناء ثقافة المجتمع».

    وأكدت الفنانة السورية التي حازت جوائز في ملتقيات فنية عدة، أن «طفولتي هي مركزي وبدايتي لأصبح ريم يسوف. وفي لوحاتي في هذه المرحلة عدت إلى صور طفولتي لأشعر بالطفل في أعمالي وأحلامه ومشاعره، خصوصاً في زمن يحاول تشويه الذاكرة»، موضحة أن في بداية تجربتها التشكيلية «كانت المرأة وعلاقتها بالفراغ موضوع أعمالي، ثم ظهر معها كائن متقمص لشخصيات شاركها الحياة، وهو على شكل قط، لكنه بشكل وسلوك أقرب إلينا نحن البشر». وأضافت «منذ بداية الثورات في الوطن العربي تحولت هذه المرأة إلى طفل، وتحول القط الى صديق طفولة أو شاهد. والعنوان العريض للوحاتي يظهر أحلام طفل ضحية أحداث وقرارات».

    ريم يسوف التي تهتم في أعمالها الأخيرة بجملة لونية تتكون من طيف الرمادي والأزرق، وتعبر بلغة فنية ذات شفافية، مع التركيز على حركة الأطفال والطائرات الورقية، قالت: «مع الوقت لاحظت وبشكل كبير حركة الوقوف للطفل هي ذاتها التي كنت أقفها عند التصوير. وهذا ما أكد لي وأسعدني بأن الفنان مهما حاول التقمص، إلا أن ذاكرته تبقى تحتفظ بما يتعلق بشخصيته».

    وترى ريم أن الفنان يمر بمراحل عديدة، ولكن مع تطور أساليبه وتقنياته وتقدم تجربته، يعود لا شعورياً بالأسلوب إلى طريقة الطفل بالاختزال أثناء الرسم، ويتمنى أن تكون طفولته حاضرة بسلوكه أمام اللوحة، فعندما يعود الفنان إلى مقدرة الطفل بالتعبير، يكون حقق الوصول إلى فن صافٍ يتميز بالحرية.

    وعن تفاصيل طفولتها، قالت الفنانة ريم يسوف، التي نالت الجائزة التقديرية الثانية في مسابقة الإبداع الحر لتصاميم المجوهرات، في دبي، إن «طائرة الورق من بين أبرز المفردات، اذ تلعب مع الرياح تحت أشعة الشمس، وهذا ما نتمنى دائماً أن يعود إلينا. ومن أكثر المشاهد العالقة في ذهني، اثناء طفولتي، عند ازدحام حدث ما، اذ تختفي الأصوات من مسامعي وتبدأ حركة الأجساد أمامي والظلال تتحرك. كما كان طريق السفر البري يشكل لي تجربة غنية دائماً، عندما أتخيل اشكال الجبال العملاقة لطيفة ونائمة في حالة استرخاء، خوفاً من إزعاجنا نحن الكائنات الصغيرة».

    وأضافت «الطائرة الورقية كانت ورقة بيضاء من دفاترنا كتبت عليها رسالة وأرسلت الى السماء لتحملها الرياح. إنها حرة لتصل، لأنها تمثل الصوت العالي بصمت، لأطفال موجودين أو كانوا بيننا، فهذه رسالتي منذ بداية مسلسل ضحايا الأطفال في بلدي، وكذلك رسالتي الى أطفال العالم.

    فأنا جزء من شعبي، ولا صوت لي إن لم يرد شعبي. فكل منا له دور إن كان سلبياً أو إيجابياً، وحق حرية التعبير واجب ومسؤولية». وأوضحت أن المثقف أو المبدع من واجبه التعبير والتوثيق لما يجري لشعب ووطن. وعلى المبدعين والمثقفين إيصال أصواتهم بشكل راقٍ للعالم. وقالت إن «هناك فنانين بقوا يرسمون للحب والجمال وموضوعات شخصية، وأنا أحترم عملهم، لأنهم جزء من حياتنا. وعلى الرغم من الأحداث التي تدور، يبقى الحب وتبقى الذكريات الجميلة بين الناس، لوجود الأمل في الغد». وحول إذا ما كان للفنانة ريم طقوس أثناء الرسم، قالت: «ليست لدي طقوس معينة، وإنما أشعر بأنني رهينة ترجمة فكرة أو رد فعل على اللوحة، كمن غاب عن وعيه ودخل ضمن فكرة انتشلتني من حياتي، إذ تبدأ شفافية الألوان والخطوط والأشكال تتكلم». وأضافت أن «بياض القماش، المرعب الساحر بالنسبة لي، هو نهاية اللاشيء والانتقال إلى حياة جديدة تتشكل بالألوان والخطوط وفضاء العمل الفني».

    طباعة