يرى الموناليزا «ملاك موت» يخشاه دافنشي

السويدي: وددت دعـــوة فيردي وتوسكانيني إلى «قهوة ليوا»

محمد أحمد السويدي يروي قصصاً من «رحلة إيطاليا». الإمارات اليوم

هل كانت «الموناليزا» هي ملاك الموت حاصد الأرواح الذي طالما أرّق أفكار دافنشي، فعمد إلى تجسيده في لوحة، تحولت مع الوقت إلى أسطورة؟ وما قصة جدارية (الأنغياري)؟ وما علاقة «الاسبريسو» بأنفاس الهيل وقهوة البدوي؟.. هذه التساؤلات غيض من فيض أثارته رحلة الشاعر الإماراتي محمد أحمد السويدي بين ربوع ايطاليا متتبعاً خطى الرحالة الكبار. حيث قال وددت دعوة فيردي وتوسكانيني إلى قهوة ليوا». تلك الرحلة التي أخذته بين أجواء أوروبا بعيدا في البحث والتأمل، ليجد نفسه في حنين جارف يكتب عن جلسات القهوة البدوية في محاضر «ليوا» في ليلة شتوية باردة.

في الجزء الثاني والأخير من الحوار مع «الإمارات اليوم» يستعرض السويدي أبرز المحطات التي تضمنتها رحلته إلى إيطاليا، والتي سار فيها على خطى رموز الإبداع في الفكر والفن الذين صنعوا التاريخ الثري لهذه البقعة من العالم، ساعياً إلى فتح باب حوار معهم لا يعترف بقوانين الزمان أو المكان.

أيقونة دافنشي

يعترف الشاعر الإماراتي بأن «الموناليزا» كانت محطة رئيسة لاهتمامه وانتباهه خلال رحلاته في ايطاليا، حتى يبدو أن أيقونة دافنشي الشهيرة، قد مارست سحرها على الشاعر الشغوف بالبحث، فكان لها نصيب كبير من اهتمام السويدي في رحلته، هذا الاهتمام الذي أسفر، بعد الكثير من البحث والتأمل، عن قراءة مغايرة يقدمها السويدي لهذه اللوحة التي أسرت العالم، قراءة كان الباعث لها سؤال طرحه على مجموعة من الأصدقاء، مفاده: «هل سبق لك أن رأيت الموناليزا وجهاً لوجه؟». وراح يتتبع الإجابات: «قال البعض إنه شعر بسحر غامض يسري في جسده، ولم يجد له تفسيراً، أحدهم وصف شعوره بخيبةٍ كبيرةٍ للأمل»، وقال بعضهم: «خيّل إلي أنّها قدّيسة تنزّلت من السماء»، وقال شاعرٌ كبيرٌ: «رأيت رجلا»! آخرون قالوا: «لم تحرّك فينا ساكناً، فالفتاة ليست على حظٍ وافرٍ من الجمال، إن لم تكن بها جملة من العيوب: الأنف طويل بعض الشيء، والحاجبان أهملتهما ريشة الفنان، والعينان ضيّقتان يعوزهما الكحل»، وقال آخرون: «كلّها جبين، أو خفيفة الشعر، إلى غير ذلك من مثالب». إذن، لابد أن سراً آخر؟ خلاف الجمال- وراء شهرة الموناليزا التي طبقت الآفاق، وهو ما جعلني أتابع رحلة البحث».

ابحث.. تجد

بالعودة إلى جدارية الأنغياري، تساءل الشاعر محمد أحمد السويدي، هل اكتملت كما أراد لها دافنشي، أم أنها لم تكتمل قطّ، وكيف تم اكتشاف وجودها على الرغم من إخفائها خلف جدارية فاساري؟ ويجيب موضحاً: «بدأ الأمر في عام ،1975 عندما درس البروفيسور سيراسيني أحد مشاهد معركة فاساري، ولاحظ وجود راية صغيرة يحملها أحد جنود الحملة مدوّن عليها عبارة (سيركا تروفا) أي (ابحث وستجد)، وتساءل إن كانت تلك إشارة خلّفها فاساري يرمي من ورائها إلى وجود شيء مخبوء تحت جداريته. ومن خلال فحص القاعة بالأشعة تحت الحمراء والليزر، والاستعانة بوثائق تعود إلى القرن الـ16 لإعادة تخطيط القاعة تمكن سيراسيني من الوصول إلى أن فاساري عندما أعاد تشكيل القاعة بنى جداراً جديداً وغيّر أماكن النوافذ والأبواب، وأظهرت الدراسات التي قادها البروفيسور إلى أن مكان الجدارية يقع تحت إشارة فاساري اللامعة تماما (سيركا تروفا)، ثم أكّد المسح الضوئي أن فاساري لم يلصق لوحته فوق جدارية دافنشي بل أقام جدارا قرميديّا واحتفظ بفراغ صغير يفصل العملين يبدأ من الراية الصغيرة. وإذا كنا اليوم نتحدّث عن مأزق تاريخيّ سقط فيه (سودريني) حاكم فلورنسا الذي كان يعوزه الحدس ليدرك أنه كان يعيش في عصر دافنشي لا العكس، فإن فاساري واجه ذات التحدي عندما وجد نفسه ملزماً بإعادة تزيين قاعة المجلس البلدي بتكليف من آل مديتشي وطمس رائعة دافنشي لأنها تخلد هزيمة حلفائهم الجدد في ميلانو، فبادر إلى خلق مصالحات مع نفسه ومع الحاكم الفلورنسيّ، ونجح في أن يربح رضاهم بإعادة تشكيل القاعة مع الإبقاء على عمل ليوناردو مخفياً تحت العمل الجديد تفصل بينهما طبقة من القرميد، كما نجح في مغازلة غرور الحكام الجدد ليغض بصرهم عن اكتشاف هذه الحيلة عندما بادر إلى رسم ليوناردو ذاته بصحبة ما يكل أنجلو وهما في خدمة آل مديتشي في إحدى الجدرايات. وأما إشارته (ابحث وستجد) التي ضمّنها الراية الصغيرة، فلقد كانت في جوهرها قبول مستقبلي بتدمير عمله والإبقاء على عمل المعلم الذي طالما شعر بانجذاب كبير نحو أعماله وتراثه».


أنا وأرتسو

قال الشاعر الإماراتي محمد أحمد السويدي : «شدّتني الأمثال الإيطالية بكثافتها وإيجازها ودلالاتها، ومثال ذلك ما حدث في مدينة أرتسو، التي دفعت إلى الحياة نوابغ من أمثال بترارك واورتينو وفاساري ولفظتهم لفظ النواة، وربما ما حدث هو العكس ولفظوها، إنها مدينة لا تفتقر إلى الجمال ولا تشكو من شحّه، ولكن بعد زيارتها شعرت أنها المعنيّة بالمثل الإيطالي المأثور (ليس فرارا من فوجيا، ولكن من أهلها)، دخلتها وأنا أريد ان أتعقّب ما بذره بترارك وصحبه فيها، كنت أفكر أن رجالا كهؤلاء منحوا العالم طريقتهم في الحياة لابد أن تكون أجزاء منهم علقت في طرقات ارتسو وجاداتها الضيقة وساحاتها ومصاطبها، ألمّ بنا جوع خفيف فقررنا دخول أول مطعم نصادفه، ودخلناه، فأدركنا على الفور لماذا هجر بترارك أرتسو، فما أن استقر بنا المقام حتى قصدتنا صبية لم تشفع ملاحة وجهها لغلظة قلبها، فقلت في نفسي: خيراً فعل ارتينو عندما لاذ فراراً منها، وبعد أحداث كثيرة، دونتها في الكتاب الذي سيصدر عن الرحلة، شعرت أن أسوأ كوابيسي قد تحقق وحدث ما كنت أخشاه، خرجت من المطعم وأرتسو كلها كما خرج من قبلنا بترارك وفازاري وارتينو، وفارقت المكان ولسان حالي يقول: لا فرارا من أرتسو بل من أهلها».

ملاك الموت الجميل

إذن كيف يفسر السويدي شهرة «الموناليزا»، وما أسباب اهتمام دافنشي بها على هذا النحو الذي استغرق شطراً من حياته القصيرة؟. وفقا للقراءة المغايرة التي يطرحها الشاعر الرحالة، تتلخص الإجابة عن هذه التساؤلات في جملة واحدة هي «علاقة دافنشي بالموت».

فقراءة السويدي للموناليزا واهتمام صاحبها بها، ترتكز على ما دونه دافنشي في مذكراته من أفكار راحت تراوده عن الموت، التي توقف أمامها السويدي متأملاً. ويضيف شارحا: «يرتبط ظهور الموناليزا كمشروع في حياة دافنشي بالأفكار التي راحت تراوده عن الموت، كان وقتها قد ناهز الـ50 من عمره، وضعف بصره إلى حد اقتنائه عدسات مكبرة، وهو أمر سجله في يومياته التي أكّدت جليّاً ما كان يشعر به من خوف أمام فكرة الفناء، فلقد دوّن في مذكراته: «تنزع الروح إلى أن تبقى ملازمة لجسدها، فهو الذي يمنحها الحسّ وآلية الحياة»، وكتب: «لكل أذى ذكرى مؤلمة يخلّفها، إلا أعظمها، وهو الموت، الذي يقتل الذكرى جنباً إلى جنب مع الحياة». ودوّن أيضاً: «أيها القابع في سباتك، ما النوم؟ النوم صورة الموت، فالأحرى بك أن تبتدع من الأعمال ما يخلّدك بعد موتك، بدلاً من أن تفني حياتك نائماً متشبهاً بالميتين»، ومقولات أخرى تمنح ذات المعنى.

واستطرد السويدي: «هذه القراءة جعلتني أتساءل: هل اختار ليوناردو دافنشي «ليزا جيرارديني» من فلورنسا نموذجاً للملاك الذي يحصد الأرواح، تلك اليد الخفيّة التي بات يشعر بها وهي تقترب منه لتستلّ روحه؟ هذا ما يتأكد لي كلّما تأملت اللوحة: عينان ضّيقتان، نظرة محدّقة في الفراغ كأنها في محاولة للقبض عليه، ابتسامة غامضة، غياب الزينة أو الحليّ، الزيّ الضارب إلى السواد، وتلك الدروب الموحشة والموحلة لمقاطعة توسكانيا في خلفية اللوحة، والألوان التي تشعرك بدنوّ الأجل. كان دافنشي دائم التعلل بأنه لم يفرغ من هذه اللوحة بعد، كما لو كان يتشبّث بحياته التي سوف تنقضي بمجرد اكتمالها لتصبح مهيأة (كملاك موت) لتفرغ منه».

وتابع: «أظنّ أن دافنشي كان يحدق ملياً في عينيّ ملاك موته (الموناليزا) عشية يوم السبت الـ23 من أبريل عام ،1519 بينما يملي وصيّته، لقد كان في انتظار انقضاضها عليه لتستل روحه التي فاضت بعد بضعة أيام في الثاني من مايو، بعد أن استعدّ للموت أو كما يقول الفلورنسيون استعد لولوج البحر العظيم».

«موناليزا رافائيل»

يرى السويدي أن جمال الملامح أو دقة التنفيذ وصفاء الألوان ليست هي العوامل التي تعود إليها شهرة وجاذبية الموناليزا، مستشهداً في ذلك على واقعة يذكرها التاريخ «عندما تموضعت مادلينا زوجة التاجر أجنولو دوني، بالجلسة ذاتها في نفس التاريخ ونفس المدينة أمام الشاب رافائيل الذي كان متأثراً بدافنشي إلى حد جعله يسطو على فكرته، وأنجز لوحته الشبيهة بالموناليزا على عجل، دون أن يثير جلبة. ولوحة رافائيل تلك تمنحك صفاءً في الألوان قلّ نظيره، كما أن مادلينا بدت مزيّنة بقطع المجوهرات على خلاف مظهر الموناليزا العاطل. ومع ذلك لا يكترث المهتّمون اليوم بـ(موناليزا رافائيل) المغمورة، بل بحسناء دافنشي».

تلك التي لا نحبها

قصة أخرى يجد فيها الشاعر الإماراتي محمد أحمد السويدي سبباً من أسباب شهرة اللوحة الأيقونة، يسوقها موضحاً: «بدأ نجم الموناليزا بالبزوغ في منتصف القرن الـ،19 في شمال أوروبا أول الأمر، إثر موجة الافتتان بعصر النهضة وبعبقريّة ليوناردو ومواهبه المتعددة. ثمّ أسهمت عبارات المديح والثناء التي انهالت عليها من الأدباء والمشاهير في إكساب اللوحة مسحة أقرب إلى القداسة والأسطورة، فلقد وصفها الروائي والناقد الفنّي ثيوفيل جوتيه بـ«عنقاء الجمال ذات الابتسامة المحيّرة»، وأثنى عليها الشاعر ييتس وكذلك أوسكار وايلد، وسومرست موم، وفورستر الذي نعتها في روايته «غرفة ذات إطلالة» بقوله: «تلك التي لا نحبّها، لأنها تضنّ علينا بما يجيش في صدرها من حديث»، إلى غير ذلك من عبارات التقريظ.

ويستطرد: «وفي عام ،1911 كان بانتظار الموناليزا قصة من نوعية الأفلام البوليسية كانت سبباً مضافاً لتحليقها في سماوات المجد، إذ سرقها لصّ يُدعى فينزنسو بيروجيا، رسّام ومرمّم وصاحب سوابق يعمل في اللوفر. وتكمن المفارقة في القصّة في أنّ اللص كان يريد اختطاف لوحة الآلهة مارس وفينوس لمانتينا، إلا أنها كانت أكبر من أن يحتملها كاهله، فاكتفى بالموناليزا الأصغر حجماً والأخف حملاً. ولم يفلح البوليس في الكشف عن هويته وطال التحقيق كثيراً من المشتبه فيهم - بمن فيهم بيكاسوـ الذي شوهد غير مرّة يحوم حول اللوحة. وفي عام 1913م، بدا أن اللص قرر أخيراً الاستفادة من اللوحة، فأرسل إلى تاجر تحف فلورنسي يعرض عليه اللوحة لقاء نصف مليون ليرة، وقبل التاجر بالعرض، ودبر كميناً بالتعاون مع الشرطة للإيقاع باللص فألقت القبض عليه في فندق مغمور بفلورنسا، حمل في ما بعد اسم الجيوكندا. ومنذ ذلك اليوم تصطفّ صفوف الزوّار القادمة من كلّ فجّ عميق أمام الغرفة 13 في الدور الأول من القصر لتقديم واجب الاحترام للنبيلة الفلورنسيّة، تهنئة بسلامة الإياب».

جدارية المعلم

يبدو أن دافنشي نفسه، لا «الموناليزا»، كان الشاغل الأكبر للسويدي وتأملاته خلال رحلته في ايطاليا، فها هو يتوقف مطولاً أمام جدارية (الأنغياري) التي رسمها دافنشي بقصر فيجيو بفلورنسا، وأمام الوقائع المشوقة التي كانت هذه الجدارية محوراً لها، هذه الجدارية التي يسرد قصتها موضحاً: «بداية قصة جدارية الأنغياري، أو ما صار معروفاً بين الباحثين بجدارية المعلم، المخبوءة بحرص تحت عمل فاساري في قصر فيجيو بفلورنسا، تعود إلى تكليف الفلورنسيين دافنشي برسم تلك اللوحة التي تمجد انتصارهم على بيزا، مروراً بالعقبات والمشكلات التي واجهته كأنما الطبيعة قد تحالفت مع نفوس بشرية ضعيفة للحيلولة دون اكتمال هذا العمل، وصولاً إلى عام 1563 حين خضعت فلورنسا لحكم آل ميدتشي المتحالفين مع ميلانو، وتكليفهم جورجيو فاساري، الرسام والمهندس المعماري المرموق، بتجديد القاعة وطمس جدارية المعلم وإقامة جداريات تمجّد بطولاتهم عوضاً عنها إرضاءً لحلفائهم الجدد. وكيف أن فاساري احتال من أجل ألا يمحو جدارية المعلم، فلم يلصق لوحته فوق جدارية دافنشي، بل أقام جدارا قرميديّا واحتفظ بفراغ صغير يفصل بين العملين. وأقف عند محاور رئيسة في هذه القصة، أولها أن صيت (الأنغياري) قد ذاع بمجرد أن أكمل دافنشي خطوطها الرئيسة، وصار كل من قصد العمل وتفرّس فيه يبهت ويذهل عن نفسه، حتى عدّه كبار الفنانين معجزة. في ذلك الوقت هطلتْ على فلورنسا أمطار غزيرة أزالت أجزاء من العمل وتسببت لدافنشي في إرباك كبير، وهو الذي اعتاد تنظيم حياته وأعماله بصرامة لا تحتمل المصادفات، وبرغم ذلك تنبِئنا يومياته بأن تلك الحادثة -التي تعامل معها على أنها مصادفة - لم تنجح في تعطيل مشروعه والإخلال بالتزاماته».

ويضيف: «ثاني هذه المحاور، هو ما فعله حاكم فلورنسا (سودريني)، الذي كان خاليا من التوقير، إذ قدم لدافنشي -عندما قصده لتسلّم قيمة عقده- أكياساً من البنسات، ما جعل دافنشي يقول في فورة غضب إنه ليس برسام بنسات، وإزاء رفض الحاكم تغيير تلك البنسات أو تسلّمها، لم يتردد ليوناردو كثيراً في التخلّي عن إتمام ما بدأه، وكانت بالنسبة له لحظة طلاق، وبعد عامين لم يتورّع الحاكم عن المطالبة برد قيمة العقد باعتبار أن دافنشي قد أخل بشروط التعاقد الذي نص على أن تكون المدة عامين، ووافق دافنشي على ذلك، لكنه استمهله ثلاثة أشهر».

ضمن هذه المناخات، وصلتْ رسالةٌ من أمير ميلانو، وكان ممثلاً للحاكم الفرنسي، يستدعي فيها دافنشي، ولم يكن أمام الفلورنسيين سوى الرضوخ درءاً لغضب الفرنسيين، ومنحوه الإذن بمغادرة فلورنسا بعد أن كفله مدير البنك الذي كان يضع فيه مدخراته بقيمة 150 فلورينا، وعندما قصد دافنشي ميلانو، وجد في استقباله حشوداً كبيرةً فلقد كان الأمير يوقّره ويكنّ له إعجاباً شديداً. ولم يتورّع الفلورنسيون من التشدّد في مطالبة دافنشي بقيمة العقد بعد انقضاء مهلة الأشهر الثلاثة، فامتعض ليوناردو من مطالباتهمأ لأنه كان قد شرع بالفعل في العمل، كما أن جديته تستحق أن تقابل بتقدير مختلف، فشكا الأمر إلى الأمير الذي كتب إلى ملك فرنسا، مطلعاً إياه على جميع الملابسات، وكان الملك يعرف أن ليوناردو هبة لا يمكن أن تتكرر على النحو ذاته لمرّة أخرى، فكتب إلى الفلورنسيين يطلعهم فيها على ما صار من أمر المعلم، مشيراً إلى أن ليوناردو «قد صار الآن في خدمة ملك فرنسا»، و«هو عالم وفنان جدير بالاحترام وعليكم منحه ما يستحقّ لا أن تجعلوه عرضة لمطالبات وملاحقات لا تهدأ وتيرتها»، وقال لهم «إن كان لفلورنسا فضل على دافنشي فلن يكون أبعد من أنها أنجبته». مؤكداً أنه قد كلفه شخصياً بأعمال خاصة، وطالبهم حكومة وشعباً بأن يعيدوا تقدير هذا الفنان والعالم، وطالبهم بأنْ لا يدّخروا جهداً في تسهيل دخوله وخروجه إلى فلورنسا متى شاء، قائلاً «منذ اللحظة لم يعد ليوناردو يتقاضى أجراً على عمله، بل أجرينا له مبلغاً ثابتاً». وكانت تلك الرسالة إنصافاً للمعلم الذي كابد مرارات كثيرة صار بعدها يعدّ نفسه للزوال.

«الإسبريسو» والهيل

تأملات صاحب «دارة السويدي الثقافية» خلال رحلته لم تخل من طرافة بدت واضحة في واحد من نصوص الرحلة كتبه في ميلانو بعنوان (الإسبريسو)، ورغم عنوانه الغربي، جاء حاملاً غزلية مهيبة في صاحبة المقام الرفيع (قهوة البدوي بمزاج الهيل)، تعكس الشوق الذي أثارته (إسبريسّو) ميلانو بداخل الشاعر إلى الجلسة على رأس عرقوب في محاضر ليوا في ليلة شتوية. هذا النص الذي يعود، في تعليقه عليه، إلى بداية قصة القهوة قائلاً: «أقول ما همّ إيطاليا ذلك إذا كان الشيخ أبوالحسن الشاذلي هو أول من راح يقدّم القهوة على طريقته، أو ذاك الراعي الذي كان يراقب عنزاته وقد دبّ فيها النشاط على حين غرّة بعد أن أتت على الحبوب الحمراء المتساقطة من تلك الشجيرة المباركة، إنمّا المهم في ذلك أنه ما إن قبض لويجي بيزيرا على حفنة من ذلك الزمرّد حتّى ألقى به في آلته البخاريّة الحديثة الصنع عام 1903م، فصنع أوّل فنجان اسبريسّو في ميلانو: ثلاث رشفات أو أربع لا أكثر، هكذا أرادها الإيطاليّون. ثمّ طوّروا الكاباتشينو فيما بعد، وهي قهوة مع الحليب، فالكافي لاتي، وهي كاباتشينو من دون أو بقليل من الحليب، فالكوريتّو أي الممزوجة بالبراندي أو الجرابا، فالكوفي فريدو أي القهوة الباردة، فاللّنجو أي الإسبريسّو المخفّفة، فالماكياتو أي مع الحليب المسخّن بالبخار، فالريستريتّو وهي الإسبريسّو الثقيلة، وأظنّهم عازمون على المضّي في إبداع قائمة لا حصر لها من الأسماء. في مقهى زوكا الذي وقفنا به وقفة البدّوي على الأطلال، فانبعث طيفا فيردي وتوسكانيني يحتسيان الكامباري أو الكامبارينو، الشراب الذي اشتهر به المكان، فوددت لو دعوتهما إلى زيارتي على رأس عرقوب في محاضر ليوا في ليلة شتاء لأضيفهم فنجان قهوة مزاجها الهيل، نشعل الغضا لها خشبا على الطريقة السديريّة:

يا بجـاد شـب النـار وادن الدلالـي

واحمس لنا يا بجاد ما يقعـد الـراس

ودقّة بنجـرن يـا ظريـف العيالـي

يجذب لنا ربعن على اكـوار جـلاّس

وزلّـه ليامنـه رقـد كـل سـالـي

وخلّـه يفـوح وقنـّن الهيـل بقيـاس

قلت في نفسي ترى ما الذي كان سيحدثه فنجاننا ذاك على موسيقى (الهاون والرشاد) يعزفها نشميّ هذّبته البادية، نشأ على (حلوة رعي واحتلابي)، في روح الموسيقار، لو عادت بنا عجلة الزمان مائة عام إلى الوراء!

 

طباعة