سلطان القاسمــي‮..‬حاكم‮ ‬يحمل راية الثقافة

حاكم الشارقة يعتبر الحوار مع الآخر يبدأ من الذات. تصوير: تشاندرا بالان

تعدد مجالات الإبداع، والتميز لدى صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، كانت محور الأمسية التي نظمها اتحاد كتاب وأدباء الإمارات، فرع أبوظبي، أول من أمس، في مقره بالمسرح الوطني، بمناسبة اختيار سموه الشخصية الثقافية لعام 2009 من قبل جائزة الشيخ زايد للكتاب في دورته الحالية.

وفي مداخلته، أوضح رئيس قسم الدراسات والبحوث في دائرة الثقافة والإعلام في الشارقة ومدير تحرير مجلة الرافد د. عمر عبدالعزيز، أن صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان القاسمي “جمع في شخصيته المتفردة الحاكمية التاريخية من جهة والمعرفة والثقافة من جهة أخرى، وعندما نتناول مشواره نجد أننا نبحر في زمن إبداعي متنوع، وفيزيائي مكثف بوصفه حاكما يتولى مهام الحكم، ومبدعا، حيث قدم عشرات المؤلفات التي يبرز التنوع سمة أساسية لها، فكما هناك الأعمال المسرحية لسموه، وهي في جملتها تحمل في طياتها ما ينبئ بقراءة مستقبلية، هناك أيضا وفي الوقت نفسه أعمال سردية مثل روايته الأخيرة “سرد الذات”، ورواية “الشيخ الأبيض”.

وأكد عبدالعزيز أن حاكم الشارقة؛ يمثل نموذجا في خياراته الثقافية والحوارية مع الآخر، ويمثل نموذجا للمثقف الذي آمن بأن فض الاشتباك مع الآخر، لابد أن يبدأ من الذات وتاريخنا العربي الذي كاشفه التاريخ العربي ليرينا ما نحن عليه، وهذه الأعمال تكشف التواصل السياقي الجبري بين الحضارات، حيث ينزاح الزمان والمكان للخلف. وفي تطرقه إلى جهود صاحب السمو حاكم الشارقة في رعاية الثقافة، أشار إلى أن البعد المشهدي في الأوعية الثقافية في الشارقة يمثل متوالية خصبة جدا من الحواضن وبيئات الإبداع التي تسمح بالتعدد، مثل النشر، والأيام المتتالية التي تتنوع بين الثقافية والمسرحية والتراثية وغيرها، وكلها تمضي ضمن نسق تسلسلي على مدار العام دائما ما يحمل جديدا، إضافة إلى مبادرات سموه الشخصية لتنظيم العديد من الأيام الثقافية في دول أجنبية وعربية. لافتا إلى أن العديد من مؤلفات القاسمي تمت ترجمتها للغات أخرى، وقال سموه في احد تصريحاته إن الترجمة “خيارنا، ومن خلالها نستطيع أن نري الآخر من نحن وإلى أين وصلنا”. ووصف عبدالعزيز مبادرات حاكم الشارقة الثقافية، بمنصة الابداع التي ترسخت لتسمح لنا بالانطلاق من خلالها، مثل موقع تنطلق منه النوارس لتحلق بعيدا، وعليها أن تغالب العواصف، بمعنى ان تقوي سواعد المبدعين، والسعي إلى استجلاء الإمكانات الداخلية لديهم ليكونوا أكثر إبداعا. مشيرا إلى أن سموه يمثل ظاهرة تتجاوز حدود الذات لتتفاعل مع الذات الفاعلة والراعية في المجتمع.

مسرح

وحول “مسرح القاسمي”، جاءت مداخلة الكاتب والمسرحي عبدالإله عبدالقادر، موضحا أن صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، أسس لحركة مسرحية متطورة ودعمها دعما ماديا ومعنويا، إضافة إلى أنه رجل مسرح مؤسس تأسيسا جيدا، بداية من نشأة المسرح في 1950، التي تمثلت في بعض الاسكتشات البسيطة في مدرسة القاسمية، ثم قيامه بالتمثيل في مسرحية “جابر عثرات الكرام” في 1955، لينضج سريعا وينبري للكتابة المسرحية مقدما مسرحية “نهاية صهيون” أو “وكلاء صهيون”، في 1958، كمبادرة مثلت أول نص مسرحي ما يجعل حاكم الشارقة من رواد المسرح في الإمارات، ولم تتوقف أهمية المسرحية على ذلك، حيث كان لها تأثير مباشر في الشارع بالشارقة، ما دفع الحاكم البريطاني آنذاك إلى إغلاق المسرح، وهو ما أثر بشدة في القاسمي، ليعود للكتابة مجددا بعد 40 عاما، ويقدم مسرحية “عودة هولاكو” في عام 1998.

وفي استعراضه أبرز ملامح “مسرح القاسمي”، وهي موضوع كتاب جديد له سيصدر قريبا عن وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع؛ أشار عبدالقادر إلى أن أهم هذه الملامح ارتباطه بقضية، فكل عمل من أعماله يتناول قضية مرتبطة بالسابقة لا تنفصل عنها، ولكنها تأتي بأبعاد مختلفة في فضاء العمل الجديد، فهي في النهاية قضية الأوطان والإنسان المعاصر التي نعيشها يوميا. موضحا أن تجربة القاسمي ليست تجربة وليدة الصدفة أو الرغبة، حيث تناولت أعماله موضوعات منهجية مرسومة للتصدي لمواجهة جبهة الشر، كما أن البعد الفكري والقومي والإسلامي واضح في هذا المسرح، الذي يتخذ من التاريخ مادة أساسية له، من خلال إسقاط القضايا المعاصرة عليه.

كتابات تاريخية

وتوقف الكاتب حسن ولد المختار أمام الكتابة التاريخية عند صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، مستعرضا جانبا من كتاباته في هذا المجال، التي انقسمت إلى كتابات تاريخية وأخرى إبداعية، وانصبت على منطقة الخليج العربي لتسد نقصا بارزا في هذا المجال. مشيرا إلى امتلاك سموه ملكتي النقد المنهجي والحس التاريخي اللتين قليلا ما تجتمعان لدى كاتب أو مؤرخ.

وتمحورت مداخلة الناقد د.فرج علام حول كتاب “سرد الذات” الذي لا تتوقف أهميته، كما أشار، على أن مؤلفه هو حاكم إمارة  الشارقة فقط، حيث تعد مبادرة احد الحكام العرب لكتابة سيرته الذاتية أمرا غير معهود، إذ إن هناك ميلا دائما للتحفظ تجاه كشف الذات أمام الآخرين، بل لأنه أيضا شاهد على أحداث مهمة مرت بمنطقة الخليج كلها، وشهدت خلالها تغيرات كثيرة، كان في أغلبها حاضرا وشاهدا أو مشاركا فاعلا. مشيرا إلى ما يتسم به الكتاب من طابع توثيقي، حيث يرد به العديد من الأحداث والشخصيات والتواريخ بشكل دقيق، وما يتميز به من الوعي المنهجي الذي يمنح سرد الحوادث في الكتاب منحى متسلسلا مترابطا، إلى جانب حياديته في عرض الأحداث.  

شخصية العام الثقافية

أعلنت جائزة الشيخ زايد للكتاب عن فوز صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، بلقب شخصية العام الثقافية في دورتها الرابعة لعام “2009ـ2010” تقديرا لجهوده في رعاية التنمية الثقافية العربية ودعم الإبداع. وجاء قرار الهيئة الاستشارية منح الجائزة لسموه للحركة العلمية والثقافية النهضوية التي انتهجها على مدى أكثر من ثلاثة عقود في إقامة المؤسسات العلمية والثقافية في إمارة الشارقة ودعم النشاطات ذاتها في الإمارات وسائر بلدان العالم، إضافة إلى انتهاجه سياسة ثقافية واعية في شتى الحقول العلمية والمعرفية، وانتهاج سبل الريادة في فنون وحقول ثقافية عصرية مثل المسرح والرسم والسينما والمعارض المتنوعة ومتابعة المنجزات العربية والعالمية والإنسانية في مجالات التاريخ والفنون، والعمل على نشر تلك الخبرات بين الشباب العربي ودفعهم للمشاركة والإنتاج المتميز في نطاقها.

  مؤلفات

 قدم صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، مؤلفات مهمة للمكتبة العربية في مجالات التاريخ والعلوم الإنسانية والاجتماعية، داخلا من خلال ذلك في المفهوم الشامل للثقافة والمثقف، ومن بين هذه المؤلفات التي تجاوزت الـ52 إصدارا، منها: أسطورة القرصنة العربية في الخليج، قسم الإمبراطورية العمانية بين عامي 1856ـ1862، الاحتلال البريطاني لعدن، الوثائق العربية العمانية في مراكز الأرشيف الفرنسية، جون مالكوم والقاعدة التجارية البريطانية في الخليج 1800 ميلادية، “يوميات ديفيد ستون في الخليج  بين عامي 1800و1809”، “الشيخ الأبيض”، “العلاقات العمانية الفرنسية بين عامي 1715ـ1905”، “الخليج في الخرائط التاريخية بين عامي 1493 و1931” ، “رسائل زعماء الصومال إلى الشيخ سلطان بن صقر القاسمي في العام 1873”، “الأمير الثائر”، مسرحية “عودة هولاكو”، “صراع النفوذ والتجارة في الخليـج بين عامـي 1620 و1820”، “الخرائط التاريخية ما بين عامي 1478 و1861”، مسرحية “القضية”، “بيان المؤرخين الأماجد في براءة ابن ماجد”، تم تحقيقه في ثلاث لغات هي العربية والإنجليزية والبرتغالية، مسرحية “الواقع صورة طبق الأصل”، ألامسرحية “الإسكندر الأكبر”، مسرحية “النمرود”، مسرحية “شمشون الجبار”، وأخيرا كتاب “سرد الذات”.

طباعة