محمد حسن أحمـد.. «للحزن خمسة أصابع»

محمد حسن أحمد.. مبدع متعدد المجالات. تصوير:أسامة أبوغانم

حيرة في التوصيف قد تصيب من يحاول تقديم المبدع الإماراتي محمد حسن أحمد، وربما تسعفه شمولية كلمة «المبدع»، فالمشهور عن حسن أنه سيناريست قدم أفلاماً حصدت جوائز محلية ودولية عدة، ومسرحي له أكثر من عمل، ثم شاعر يحيل قصائده إلى مشاهد بصرية يحتضنها الفن السابع، وفوتوغرافي يستخرج من الأبيض والأسود لقطات بأكثر من لون، ومؤسس ومحرر لجريدة «فراديس» الإلكترونية بنسختيها السينمائية والثقافية، وكاتب مقال يخط أولى محاولاته في التاسعة عشرة من عمره، وليس أخيراً سارد جمع بين كتابة القصة القصيرة، والسرد الروائي الذي تمثل آخر إبداعاته فيه بعمل «للحزن خمسة أصابع».

تدور رواية محمد حسن أحمد الأخيرة الصادرة عن مشروع «قلم» في هيئة أبوظبي للثقافة والفنون، حول حادث مأساوي ترتكز عليه فصول الحكاية الخمسة، إذ يلقى مراد علي وزوجته زينب وطفلتهما نورة، مصرعهم في ذلك الحادث، ما يجعل الحزن رفيقاً لبطل «للحزن خمسة أصابع» وراويها ناصر السرهيد بعد فقده أعز أصدقائه مراد.

نورة

ويروي ناصر تفاصيل المأساة، ويسترجع ذكرياته مع مراد واسرته، ومداعباته للصغيرة نورة التي وعدها في آخر مرة رآها أن يصحبها إلى الحديقة، لكنه بدلاً من ذلك حملها إلى قبرها بعد الحادث، متمنياً أن تفي لها الملائكة بوعد لم يستطع هو إنجازه.

وينسج الراوي لمراد وزينب حكاية عشق خاصة، تتوزع على فصول الرواية، (روميو وجوليت في صورة محلية)، بدايتها أشبه بالملحمة، ونهايتها تمثل خاتمة مأساوية تحدث عنها أهالي رأس الخيمة أسابيع طويلة. فبطلا الحكاية تحديا الجميع كي يتزوجا، واتحدا حتى في النهاية، فزينب (الإماراتية) ضحت بالكثير كي ترتبط بمراد، و«تزوجت رغماً عن أهلها من رجل لا يحمل أوراقاً ثبوتية، ومدون في الوطن بختم إنساني سُمي بالتلاحق (بدون)». ومراد «مصور فوتوغرافي عاش كل سنوات عمره بين الأبيض والأسود، وعرف في الوطن بولعه الشديد بمصاحبة الكاميرا التي كان يخلصها من الثبات بلقطات حية.. وذاق شمس الوطن 29 سنة بمتعة، وظل مصحوباً بكاميرته يصور العرق على جبين البسطاء من العمال والموظفين وسائقي سيارات الأجرة، ولديه مجموعة بعنوان الشمس لا تعرق، وعندما أقام معرضاً لها التقى بحبيبة القلب زينب»، وعلى الرغم من ذلك كانت نهاية المطاف موتاً رمادياً لمراد واسرته كما قال ناصر، ليغيب الفنان أو «الفن» بلا هوية.

سيد المقام

ومع توالي الأحداث تنمو أصابع جديدة للحزن الذي يصير سيد مقام الرواية، فناصر الذي يعمل في مركز لرعاية ذوي الاحتياجات الخاصة يتعرض لألم جديد، فبعد تعلقه بخلود، إحدى طفلات المركز، التي أعادت إليه صورة نورة، تموت الطفلة إثر إصابتها بمرض ما، وكذا ترحل أم ناصر بعد رحلة مع العلاجات والأدوية.

يترك ناصر الإمارات قاصداً بيروت، تحديداً في شتاء ،1996 مخططاً للإقامة فيها، ومقيماً مشروعاً خاصاً بها مع سليم شريكه اللبناني، في خروج أشبه بالهروب من وجه الحزن، واعتراضاً على ما حدث لمراد الحاضر دائماً في وجدانه «حين مات مراد ظل صوت الأطفال من المدرسة المقابلة لبيتنا وهم يتناولون السلام الوطني غائباً بداخلي. لم أعد أسمع سوى صوت نورة الصغيرة التي أحتفظ بصورها في كل مكان من غرفتي إلى سيارتي، ولا يمكن أن أنتبه لشيء آخر، كما رغبتي بالزواج والأطفال، عرفت حجم الحب والفقد معاً. حين مات مراد أصبح لحزني خمسة أصابع أدفع بها العالم أمامي وأحرك سلالة دمي لمرافئ الحياة».

تمر أيام ناصر في بيروت بصحبة صديقته ليليان التي تعرف إليها من قبل خلال إحدى رحلاته إلى باريس، يقيمان معرضاً لصور مراد، وتحظى أعمال الفنان الراحل باحتفاء كبير في لبنان، ويكتب مشيداً بها ناقد كبير.

السعادة التي أذاقتها ليليان لناصر لم تستطع غسل روحه من آلامها، حيث ظل مشدوداً إلى ذكرياته الحزينة، خصوصاً تفاصيل حادث مراد، وتتجدد تعاسته عقب مشكلات أخته «كفاية» مع زوجها الثري سلطان الياهي، لأن العلاقة بين ناصر الفنان وكفاية الشاعرة والإعلامية كانت أوثق من أخوة، فعندما مرضت الأخيرة اضطر ناصر لترك بيروت واللحاق بأخته التي سافرت للعلاج في ألمانيا، وتتعرض لمرض تفقد على إثره جنينها.

تقرر «كفاية» ترك زوجها الغيور المنشغل عنها بتجارته وأعماله، وتسافر مع ناصر إلى باريس، حيث تدرس فن الديكور، وتنظم مع أخيها ثلاثة معارض لأعمال الراحل مراد، ترحل ليليان هي الأخرى للبرازيل، وتتحول إلى ذكرى وحلم مبتور كما معظم أحلام الرواية.

خيط واقعي

استطاع محمد حسن أحمد تحويل أبطال روايته إلى شخوص من لحم ودم، عبر اكثر من سبيل، فثمة خيط واقعي مشغول بخيال فني في الرواية، إذ توجد حوادث مدونة بتواريخ محددة، وناصر يتماس مع سيرة الكاتب نفسه في غير ملمح، ذكريات سنوات الطفولة، ومحاولة إقامة مسرح في كراج يعرض عليه مجموعة من المراهقين مشاغباتهم الأولى في رأس الخيمة، حتى مشروع الراوي يتطابق مع حلم محمد حسن أحمد، فالرواي سعى لتأسيس دار نشر فراديس في بيروت، وفراديس هي واقع يعيشه ـ إلكترونياً ـ المبدع الإماراتي.

ورغم حزن الراوي وغيابه مع تفاصيل مآسٍ عدة، إلا أنه واعٍ دائماً بقضايا بيئته، وناقد لاذع لظواهر يرى ضرورة تعديلها، فالرواية مهمومة بشكل دائم بتشريح سلبيات، بل وولوج مناطق، قد يعدها البعض حساسة، ويؤثر السلامة والابتعاد عنها، لكن محمد حسن احمد تطرق إليها بجسارة مبدع يقدر قيمة الكلمة في التغيير، وسعيها الحثيث لجعل واقع مجتمعها أبهى وأجمل.

سيرة

وُلد المبدع الإماراتي محمد حسن أحمد في مارس عام 1975 في إمارة رأس الخيمة، وكتب سيناريوهات لأفلام عدة من ابرزها، مريمي، وبنت مريم، وتنباك، ومساء الجنة، وسماء صغيرة، وعرس الدم، وعرج الطين، ونالت بعض أعماله السينمائية جوائز محلية ودولية عدة.

وأسس حسن مسرح الظيت سنة ،1995 ومجلة «فراديس» التي تُعنى بالثقافة الحرة، و«فراديس السينمائية» وهي مجموعة سينمائية مستقلة، ومن أعماله «زحام لا أحد فيه» مجموعة شعرية، ومسرحية «أوه يا عيسى» ومسرحية «اليوع كافر»، «مقبرة مقتبسة» مجموعة قصصية تحت الإصدار.

طباعة