3 عروض يومية وندوات تبحث في استراتيجيات لمسرح عربي مغاير

العرب على «خشبات» بيروت

«راجعين» السورية تستند إلى كوميديا سوداء. الإمارات اليوم

لن تعجز بيروت المنشغلة بهموم كبيرة عن احتضان مهرجان للمسرح العربي، فاللبناني العالق في تجاذبات سياسية معقدة يجد الوقت أيضاً لملء قاعات المسارح، وأن يكون شريكاً في عروض بدت منذ اليوم الاول للمهرجان محمّلة بتفاصيل تلخص هموم العرب، عشرات العروض الآتية من الدول العربية جاءت لتقول من مسارح بيروت «كلنا بالهوا سوا».

كل شيء متوافر لنجاح هذه التظاهرة التي تنظمها الهيئة العربية للمسرح، ثلاثة عروض يومية وندوات فكرية صباحية كافية لانشغال الجميع في حدث يراد منه أن يكون حاضناً لحراك مسرحي عربي، وأرضية مشتركة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، ونقطة جذب لتجارب مسرحية غير رسمية، ولا تفرضها وزارات الثقافة التي اعتادت المهرجانات التأفف من اختياراتها المرتبطة بمزاجيات ومحسوبيات كثيرة.

كثيرة هي الأحداث التي تضمنتها الأيام الأولى من مهرجان المسرح العربي الذي انطلقت فعالياته يوم الاثنين الماضي. أحدثها كانت عروض يوم أول من أمس، التي وإن بدت حاملة لحكايا موجعة عن راهن الإنسان العربي، إلا أنها لم تكن حاملة لأي جديد لافت على الخشبة، وإن استثنينا العرض اللبناني «فيفيا لاديفيا» لتعذر حضوره، فإن العرضين السوري «راجعين» والليبي «الإطار» عزفا على وتر واحد، رغم اختلاف الشكل وأدوات الفرجة، الموتى كانوا تيمة مشتركة، الأموات العائدون والأحياء الموتى هما المنطلقان اللذان بنيت عليهما عوالم العرضين.

التحولات الكبرى

قال الأمين العام للهيئة العربية للمسرح إسماعيل عبدالله، إن «الهيئة عندما اختارت بيروت كانت تعي أن ما يجمع كل هذه العروض هو الحبل السري الذي ربط بيروت بثقافة العرب من الماء إلى الماء، ربط أهل المسرح بتجربة ثرية وغنية بأسماء وملامح مشهدية أسست لمسرح فاعل في الجموع العربية»، وأضاف «في بيروت لا نفتش عن الآمال، بل نعايش العشم في التحولات الكبرى، والتمني بأن الشمس التي تشرق تتجدد بها الأيام، وتنفعل بها الفضاءات في أنجاء شتى، حيث يوجد جيل جديد من أهل المسرح يؤمن بأن الحياة يمكن أن تبدأ وتعاود التجديد والتجدد ليقول الناس إن بالإمكان أفضل مما هو كائن».

عائدون

من الوهلة الأولى سيبدو عرض «راجعين» لفرقة المسرح القومي في دمشق حاملا لمقومات فرجة مبهجة، تستند إلى الكوميديا السوداء لمراجعة مرحلة سياسية كاملة من خلال سؤال محوري هو: ماذا لو عاد الشهداء إلى الحياة؟ كيف سيرون الوطن الذي استشهدوا من أجله؟ الفنان أيمن زيدان الذي أعد وأخرج هذا العمل مستنداً إلى رواية الكاتب الجزائري الطاهر وطار «الشهداء يعودون هذا الأسبوع» قدّم عرضاً بأدوات مكشوفة، سرعان ما أعلنت الحكاية عن نفسها، وبالتالي كان عليه أن يُطعمها بخطوط ولوحات موازية، هدفها خلق عمود فقري بنى عليه زيدان جسداً مسرحياً كان يتحول في لحظات إلى ما يشبه اللوحات الكوميدية عن المحسوبيات والاستغلال والحزبيين الذين بلعوا الأخضر واليابس. كان لهذا العرض أن يكون حاملاً لمقولة جريئة جداً لولا هذه الإسقاطات التي باتت مكرورة، بعد أن أفرج عنها مقص الرقيب السوري منذ سنوات عدة، فصارت لازمة في أعمال كثيرة.

يضعنا العرض أمام رحلة الممثل محمد حداقي، بين مسؤولين حزبيين وعسكريين لمعرفة ماذا لو عاد الشهداء من موتهم، بعد أن يتسلم رسالة مجهولة المصدر تقول له إن شهداء سيعودون خلال أيام، ومن خلال هذه الرحلة تتكشف لنا ما آلت إليه أحوال الوطن الذي كانت الشهادة من أجله. عند هذه النقطة نجد أن العمل قدم كل ما لديه، من دون المساس بمفهوم الاستشهاد نفسه الذي بات معقداً ومشوشاً، خصوصاً في المرحلة الراهنة.

ربما أراد زيدان من هذا العرض أن يكون صالحاً لفرجة جماهيرية عريضة، من خلال تشكيلاته الضاحكة تلك، وهذا أمر يمكن تفهم ضرورته، لكن في الوقت ذاته تظهر القيمة الفكرية للعمل ناقصة، مادمنا أمام موقف يراوح بين التحسر على أرواح كل هؤلاء الشهداء والدعوات إلى القتال والسلاح التي تم تمريرها من خلال أغنيات عربية وطنية معروفة، وكأننا بذلك ندعو إلى المزيد من الشهداء من أجل أوطان طالها الاهتراء، ويمكن في الوقت ذاته تفهّم الأمر من خلال فصل يريده زيدان بين الأوطان والأنظمة. العمل من تمثيل زهير عبدالكريم، ادهم مرشد، علاء قاسم، لمى حكيم، وائل وهبة، حازم زيدان، أيمن عبدالسلام، أوس مخللاتي، خوشناف طاطا.

http://media.emaratalyoum.com/inline-images/341456.jpg

«الإطار» الليبية تنويعة على مدارس مسرحية مختلفة.     الإمارات اليوم

الإطار

منذ اللحظة الأولى أعطى العرض الليبي انطباعاً بأننا سنكون أمام تجربة مغايرة لما بدت عليه. الديكورات البسيطة الفقيرة التي تحيلنا إلى شكل مسرحي مختلف بددته الحكاية التي احتاجت إلى وقت غير قصير قبل أن يبدو المخرج ممسكاً بخيوطها، ومحركاً لمفرداتها وتفاصيلها التي راوحت بين إشراقات مؤثرة، ونمطية لم تقدم الجديد لعرض انتصر فيه الممثل على المخرج، وتضخمت المقولات فيه من دون أن نصل إلى نتيجة تبتعد كثيراً عن نتائج المسرحية السورية «راجعين». التطهر من آثام الأنظمة والمجتمعات هو أيضاً قوام هذه التجربة التي ترصد حالة من الخيبات المتلاحقة لإنسان عادي فُجع بأحلامه. أزمة هذا العرض تكمن في تلك الخلطة من المدارس وأشكال الفرجة التي وصلت في لحظات إلى حالة من الصفاء الكامل، كما في مشهد مشفى الأمراض العقلية، لكننا وفي لحظة مباغتة نصير أمام كوميديا المشهد الواحد، لننتقل بعد ذلك إلى الإيماء. هذه التنويعة التي بدت مدرسية إلى حد ما، إضافة إلى الإكثار من حالات الإظلام بين المشاهد من دون أن يتغير الكثير على الخشبة، كانت تكسر ذلك التماهي والتفاعل واستقطاب الجمهور الذي كان يجيده الممثل المميز جمال عبدالله زايد، برفقة علي القاسم القديري.

يقوم عرض الإطار على نص مزج فيه المخرج عبدالسيد آدم عبدالسيد «البكاء في غياب القمر» لوليد إخلاصي بـ«هاملت» لشكسبير، في قالب حكائي راهن فيه على تقديم فرجة ساخرة وشعرية ترصد علاقة إنسان بسيط بتحولات مجتمعية قاسية، لكن التحولات الأعنف هي تلك التي تعيشها الشخصية الرئسية في العرض، التي تعيش ما يكفي من الآلام والتشوهات والصدمات التي تقوده إلى حالة هذيانية تكون مبرراً لردود أفعال تتنوع مع التحولات المشهدية التي يقوم عليها العمل.

المخرج عبدالسيد بدا ممسكاً بتفاصيل عرضه، ثمة استفادة مميزة من المسرح وما عليه، لم يترك على الخشبة أشياء مجانية، وفي الوقت التي كانت تبدو فيها حركة بعض الممثلين بطيئة، ولا تتناسب مع ردود الفعل المتوقعة، إلا أن المخرج كان يصنع لشخصياته مساحات تتحرك فيها في فضاء بسيط، يعتمد على رسم مشهديات مكتملة الخلقة، لكنها تبدو في لحظات غير منسجمة مع الأثر الذي كانت تتركه عند المتلقي الذي كان عليه التعامل مع هذه المشهديات كوحدات منفصلة.

المآخذ التي يمكن أن يشار إليها في هذا العرض ليس لها أن تكون مبرراً لإجحاف هذه التجربة الجادة التي بذل فيها مخرجها جهداً كبيراً خالقاً لممثليه المميزين مساحات تعبيرية متنوعة، استطاعوا فيها التعبير عن قدراتهم التي كانت علامة فارقة في هذا العرض الذي فرضت صدقيته أثرها على الجمهور الكبير الذي حضره.

طباعة