عن القهر والحرّية المفـقودة والاغـتراب فـــي رواية إبراهيم الكوني

«مـن أنـت أيهــا الملاك».. ربيب الصحراء الليبية يبحث عـــن «اسم»

مشروع الكوني السردي مهموم بأبناء «الطوارق». أ.ف.ب

لم تُنسِ الإقامة المخملية الطويلة في الريف السويسري، الروائي الليبي إبراهيم الكوني مشروعه السردي، المسكون بهموم أبناء بلاده الصحراويين، كما لم تُنسِ المدينة بطل روايته «من أنت أيها الملاك؟»، ربيب الصحراء النازح من البادية، جذوره، فانطلق الأخير في رحلة معاناة طويلة كي ينتزع لوليده البكر اسماً وهوية، لكنه اصطدم بقوانين جائرة، وجدارن صلبة من القهر شيدتها منظومة مستبدة، وبدلا من أن يعترف من يرمزون للسلطة باسم الابن، جردوا الاب هو الآخر من هويته، وأخضعوه لمساءلات طويلة، وهددوه بالاعتقال والطرد خارج وطنه.

أعمال

http://media.emaratalyoum.com/inline-images/359431.jpg

ولد الكاتب إبراهيم الكوني عام 1948 في غدامس بجنوب ليبيا، حصل على الليسانس ثم الماجستير قي العلوم الأدبيّة والنقدية من معهد غوركي للأدب بموسكو. يجيد، حسب ما ورد في ترجمته في موسوعة ويكيبيديا، تسع لغات، وكتب أكثر من 60 كتاباً، يقوم عمله الادبي الروائي على عدد من العناصر المحدودة، على عالم الصحراء بما فيه من ندرة وامتداد وقسوة وانفتاح على جوهر الكون والوجود. وتدور معظم روايات الكوني على جوهر العلاقة التي تربط الإنسان بالطبيعة الصحراوية وموجوداتها وعالمها المحكوم بالحتميةّ. يعيش الكوني في أوروبا منذ نحو 40 عاماً، بدأ نشر أعماله في مطلع السبعينات من القرن الماضي، ومن رواياته «التبر»، و«نزيف الحجر»، و«رباعية الخسوف»، و«المجوس»، و«عشب الليل»، و«نداء ما كان بعيداً». وحاز الكوني عدداً من الجوائز العالمية والعربية، ونال جائزة الشيخ زايد للكتاب.

على غير عادته، يتنقل الكوني في «من أنت أيها الملاك؟» بين عالمين، ولا يكتفي بحيزه الصحراوي الأثير، كما صنع في كثير من رواياته، فنرى بطله (مسي) يعيش في المدينة، بينما تسكنه البريّة بكل ما فيها.. يجرد قلم الكوني عمران المدينة من كل جمال، فلا قيمة لأبهة المباني حينما يتعرض الإنسان داخلها للقهر، وحينما يحرمه القائمون عليها حتى من حرية اختيار الاسم لصغيره، فالأمكنة في عيني بطل الرواية ذات ألوان باهتة، والمحافل والدوائر الحكومية ضيقة تشبه السجون، ومعتمة بملامح كابوسية. بينما يتبدل حال الفضاء المكاني حينما يفزع خيال بطل الرواية إلى بيئته الأولى الصحراء، كي يستمد منها العون، فتصير أحجار الفلاة كنوزاً جمالية، وشواهد «مقدسة» على حضارات سلالات قديمة، وشجرة الرتم الوحيدة تصبح أكثر اخضرارا من أي حديقة في المدينة.

اغتراب

تحيا الشخصية الرئيسة لـ«من أنت أيها الملاك؟» حالة اغتراب شديدة في مدينة لم يحددها الكاتب، يؤرق صاحبها حنين شديد لمعشوقته الصحراء، جامعته الأولى التي تعلم منها الكثير، وتصور الرواية انتقاله إلى واحة قريبة من صحرائه (في تماس مع سيرة الكوني نفسها)، وبعد ذلك الاستقرار في المدينة رغما عنه، إذ لوثت المدنية التي بلا قلب أرضه البكر، نابشة جوفها للتنقيب عن «الذهب الأسود»، ومشوهة معالم كثيرة في تلك المساحات التي كانت جميلة قبل أن تمتد إليها يد السلطة التي أجبرت أهل الصحراء على النزوح إلى المدن القريبة، وتوديع حياتهم الأولى، وأحلامهم القديمة.

الاسم الذي أوقع بطل رواية «من أنت أيها الملاك؟» في ورطة هو «يوجرتن»، ومعناه بلغة أجداده «البطل الأكبر»، بينما اسم (مسي) معناه «المولى» حسب اللغة ذاتها التي هي لقبيلة الطوارق، وأبناء الصحراء الكبرى الموزعين على أكثر من دولة إفريقية، وهو الأمر الذي جعل البعض يهاجم رواية الكوني، بل ومعظم أدبه، ممن اعتبروا الكاتب الليبي أحد دعاة الإقليمية في الأدب، ومبدعاً يحاول أن يتبنى قضايا الأقليات عموما، والطوارق خصوصا، لاسيما بعد أن تبرع الكوني بجائزة ملتقى القاهرة الدولي الخامس للإبداع الروائي العربي لأطفال الطوارق في مالي والنيجر.

بميراث حكمة الأجداد ووصاياهم أنطق إبراهيم الكوني بطل روايته، فجاءت اللغة محملة بالكثير من المعاني العميقة التي تحتاج إلى وقفات، لاسيما أن صاحبها يتوسل بالرموز والإشارات في أحايين كثيرة، كما استعان الكاتب بالحوار كتيمة رئيسة في كثير من مشاهد الرواية التي ضمت نحو 36 مقطعاً في 255 صفحة.

رحلة

تدور أحداث الرواية الصادرة مع عدد يناير عام 2009 من مجلة «دبي الثقافية» حول محاولات بطلها مسي المستميتة لاستخراج شهادة ميلاد لطفله، لكنه يفاجأ برفض المسؤولين في السجل المدني تسجيل الاسم، لأنه غير موجود في القائمة المعترف بها لديهم، وأي خروج عنها غير مسموح به. يبدأ مسي رحلة عذاباته بين جنبات السجل المدني ودوائر أمنية أخرى، تمر عليه ايام طويلة، يترك أعماله، ويتفرغ لتلك المهمة، يقابل آخر، صاحب مشكلة تشابه مشكلته، إذ يريد أن يسمي ذلك الشخص ابنته مريم، ولكنه يجابه هو الآخر برفض السلطات.

يكبر الوليد ويصير طفلاً، يفكر الاب في الحاق ابنه بمدرسة، ولكنه لا يستطيع، يصاب الطفل بإحباط ويلزم البيت، وخلال تلك الفترة تموت الأم كمداً على حال صغيرها التي لا تريد الحكومة الاعتراف باسمه، لا يمل الأب، يذهب كل يوم إلى المسؤولين، وتمر السنون، ويصير الطفل شابا، يتعارك ذات يوم مع أحد الذين يعيرونه بحاله، ويذهبان إلى الشرطة، يحبس يوجرتن الذي لا يمتلك هوية، ويهدد بالترحيل من البلاد على اعتبار أنه أحد المتسللين، بينما يطلق سراح الآخر. يسعى الأب الى الإفراج عن ابنه، يعقد صفقة مع أحد النافذين في الوطن، والباحثين عن النفط، بأن يعمل معه كدليل بدروب الصحراء، شريطة إطلاق سراح الابن، وبالفعل يخرج يوجرتن من السجن، وينجو من الترحيل.

يذهب مسي وولده مع «الباي» الى الصحراء، يوغلون فيها حتى يصلون إلى الأرض التي نشأ فيها بطل الرواية، يحدّث ولده عن كنوز ذلك المكان، يأخذ عليه العهد، ويبوح له بأسرار عن صخرة «مقدسة» لها مكانة خاصة لدى الأجداد، ومنقوشة عليها آثار وحكم خطها الأسلاف، تنتهي الرحلة الصحراوية، وبعد أن يعود الجميع إلى المدينة يفاجأ مسي بأن الباي الذي كان يزعم أنه باحث عن النفط، سرق الصخرة «المقدسة»، يحاول مسي استرجاعها والانتقام، لكن الباي كان قد فر خارج البلاد. يقرر الاب بيع بيته في المدينة، والعيش في الصحراء مرة أخرى، وحين يخبر ولده، يرفض الأخير، يلاحظ الأب تغير حال ولده، فمسي انشغل بالبحث لابنه عن اسم ولم ينشغل بتربيته، يختار يوجرتن لنفسه اسماً آخر «جريء»، ويترك البيت منضماً إلى إحدى التنظيمات التي كانت تنوي تفجير السجل المدني.

يحاول مسي اقناع ولده بالذهاب معه إلى الصحراء، لكنه لا يفلح، يعلم الاب بعد حين بأن ابنه قد أفشى سر الأجداد، وهو الذي ساعد الباي على سرقة الصخرة، وتكون النهاية التراجيدية بأن يقتل الأب ولده، وتروي دماء الشاب جذور شجرة رتم صحراوية.

طباعة