« خريف البطريرك » ومعزوفات التحرّر من الديكتاتورية - الإمارات اليوم

« ربيع الثورات العربية » يستدعي رواية مــــــــاركيز

« خريف البطريرك » ومعزوفات التحرّر من الديكتاتورية

ماركيز: «خريف البطريرك» أصعب من «مائة عام من العزلة» . أرشيفية

يضفي موسم «خريف البطاركة العربي» على رواية «خريف البطريرك» تجليات خاصة، تجعل القارئ موزعاً ما بين خيال يطالعه، يتماس مع واقع يعيشه، فيستدعي خلال الرواية مشاهد عدة تتشابه مع ما مرت به المنطقة خلال الأشهر الماضية، فالجنرال البطريرك الذي استوحاه خيال المبدع الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز من ديكتاتوريات عدة في أميركا اللاتينية، يخطب بحماسة مهدداً ومتوعداً خصومه، قبل أن يضرب الهواء والطاولة التي أمامه بقبضة يده، ولم ينقصه إلا أن يضيف «من أنتم؟ إلى الأمام.. ثورة ثورة». ويقول الجنرال أيضاً «القوم (الشعب) معي، ولن يخرجني أحد من هنا (القصر) إلا ميتاً»، في صورة تحيل إلى ما ذكره رئيس متنحٍ بأنه لن يخرج من وطنه الذي ولد على أرضه، وفيه سيدفن. فهل تتشابه كلمات البطاركة وأفعالهم في كل الأمكنة والأزمنة؟ قاموسهم واحد نتيجة عزلتهم التي فرضوها حول أنفسهم، استغناء بالسلطة المطلقة عما سواها.

حياة وأعمال

ولد غابرييل غارسيا ماركيز عام 1928 في قرية كولومبية صغيرة اسمها أراكاتاكا، بجوار هذه القرية ووسط مزارع الموز توجد قرية اسمها ماكوندو أصبحت في ما بعد البيئة التي تدور فيها أحداث «مائة عام من العزلة» الرواية الأكثر شهرة لماركيز. درس ماركيز الصحافة والقانون في جامعة كولومبيا الوطنية في العاصمة بوغوتا. عمل صحافياً بين عامي 1950 و.1965 وبشكل رئيس في صحيفة «إل سبيكادور» مراسلا وناقدا سينمائيا، وفي أواسط الخمسينات من القرن الماضي، أصبح مراسلاً لها في روما وباريس، حسب كتاب «متعة المتخيل.. حوارات مع كتاب عالميين» ترجمة نايف الياسين. كتب ماركيز قصصه الأولى في مكتب الصحيفة ليلا، إلا أن تلك القصص لم تنشر إلا بعد سنوات عدة، بعد تشجيع من أصدقائه المقربين، أما حاليا فقد نشرت إبداعاته وترجمت إلى أكثر من 30 لغة حول العالم. ويعد ماركيز من أبرز كتاب أميركا اللاتينية، وأكثرهم موهبة، روايته «مائة عام من العزلة» التي صدرت عام 1967 أكسبته شهرة عالمية، وأوصلته إلى منصة نوبل عام .1982

من أعماله الأخرى «أوراق في العاصفة» ،1955 و«ليس لدى الكولونيل من يكاتبه» ،1961 و«في ساعة نحس» ،1962 و«قصة موت معلن» ،1981 و«رائحة الجوافة» ،1982 و«الحب في زمن الكوليرا» ،1985 و«الكولونيل في متاهته» ،1989 و«الحج الغريب» ،1992 و«عن الحب وشياطين أخرى» ،1994 و«ذكريات غانياتي الحزانى» .2004

كل ما في الوطن، ناسه وبره وبحره وسماؤه، ملك لجنرال ـ أو بالأحرى جنرالات ـ ماركيز، حتى إن الديكتاتور يستطيع أن يغير المواقيت، فيقدم الساعة أو يؤخرها، وكذا يبيع البحر، ويمنحه للمارينز، يجرّد منارات البلاد الكاريبية من بحرها، وسفنها أيضاً، لا يتورع ذلك «البطريرك» عن فعل أي شيء: تفخيخ سفينة محملة بألفي طفل، وتفجيرها في عرض البحر، رمي أناس من شعبه أحياء للتماسيح، شيّ أقرب أعوانه، وتقديمه متبلاً على مائدة وليمة، يرغم على الأكل منها القادة، يطارد ذلك الطاغية الرهبان الطيبين وينكل بهم، يسلط أمن الدولة على جميع المعارضين: «أمر بتعليقهم على عارضة أفقية مقيدي الأرجل والأيدي ورؤوسهم إلى أسفل مدة ساعات وساعات، عندئذ أمر برمي أحدهم في أحد خنادق الباحة ليشاهد الآخرون تماسيح الكايمان وهي تمزقه وتلتهمه، ولكن اذهب إلى الجحيم، عندئذ اختار واحداً من المجموعة الرئيسة، وأمر بسلخه حياً على مرأى الجميع، والجميع رأوا الجلد اللين الأصفر مثل غشاء جنين ولد حديثاً، وأحسوا بأنهم تبللوا بذلك السائل الدموي الغالي من لحم مسلوق يحتضر واثباً على بلاط الباحة، وشرعوا يعترفون بما كان يريد» الجنرال.

أصدر الديكتاتور أكثر من عفو عام، بعد أن لم يبق مكان في سجنه لفرد، وبعد أن بلغ سيل الدم المسفوح الزبى، فمع كل رأس تقطع، كان يكوّن أعداء جدداً «المرء مقابل ستة رؤوس يكون لنفسه ستين عدواً، ومقابل ستين رأسا فإنهم يصيرون ستمائة، ثم ستة آلاف، ثم ستة ملايين، كل البلاد».

مسخ

أحال ماركيز شخصية البطريرك إلى مسخ غير بشري، أضفى عليها أوصافا كاريكاتيرية، ليجتمع القبحان، وليكمل الظاهر السيئ، الجوهر الأسوأ، فبداية الرواية التي صورت النهاية تفتح عين القارئ على جثة الجنرال المشوهة النتنة، بعدما اكتُشف موته، إذ نقرت العقبان وجهه، وامتلأ جسده بتشوهات غريبة، ونمت على جلده طفيليات، وملأت رائحة البقرات الميتة التي كان الجنرال يربيها في قصره أرجاء المكان.

بموت البطريرك تنطلق هتافات محبوسة لأعوام طويلة (107 أو 232 عاماً هي عمر الديكتاتوريات الـ14 التي تختصرها سيرة البطريرك): «هتافات الحشود المهتاجة التي كانت تهرع إلى الشوارع جذلى، منشدة موته بأناشيد الحبور، غريباً إلى الأبد عن موسيقى معزوفات التحرر، عن أسهم الفرح النارية، وعن أجراس البهجة التي زفت للملأ البشرى بأن زمن الأبدية الهائل كان أخيراً قد انتهى».

رغم أنف النقاد، الذين يطالبون الكاتب بشخصيات مركبة، ليست خيرا محضا، ولا شرا مطلقا، يرسم ماركيز شخصية غريبة، لا ترى الحياة إلا من «القفا»، جنرال سلطوي مفزع، لا يدع مجالاً للتعاطف معه، فليس بعد الاستبداد والديكتاتورية وإزهاق أرواح الآلاف ذنب، وحتى في ما يعد لحظات ضعف، وهي قليلة في حياة ذلك الجنرال، ربما لن يستطيع قارئ ما التعاطف معه، فحينما اغتيلت زوجته وطفله، لم يتطرق الحزن إلى قلب ذلك الجنرال، كل ما كان يفكر فيه هو الانتقام، والبحث عن الفاعلين، وجز رؤوس كثيرة، دون الوصول إلى الجاني الحقيقي، وأيضا حين أشرفت أم الجنرال (بندثيون ألفارادو) على النهاية، وبقي هو يرعاها ويطببها بنفسه، ليس لأنها أمه التي يحبها، ولكن كيلا يطلع على آلامها وبثورها سواه، وحين أفضت إليه الأم بأسرار في لحظاتها الأخيرة، لم يصدق ذلك المتغطرس، واعتبر ما قالته الأم هذيان محتضرة محمومة، لم يصدق أنها لم تعرف له أباً، وأنها حاولت التخلص منه بإلقائه وليداً وسط الخنازير.

موت الأم هو الآخر تحول لدى الديكتاتور إلى مناسبة لإضفاء هالة جديدة على ملكه، إذ أعلن الحداد مئة يوم كاملة، وأجبر الشعب على تقديس الأم، والتبرك بكل ما تركته، وأقيمت القداسات والاحتفالات السنوية في ذكرى رحيل «القديسة صاحبة الكرامات»، التي تباع صورها وتوزع بركاتها في كل مكان من أرجاء الوطن.

واقعية سحرية

جو غرائبي، تعمد صنعه رائد الواقعية السحرية، صاحب «الحب في زمن الكوليرا»، في «خريف البطريرك» التي صدرت عام ،1975 نسجه بشكل متداع مركب، بحيث تحتاج الرواية إلى صبر على قراءتها، فالأصوات متداخلة، وكذلك الأحداث والأماكن والأزمنة، يتوه المتلقي أحياناً في أحراش تلك الغابة الإبداعية الكثيفة الظلال، يبحث عن الراوي أو شبهه، فلا يجد مكاناً للحوارات المعهودة، ولا للنقطة إلا في نهاية الفصل، وطول الفقرة الواحدة قد يبلغ عشرات الصفحات، في تداعيات حرة، لأكثر من سارد، الأمر الذي تعمده ماركيز، حسب مقدمة مترجم الرواية محمد علي اليوسفي، «يقول ماركيز عن (خريف البطريرك) إنها أصعب من (مائة عام من العزلة)، وإنه كثيرا ما كان يكتب خمسة أسطر في اليوم ليلقي بها في القمامة في اليوم التالي، وبعد أن تم رفع الحظر عن الرواية في تشيلي لأن الحكومة التشيلية تفضل عدم إثارة فضيحة من دون فائدة، ذلك أن كتاب (خريف البطريرك) كتاب عسير غير جماهيري جداً، تساءل ماركيز: ماذا عسى أن يحدث لو نشرت الآن كتاباً على نطاق واسع تكون قراءته في متناول جمهور واسع من القراء مثل (مائة عام من العزلة)؟».

ورغم التجريد والتركيب في بناء «خريف البطريرك» فإن عوالم ماركيز تبقى كما هي، محتفظة بملامحها السحرية، مشوقة إلى أبعد مدى، آخذة القارئ عبر دروب غريبة، تعج بأغانٍ وأناشيد كاريبية عذبة، وحكايا درامية من أدغال القارة اللاتينية البعيدة، التي كما صدرت للعالم مستبدين وطغاة، صدرت انتفاضات وثورات للباحثين عن التحرر.

طباعة