ترصد في معرضها الشخصي بالشارقة العــــــــــلاقات الإنسانية بين البشر

الشماع.. البحث عن الحب المفقود

صورة

بقلوب ومفاتيحها، وعيون دامعة، وأخرى تشع فرحاً ومشاعر مختلطة بين كره وعشق وأنانية، هو «الحب» بما تحمله الكلمة من معانٍ وعلاقات إنسانية، جسدتها الفنانة التشكيلية الإماراتية سوسن الشماع، ضمن 40 لوحة فنية قدمتها في معرضها الشخصي الثاني، المقام حالياً في أروقة معهد الشارقة للفنون.

فمن المدرسة السريالية إلى الانطباعية وحتى الواقعية انعكست أعمال الشماع، التي غالباً ما تحمل فكرة واحدة وتعالجها بأكثر من طريقة، وفي معرضها الحالي أرادت الشماع تجسيد «الحب» وما يحمله من مشاعر وعلاقات إنسانية، تلك التي يفترض أن يفطر بها الإنسان ومنها يعيش ويقتات، فتناولت علاقة العشاق والصداقة والأخوة وحتى الزمالة في العمل.

لم تخل لوحاتها الـ40 من أصول التعامل الإنساني ومشاعر التضحية والحب من طرف واحد، والنكران والهجران والتصدي، إضافـة إلى الألم والشوق والمحاباة، والحب المقرون بالمصلحـة في إطار العلاقات بين الناس، كما تناولت الحنين والشغف والتسامح والفراق.

بأسلوب تشكيلي أقرب ما يكون إلى الرسم الكرتوني، استطاعت الشماع إيصال فكرة الحب بشخصيات كرتونية رسمتها على ألواح «الكانفيس» بأحجام وأشكال متنوعة، أرادت من خلالها أن تصل إلى جميع مستويات وفئات المجتمع، منهم الطفل واليافع والبالغ، وذلك لضمان غرس مشاعر الحب منذ الصغر في نفوس الأطفال، وتدرجها تصاعدياً مع تقدمه في العمر.

مزج

شهادة معلم

توقع أستاذ الرسم والتلوين في معهد الشارقة للفنون الفنان، محمد جعفر الدويلة، أن تسلك الفنانة الصاعدة سوسن الشماع، طريقاً خاصاً بها، وأن تحدث نقلة نوعية في حركة الفن التشكيلي، خصوصاً أنها تمتلك من المهارة والإرادة والتطور السريع ما يجعلها تتفوق على كثير من طلاب المعهد.

وقال إن «الشماع تستخدم تقنية جديدة ودمجاً للخامات والمواد أثناء تنفيذها لأعمالها الفنية، واعتقد أن هناك تأثراً بالسريالية والواقعية والانطباعية، وهناك فائض في لوحاتها من الرقة والطفولة والجمالية، إضافة إلى الجانب الأنثوي الطاغي».

مزجت الشماع كل أنواع الفنون في لوحة واحدة، بهدف إيصال طبيعة العلاقة المحكومة بالحب، استخدمت الفن الحديث وجميع أنواع الكولاج والأعمال اليدوية، فيما جسدت فكرتها بواسطة خامات متنوعة، منها الألوان الإكريليك والقطع المعدنية وقصاصات الورق من صحف ومجلات، إضافـة إلى استخدام الأقلام الملوّنـة وجميع أنواع البخاخ اللوني، بما يتناسب والعلاقة في اللوحة.

وقالت الشماع لـ«الإمارات اليوم»: «المعرض الحالي هو المعرض الشخصي الثاني في مسيرتي الفنية التي بدأتها من أروقة معهد الشارقة للفنون، واستمرت لسنوات حتى جاء المعرض الأول ويحمل عنوان (التراث والمرأة)، أما معرضي الثاني فأردت أن أجسد من خلاله علاقة إنسانية نلامسها في حياتنا اليومية، ولكن قل التعامل بها، وهو الحب الفطري في الإنسان، والذي ينعكس في جميع العلاقات الإنسانية وليس ضمن العشاق فقط».

ولفتت إلى أن «المعرض عبارة عن كمية مضاعفة من الحب ضمن أحلام صغيرة حملت عنوان المعرض، خصوصاً أن الحب هو لغة التواصل بين الناس، أو يفترض أن تكون كذلك في وجود مدعي الحب والمتصنعين له، والذين يستغلون الحب للوصول إلى غايات معينة ويستهدفون الأشخاص لقضاء مصالحهم».

حب فطري

من أجمل اللوحات التي تعتبرها الشماع الأقرب إلى قلبها، لوحة جسدت المرأة في حبها الصادق في صورة الملاك الذي يفيض بحبه للطرف الآخر، ويمنحه مفتاح قلبه ومحبته، وعكست شدة الحب والتفاني في العطاء برسم الغيمة الماطرة بالقلوب، فيما الطرف الآخر يجسد الإنسان الممتنع عن تقبل ذلك الحب ويعكس مدى شره من خلال قرون الشر.

وقدمت في لوحات متنوعة نوعاً آخر من الحب وهو حب المصالح الموجود بكثرة في الحياة اليومية، وجميع أنواع التعاملات الإنسانية، من خلال مدعين الحب الذين ينتهي حبهم بانتهاء مصالحهم مع الطرف الآخر من دون مراعاة للمشاعر أو حجم الألم الذي قد يعانيه الغير في غيابهم وكذبهم.

وجسدت في لوحـة فنية صورة حب المجاملات، ووظفت خامات متنوعة لإيصال تلك الفكرة، فقد استخدمت ألوان الإكريليك في رسم الشخصية، وحددتها بأقلام لونية بارزة لإبراز وإظهار التباهي لدى الناس، فيما استخدمت تقنية الكولاج بالاستعانة بقطع وقصاصات ورقيـة لتوضيح الفكرة، وعلى الرغم من الإضاءة المسلطة على رأس الشخص، فإنه يضع قناعاً على وجهه ليخفي ملامحه الحقيقية، ويظهر عكس ما يبطن باسم الحب المصطنع.

صداقة حقيقية

أرادت الشماع إظهار استمرارية الصداقة رغم البعد، إذ إن أفضل أنواع الحب هو المحكوم بصداقة حقيقيـة تجمع بين الناس، ومن خلال لوحتها أظهرت عمق العلاقة بخلفية حمراء وشخصيات بارزة ذات أجنحة، وتبرز الأجنحة البعد في كل حالاته، سواء القصري أو الاختياري، إلا أن الحب لا يزول بابتعاد الأشخاص، وذلك خلافاً لما هـو معتاد «الشخص البعيد عـن العين بعيد عن القلب».

وفي لوحة أخرى تحمل مضمون حب الصداقة، استغنت الشماع عن الشخصيات ورسمت قلوباً على شكل ورود ضمن حديقة يسقيها ويهتم بها الشخص بشكل يومي، رغم مشاعر الزعل أو الغضب التي تحدث بين الأصدقاء، نتيجة خلافات في وجهات النظر، فإن الحب يستمر من خلال غيمة تمطر زهوراً بيضاء تروي الحب بينهم.

وتناولت الشماع كذلك، العلاقات الأسرية في لوحة أظهرت مشهد الإنسان المكسور والمحمّل بالضغوط الأسرية والمشكلات العائلية، إلا أن قلبه يحن للعودة إلى بيته، خصوصاً أن ذلك القلب موصول بمفتاح المنزل، وخطت الشماع في أعلى اللوحة عبارة باللغة الإنجليزية تعني «مهما حاولت سحبي للأسفل سأظل مرتفعاً»، في إشارة إلى قوة الإرادة والحب الذي لا يهزم أمام كل تلك المشكلات، كما عكست في إحدى لوحاتها صورة الشخصية الطيبة القلب التي تقع في مصيدة الاستغلال من الجميع، فجسدتها بقطرة الماء الصافية التي تمثل رأس الإنسان الطيب، ويدل على أن صفاء حبه مستمد من صفاء الماء.

طباعة