إبراهيم مبارك: المباشرة تقتل الإبداع

إبراهيم مبارك: إبداعاتنا سجل يقاوم «غول التغير». أرشيفية

بين شخوص هامشية تحمل العبرة أحلامهم بين ضفتي خور دبي، وأبطال حقيقيين استشهدوا دفاعا عن وطنهم، وجيل جديد موزع بين ماض حكي لهم عنه وحاضر يريد طيهم، وغرباء يشتاقون إلى أحضان نسائهم وبلدانهم.. يتشكل جزء من الخليط البشري الذي يضمه عالم الأديب الإماراتي إبراهيم مبارك القصصي، عبر أربع مجموعات، هي نتاج رحلة الكاتب مع القصة القصيرة، والتي يعتبر مبارك أحد روادها والمخلصين لها في الإمارات، بالإضافة إلى سبعة كتب منوعة ما بين المقالات الأدبية والدراسات، ومشروع روائي يأمل صاحبه كما كشف لـ«الإمارات اليوم» أن يرى النور الصيف المقبل، مؤكدا أن حياة المبدع مرتبطة بعافية قلمه الذي إذا توقف فهو بمثابة «إعلان استسلام وموت مبكر».

ويعتمد مبارك الذي ولد في أم سقيم في جميرا في دبي في قصصه على طرق سردية منوعة، وأساليب فنية مختلفة، تنأى عن المباشرة التي يعدها الكاتب «قاتلة للإبداع، وحاكمة عليه بالفشل»، موضحا أن «على المبدع، شاعرا أم قاصا، أن يبتعد عن المباشرة الفجة، وإن فرض عليه مضمون عمل ما أن يقترب من القارئ، فينبغي عليه أن تكون خطواته محسوبة، كأن يخفف من بعض رموزه وانزياحاته، لكن، أن يقع في فخ المباشرة فذلك هو السقوط الفني»، مستدركا أنه على الجانب الآخر، يوجد كتاب يستهويهم سحر اللغة ورموزها فيهيمون، ويكتبون عشرات الصفحات، متناسين أن هناك متلقيا يجب التواصل معه.

قضايا

وكتابات القاص الإماراتي إبراهيم مبارك منذ مجموعته الأولى «الطحلب» مهمومة بقضايا عدة، ومغموسة في محيطها المحلي. ويقول «حاولت في قصص البدايات رصد العلاقات الاجتماعية، ومعالجة المشكلات التي واجهت مجتمعنا خلال الستينات والسبعينات من القرن الماضي، وحرصت ـ وكذلك معظم مبدعي تلك الفترة ـ على أن تكون كتاباتي سجلا لملامح محلية استشعرت أنها قد تغيب، وعملت على توثيق جزء من ذاكرتنا وتراثنا، حياة الإماراتي وحكاياته مع البحر والصيد، وكذا همومه وأحلامه خلال مواسمه مع الصحراء التي تقاسمت حياتنا مع البحر».

ولا يعني ذلك غياب الهم الإنساني العام عن مجموعة إبراهيم مبارك الأولى، فقد حضرت نماذج بشرية لا تحمل اسما ولا هوية سوى حبها لجنبات مدينة دبي، كما بطل قصة «عاشق البحر» الذي ودع الحياة في الختام وعثر عليه رواد مقهى سوق السمك ممددا بجوار جدار «لم يجدوا لديه أي شيء.. ورقة صغيرة أضاع العرق الكثير من بياناتها، وفي خانة المهنة كلمة لم تعرف بالضبط هي قد تكون (عاطل أو عامل) لم يتأكدوا من هويته»، المهم أنهم دفنوه في مدينة عشقها ذلك الإنسان.

وحملت مجموعات مبارك التالية «عصفور الثلج، خان، ضجر طائر الليل» هموما أخرى، إذ لاحت في الأفق مشكلات جديدة، يقول عنها مبارك «طرأ على المجتمع تغير كبير تحول إلى غول، وصارت ذاكرتنا وقيمنا مهددة أمام هذا البحر الهائج من البشر، وطبيعي أنه كلما يستشعر المبدع الخطر يحرص أكثر على التمسك بالثوابت، ويحاول أن يدافع عن وجوده، ويوعي بأكثر من شكل وصورة، خوفا من اندثار التراث»، لافتا إلى أنه يرفض التكلس حول الماضي، لكنه مع التقدم المحافظ على خطواته، وهذا ما ظهر ب في أساليب ومعالجات مختلفة في كتاباته القصصية التالية، بل وفي مقالاته أيضا.

مع الكتاب

ويروي مبارك بعض ذكرياته مع الكتاب قائلا «بداية تعلقي بالقراءة كانت تقريبا من نهاية المرحلة الإعدادية في الستينات، إذ أتاحت لنا اللجنة الثقافية في نادي النصر روايات وقصصا مختلفة ومؤلفات ثقافية متنوعة، بعد أن كان لا يقع في أيدينا سوى بعض المجلات والجرائد، ولم يكن في مقدورنا أن نشتري كتبا، حيث كنا من أسر متواضعة، والحالة المادية كانت غير ما هي عليه الآن»، ومن أهم المؤلفات التي شكلت ملامح بدايات مبارك، وجعلته يعشق الأوراق، روايات وقصص نجيب محفوظ وإحسان عبدالقدوس ويوسف السباعي، واستوقفته بشكل خاص روايتا «الأم» للروسي مكسيم جوركي، و«الحرب والسلام» لتولستوي.

ويضيف القاص الإماراتي «في لجنة نادي النصر، اشتركت مع مجموعة من الأصدقاء (الأديبان محمد المر وعبدالحميد أحمد وغيرهما)، في إصدار نشرة ثقافية سطرنا فيها محاولاتنا الأولى، وكنا نعرضها على أعضاء النادي، وضمت النشرة كتابات لا أستطيع تصنيفها تحت جنس أدبي، غير أنها كانت تحمل بجوار الأخبار المختلفة، احلامنا وتطلعاتنا، ووطد ذلك صلتنا بالكتاب الذي لزمناه، لكي نشبع عشقنا له أولا، ثم لننمي مواهبنا الوليدة ونشرتنا المتواضعة، وبعد ذلك، تطورت علاقتي مع الكتاب بصورة أكثر وعيا وعمقا، خصوصا خلال المرحلة الجامعية، حيث تشعبت القراءات، والكتابات المبكرة في نشرة نادي النصر صارت أكثر تجذرا، وبانت معالمها في الجامعة، حيث جذبتني عوالم القصة القصيرة». وفي مجلة الجامعة، واصل مبارك النشر، وظهرت قصة له ضمن كتاب مشترك مع طلبة في الجامعة في مطلع السبعينات، وفي 1974تحديدا بدأ النشر المتواصل في الجرائد والمجلات الأدبية.

وعن أول إصداراته، يقول إبراهيم مبارك «رأت مجموعتي القصصية الأولى (الطحلب) النور في ،1987 وكانت بمثابة المحرك الذي منحني الطاقة والدافعية نحو مزيد من الكتابات، والإخلاص للإبداع»، واصفا الجو الأدبي العام خلال تلك الفترة بالمشجع، مستذكرا أنها كانت مرحلة نهوض ثقافي «فالمؤسسات المعنية كانت ملتقى حوارات أدبية، وجسر تواصل بين المبدعين، وليست مجرد هيئات إدارية، حتى الصحف وقتها كانت مثل نوادٍ للكتب، أما حاليا فقد تمر سنوات من دون أن يجتمع المثقفون تحت سقف واحد»، متأسفا على غياب التواصل، واختفاء الحوار إلى حد قد يصل إلى التلاشي بين الأدباء بشكل خاص.

 نتاج

الطحلب (مجموعة قصصية)، .1987
الكشافة في الإمارات، الجزء الأول، مقالات ودراسات .1987
عصفور الثلج (قصص)، .1991
الكشافة في الإمارات الجزء الثاني، .1996
خان (قصص)، .1999
نواقيس ( مقالات ودراسات)، .2001
سواحل البحر (مقالات)، .2002
صدى المسرح (مقالات)، .2002
ضجر طائر الليل (قصص)، .2005
ضفاف الكلام، (مقالات)، .2007
صواري، (مقالات)، .2009

«غريب على البحر»

تضم كتابات القاص إبراهيم مبارك مستويات لغوية عدة، لكن تغلفها في أحيان كثيرة شاعرية خاصة، تحيل بعض القصص إلى قصائد نثرية طويلة، بحيث تصير تيمة خصوصا في مجموعاته الأولى، ويتخير الكاتب نهايات لحكاياته ذات طابع خاص، مفارقة في الأغلب، ومثيرة شجنا ما في الختام، بل، وتتحول إلى نهايات حزينة تشبه مصائر شخوص قصص مبارك الذي يقول في قصة «غريب على البحر»:

«... لن يشرح أحد كل شيء كما تفعل أمك، كان والدك رجلا يغسل البحر صدره، ولا يعرف غير التواصل والصدق.. كانت تسكنه آيات عشق، ومدى طويل من إرث لم ينقطع... أعد سعيد قاربه الصغير.. رفع شراعه أمام الريح، سار بمحاذاة الشاطئ، وكلما مر بموقع ساحلي تذكر والده والحكايات الكثيرة التي تقصها عليه أمه.. بعد أن اجتاز رأس حصيان أنزل شراعه ثم سحب قاربه إلى الشاطئ، وضع حاجياته على الرمل ثم نصب شباكه وأشعل النار، كانت الشمس تميل إلى الغروب والبحر كالمرايا، والموج يهمس برقة على الرمل الأبيض، وطيور البحر تودع البحر في أسراب جماعية.». وتكون الخاتمة منع سعيد من ممارسة مهنة الأجداد، بحيث يصير غريبا عن بحره.

طباعة