جيروم فيراري يتوسط جان إيف كارنينو وميشلين حبيب. تصوير: إريك أرازاس

فيراري.. الحياة على الهامش

قال الكاتب الفرنسي الحائز جائزة غونكور ‬2012 عن روايته «العظة من سقوط روما» جيروم فيراري، إنه لم يكن يتوقع الفوز بالجائزة على الإطلاق، وكان وجوده ضمن القائمة القصيرة للروايات المرشحة للجائزة والتي ضمت أربع روايات مفاجأة غير متوقعة بالنسبة إليه، فهو شخص يميل إلى الحياة على الهامش ولا يسعى لأن يكون محطاً للأنظار، وفجأة وجد نفسه تحت الأضواء، لافتاً إلى أن معايير الاختيار في الجائزة ليست ثابتة، فهي تتغير من عام لآخر، وغالباً ما ترتبط بجماليات العمل الأدبي، وتعتمد بقدر كبير على رؤية اعضاء لجنة تحكيم الجائزة.

لا تعارض

جيروم فيراري

ولد جيروم فيراري في باريس عام ‬1968، وتلقى تعليمه في مدرسة الليسيه في إيفري سور سين، وانتقل بعدها إلى جامعة السوربون باريس واحد، حيث حصل على شهادة في الفلسفة. أمضى فيراري طفولته وشبابه بين باريس وكورسيكا التي كان يتردد عليها بصورة دائمة مع عائلته، وبدأ حياته العملية صحافياً في جريدة محلية قبل أن يمتهن التعليم بصورة دائمة، فقد عمل أستاذاً لمادة الفلسفة للصفوف الثانوية في الجزائر، بين عامي ‬2003 و‬2007. عاد بعدها إلى جزيرة كورسيكا فعمل أستاذاً مساعداً حتى شهر سبتمبر ‬2012. ثم انتقل للعمل أستاذاً لمادة الفلسفة في مدرسة لويس ماسينيون في أبوظبي، حيث يعيش الآن. وتعد «العظة من سقوط روما» هي العمل الأدبي السابع لجيروم فيراري، أما روايته الأولى فكانت عام ‬2001، وهي بعنوان «أصناف من الموت»، وروايته الثانية «ألف صفر»، صدرت عام ‬2002، وقد ترجمت روايته «حيث تركت روحي» إلى الانجليزية والإيطالية والألمانية.

جائزة غونكور

تعد جائزة غونكور الأهم في فرنسا من حيث تكريم الأعمال الأدبية الفرنسية. وهي تمنح من قبل أكاديمية غونكور إلى كاتب أفضل عمل نثري والأكثر ابتكاراً للعام، وقد أنشأها ادمون دو غونكور، وهو أديب ناجح وناقد وناشر كرس حياته لإنشاء أكاديمية غونكور تكريماً لأخيه وشريكه جول ألفرد هيو دو غونكور، الذي توفي عام ‬1870. ومازالت الأكاديمية تمنح الجائزة سنوياً منذ شهر ديسمبر عام ‬1903. ومن بين الفائزين البارزين بالجائزة مارسيل بروست، سيمون دو بوفوار، أنطوان ماييه، ألفونس دو شاتوبريان، كما فاز بها من الكتاب العرب الطاهر بن جلون وأمين معلوف.

أشار فيراري إلى أن عمله مدرساً للفلسفة لا يتعارض مع إنتاجه الأدبي، فقد كتب روايته الأولى «أصناف من الموت» في ‬2001، وروايته الثانية «الف صفر» ‬2002، ثم توقف بعدها فترة امتدت إلى ‬2007، ومنذ ذلك الوقت اعتاد اصدار رواية كل عام، من دون ان يتعارض ذلك مع مهنته، بفضل سرعته في الكتابة وزوجته الصبورة، موضحاً ان الفلسفة التي درسها ويقوم بتدريسها لعبت دورا غير مباشر في رواياته، فهو ينظر للحياة عبر مفهوم فلسفي، لكن عند الكتابة يعتمد على أسلوب ادبي بحت، دون أن يسعى لكتابة رواية فلسفية متنكرة في قالب ادبي، حتى لا يكون مصيرها الفشل.

جاء ذلك خلال حفل التكريم الذي أقامه اتحاد كتاب وأدباء الإمارات - فرع أبوظبي، بالتعاون مع وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع، وهيئة ابوظبي للسياحة والثقافة، ومشروع كلمة للترجمة، للروائي الفرنسي، مساء اول من أمس، بمقر الاتحاد في المسرح الوطني بأبوظبي، بحضور المستشار الثقافي بوزارة شؤون الرئاسة زكي نسيبة، ولفيف من المثقفين، حيث تسلم جيروم فيراري درع اتحاد كتاب وأدباء الامارات، ولوحة من وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع للفنان حسين شريف.

وعن المكان وأثره في كتاباته، ذكر فيراري ان هناك مكانين كان لهما أثر واضح في روايته: المكان الأول هو جزيرة كورسيكا التي ولد بها، وكان يقضي فيها معظم عطلاته، والتي شكلت ملامح المكان في رواياته، أما المكان الثاني فهو الجزائر التي عمل فيها أربع سنوات من ‬2003 إلى‬2007، حيث شكل وجوده هناك مفاجأة كبيرة قلبت عالمه ورؤيته للواقع من حوله، مشيراً إلى انه عندما قرر ان يترك الجزائر لأسباب مهنية، فكر في الانتقال لمكان يمنحه الالهام نفسه، فاختار الإمارات التي سيجد فيها العالم العربي مرة أخرى، ولكن بشكل مختلف عن الصورة التي عرفها في المغرب العربي، معرباً عن امله في ان يجد الالهام والدافع للكتابة في أبوظبي التي انتقل للإقامة بها والعمل في إحدى المدارس الفرنسية بها منذ ما يقرب من أربعة شهور.

خطبة

عن روايته الفائزة بالجائزة «العظة من سقوط روما» أشار فيراري خلال الأمسية التي أدارها مدير الرابطة الفرنسية في أبوظبي، جان إيف كارنينو، وقدمتها ميشلين حبيب، إلى أنه استلهم أحداثها من عبارة وردت في خطبة للقديس أوغوسطينوس عن سقوط روما عام ‬410م، وقال فيها ان «العالم كالإنسان، يولد، يكبر، يموت»، فالرواية تدور حول ماتيو وليبرو، وهما طالبان كورسيكيان يتركان دراسة الفلسفة في باريس ويقرران العودة إلى قريتهما لإصلاح حانة القرية، ورغم جهودهما يفشلان في هدفهما وينتهي كل شيء، موضحاً ان الرواية من المقرر ان تترجم إلى ما يقرب من ‬15 لغة، متمنياً ان تتم ترجمتها إلى العربية أيضاً.

تواصل ثقافات

أوضح اتحاد كتاب وأدباء الإمارات أن هذا النشاط يأتي كانتباه من الاتحاد - فرع أبوظبي، لتفعيل الاهتمام بالثقافات الأجنبية على أرض الإمارات، من أجل ثقافة تفاعلية عامة في جميع مجالات الإبداع الكتابي والفني، والاهتمام بما يُكتب باللغات الأخرى غير العربية. كما تشير الأمسية، التي جاءت باتفاق أساسي بين وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع، وهيئة أبوظبي للسياحة والثقافة، ومشروع كلمة للترجمة، إلى تفاعلية المؤسسات العاملة ثقافياً في إمارة أبوظبي، وتأكيداً على أن الثقافي دائماً هو الملاذ الآمن جمالياً للروح والجسد معاً.

وأشار مدير إدارة الأنشطة الثقافية بوزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع د.حبيب غلوم العطار، إلى أن الامسية تعبر عن إيمان الوزارة بأهمية التبادل الثقافي بين الشعوب ومد أواصر الصداقة والتعارف مع الآخر، وسعيها الدائم لتعزيز مفهوم حوار الحضارات، حيث تسهم الثقافة في تحقيق التواصل عبر وسائل الاتصال المتعددة عابرة القارات، لتمتزج مع الثقافة الوطنية بما يعود على البشرية بالنفع والفائدة.

وأشار د.محمد ولد عبدي في كلمة هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة إلى قدم العلاقة الحضارية بين الثقافة الفرنسية والثقافة العربية الاسلامية، «فمنذ عبور الثانية إلى الأولى عبر الأندلس، ووصول الأولى إلى الثانية من خلال نابليون العظيم، ظل التلاقح بين الثقافتين مستمراً ومتجدداً، وكفى أن آثاره اليوم شاخصة في الإمارات، فالسوربون بتاريخها العريق اختارت أبوظبي أول إقامة لها خارج باريس، ومتحف اللوفر بعبقه التاريخي اختار النزهة في السعديات».

الأكثر مشاركة