من يوميات أديب مصري في «قرطاج»

«بورقيبة على مــضض».. تونس حلم مبهج

«ثورة الياسمين» الشعبية أطاحت بوريث بورقيبة. أ.ب - إي.بي.أيه

خالدة في ذاكرة البعض الكلمات التي قالها الراحل محمود درويش في وداع التوانسة: «رأينا في تونس من الألفة والحنان والسند السمح ما لم نرَ في أي مكان آخر»، مضيفا بصوت متهدج «في هذا الوداع، نحبك يا تونس أكثر مما كنا نعرف، هل نقول لك شكراً، لم أسمع عاشقين يقولان شكراً». وبكى صاحب «لماذا تركت الحصان»، وابكى جمهور مسرح تونس البلدي عام ،1994 في وطن احتضن المنفيين، ومنظمة التحرير الفلسطينية وأبوعمار بعد النزوح من بيروت إثر الاجتياح الإسرائيلي في عام .1982

بدموع درويش وكلماته يستهل الأديب والصحافي يوسف رخا، أوراق كتابه «بورقيبة على مضض.. عشرة أيام في تونس»، والذي يسجل فيه المؤلف المصري مشاهد من رحلته إلى تونس، خلال مشاركته في تغطية فعاليات مهرجان قرطاج الدولي الحادي والأربعين عام ،2005 بحضور محمود درويش ومارسيل خليفة.

بسرد متحرر من قيود اليوميات المتعارف عليها، ومن شكل أدب الرحلات الرسمي، ينطلق قلم رخا الذي اعتبر أن سفره إلى تونس بمثابة حلم منام مبهج، لتمتزج ذكريات الكاتب في تونس، بتفاصيل من حياته في القاهرة، ومشاهد من سفراته إلى كل من بيروت ولندن، وغيرهما من العواصم، ويشتبك ماضي تونس الخضراء، وأساطير «بلاد السفيرة عزيزة، والزناتي خليفة والهلالية»، مع حاضرها ورموز من أمثال «سي» الحبيب بورقيبة، و«سي» زين العابدين بن علي الذي فرّ قبل أيام بعد «ثورة الياسمين».

إصدارات

https://media.emaratalyoum.com/inline-images/343949.jpg

صدر للكاتب والصحافي المصري يوسف رخا مؤلفات:

أزهار الشمس - قصص قصيرة - دار شرقيات، .1999

بيروت شي محل، نصوص وصور، كتاب أمكنة .2005

اسم الولد السعيد، قصائد - طبعة خاصة، .2006

شمال القاهرة غرب الفيلبين - أسفار في العام العربي - الكوكب .2008

كتاب أمكنة

«بورقيبة على مضض» ليس كتاب أمكنة يهيم بالجغرافيا، ويتغزل بأوصاف المدن ومعالمها السياحية، ويسجل تفاصيلها بشكل فوتوغرافي، متناسياً ذات صاحبه ومشاعره، كما تصنع كثير من مؤلفات أدب الرحلة، إذ قلب رخا الصورة، فكشف عن الروح والهواجس والغرائز «والصعلكة، والجنون أيضاً»، بشكل لا مواربة فيه، وعرض جوانب من حياته، وحياة أقرب الناس إليه، أبيه وأمه، مازجاً ذلك بمشاهده ويومياته خلال سفرة تونس، متخيراً سرداً خاصاً، وفقرات قصصية قصيرة ترتحل بين أماكن وأزمنة مختلفة، تحت عناوين مكررة، بلغة تمثل أكثر من نسق يفرضه السياق، فمرة تكون شعرية محلقة، وأخرى يومية تدنو من قاموس شارع قد يكون في تونس العاصمة، أو القاهرة، كما تماس رخا مع كتابات آخرين، مقتبساً نماذج منهم، خصوصاً من نص «البحث عن عايدة: مونودراما عن الماساة الفلسطينية» تأليف وتمثيل جليلة بكار.

يقول رخا: «ماذا رأيت في أول طلعة؟ سيدي بوسعيد ظل السوق السياحي، وفلل بيضاء، ثمة أثر معماري له باب أصفر واسم ساحر.. أمواج على اسم هانيبال حفيد عليسة يقتل نفسه بعد أن تحدى الرومان على ظهر أفيال صغيرة، فوق قمم الألب، وبعرض البحيرة والبحر بقايا احجار مدينتين.. في أول يوم في تونس. على معظم لافتات (الباركينج) ألاحظ عبارة (مأوى بمقابل). من أول الأشياء التي استوقفتني. وبعد الضحك من ارتفاع مكانة السيارات بالدرجة التي تجعل الركنة مأوى، اعود للتفكير في هذه العبارة مضيفاً (لا). كيف أتخلص من فكرة أن تونس ملتجأ أو سبيل. سكن بالمجان، للهاربين، المطرودين المحرومين من مساحتهم. عرب ويهود الأندلس، إثر محاكم التفتيش، ومن قبلهم عشائر بني هلال».

حكاء ساخر

يسجل رخا في كتابه الصادر عن دار الكوكب ـ رياض الريس للكتب والنشر، عام ،2008 بشكل صريح آراءه في «رموز» كبيرة، ومشاعره الخاصة جداً، خلال تلك الرحلة، في «خلطة» فنية، تجمع بين السيرة الذاتية وأدب الرحلة والرواية والسرد العفوي، تتداعى المشاهد والذكريات، من أكثر من سبيل، الماضي والحاضر.. الخاص والعام.. الحلم والواقع.. الحقيقي والخيال، ما تم وما لم يتم، بشكل ملتبس وغامض أحياناً، يجعل القارئ يلهث وراء ذلك الحكاء الساخر.

يبدأ رخا «الفضفضة» من لحظة تفكيره في تأشيرة السفر إلى بلاد من قال إذا الشعب يوماً أراد الحياة، والبحث عن وسيلة لتدبير ذلك في مكان عمله بجريدة «الأهرام ويكلي» التابعة لمؤسسة الأهرام المصرية، يقول: «عندما تأتَى احتمال تغطية مهرجان قرطاج الدولي.. تذكرت حقيقتين أن المدينة الأثرية أقامها فينيقيون من صور، وأن أبوعمار بعد خروج منظمة التحرير من بيروت إثر وصول الجيش الإسرائيلي صيف ،1982 راح بالطاقم كله هناك. عرفت أيضاً أن أهم الفعاليات هي: مارسيل خليفة بأغاني فرقة الميادين القديمة، ومحمود درويش يقول (لماذا تركت الحصان)، من جديد، فلسطين في تونس أيضاً، قل بيروت وتونس في فلسطين.. بشيء من الهوس دبرت الذهاب، اتصلت بموظفي الأهرام وإدارة المهرجان، اشتريت الكتب والدفاتر. نغمة الأغنية التي أعرفها للطفي بوشناق في أذني وأنا أكلم أصدقائي الشوام، في هذه الأيام بدات أخبار تونس تنسال من أفواه مصرية».

بين القاهرة وقرطاج

يبحث الكاتب قبل سفره عن كتب تتحدث عن التاريخ التونسي، يتعجب من تشابه العلل العربية، ويستوقفه تشابه قصة استقلال تونس مع قصة استقلال مصر، والحديث المتقارب في الكتب التاريخية الحديثة عن الواقعتين «اختزال الجلاء تدريجياً في بطل واحد صعوده على حساب سواه من المناضلين. وعمليات تطهير مزامنة للصعود.. بورقيبة مشغول بالقمع والاعتقال، وناصر يتابع صفوف الضباط الأحرار بحكمة مكيافيلية». يربط رخا ما بين وطنه، وتونس، ويرى أنهما تنويعتان على تيمة واحدة، تتداخل في الصفحات الكتابة عن مصر بالكتابة عن قرطاج «كأن مصر وتونس توزيعان للحن نفسه: البلد، الحزب الحاكم، علاقة ملتبسة بغرب أو شمال العالم، ما بعد الاستعمار وذيوع الحكم مدى الحياة كمبدأ أساسي. وعلى خرير نضوب قنوات المقاومة، تبدلات التوجه عبر خمسة عقود».

يقف رخا في «بورقيبة على مضض» مع بعض الجراح التونسية، ويتحدث عن هموم الشارع، والقهر السياسي الممارس من قبل سلطات بن علي، ومحاولات التدمير لحركات المعارضة، واحتجاز المئات من المساجين السياسيين وغيرهم من الشبان الذين طالتهم حملات اعتقال لمجرد زيارة مواقع بالانترنت تحظرها السلطات، والمحاصرة والتضييقات والحرمان من حقوق سياسية ومدنية، ما أحال تونس الخضراء إلى سجن كبير، كما ذكر راشد الغنوشي في بيان لحركة النهضة الإسلامية.

ويشير المؤلف إلى بدايات حكم بن علي الذي قال عام 1987 بعد انقلابه على الحبيب بورقيبة: «نحن زين العابدين بن علي.. التضحيات الجسام التي أقدم عليها الزعيم.. لذلك احببناه وقدرناه وعملنا السنين الطوال تحت إمرته، لكن الواجب الوطني.. أمام طول شيخوخته واستفحال مرضه.. عاجزاً تماما عن الاضطلاع بمهام رئاسة الجمهورية.. نتولى بعون الله وتوفيقه رئاسة الجمهورية، والقيادة العليا لقواتنا المسلحة.. حب الوطن والذود عنه والرفع من شأنه.. إلخ».

ويضيف رخا «صور الرئيس عدد محدود من البوزات المقننة تملأ آخر شبر من الفضاء العمومي. كل شيء بموافقة رئيس لا يحبه أحد من قلبه. ولا بالضرورة يكرهه. فتحي (المرافق التونسي للكاتب خلال الرحلة). جفل وابتسم عندما سألته إن كان بن علي محبوباً. الحيرة في عينيه.. لا أحد يعرف بما يجيب عن هذا السؤال».

طباعة