"مطر" خالد البدور .. قصائد مكتوبة بـ"ماء البحر"

البدور.. مبدع بملامح خاصة. تصوير: محمد شاهين

البحر في ديوان الشاعر الإماراتي خالد البدور «مطر على البحر» ليس مجرد ذلك الأزرق اللامتناهي، ولا حتى ساحة تأملات يتنزل فيها وحي القصيد، بل هو ساحل حياة، لمبدع عرف البحر صبياً كما عرف راحة يده، بنى على رمله بيوتاً ومدناً.. دفن فيه كوابيسه وأحزانه، وإليه لجأ حين قست عليه عشرون بناية في مدينته، وانتظر على شواطئه جداً لن يجيء إلا في صدى أشعاره، وأشهده على وثيقة الحب الأولى، حتى استحال القلب إلى ساحل حنين تغفو على رمله الحبيبة، أو القصيدة، لا فارق.

وقبل الصور والقاموس البحري المشكل لنصوص مجموعة «مطر على البحر»، يأتي كل من الإهداء «إلى نجوم.. حيث الحياة برفقتها إبحار لا مثيل له»، والعناوين، ليكونا بمثابة منارات أولى تصحب القارئ قبل خوض غمار نصوص البدور، فالجزء الأول عنوانه «البحر الذي ليس قبله شيء»، والثالث «عن بحرها وعن البروق التي تتركها فوق صحراء أحلامي»، لنصل نهاية في الختام والجزء الرابع إلى «بحر لأحلام القديسين»، لتصير الحال عشقاً وتماهياً مع ذلك الشاسع الأزرق، وليست مجرد حلية أو رمز يلوح ويغيب في القصائد، تتبدى تلك الحال في نص «استهلال» الذي يقول فيه البدور «لك أن تقطفي القمر، الزائر الغريب لشواطئنا، كي يضيء الأعماق إذ نلتقي بين بحر وآخر. نبحث عن الكلمات فلا نجد سوانا. نطفو متشبّثين بآمال قليلة. على سطح الماء نرى موجة واحدة، سطراً واحداً من قصيدة البحر فنتعلق بها لئلا نغرق. نقتات أحلام البحر. نعيش على عطاياه، ونعرف أننا سنموت بقربه لهذا نستوطنه، نكتبه، نشرب أمواجه فيغمرنا زبد الحب. الشعر نكتبه بماء البحر فتقرأنا الأمواج. لا ريب أيضاً عندما نكون في البحر تقترب السماء من الساحل فنكاد نرى الملائكة».

صوت متميّز

وتعبر نصوص مجموعة «مطر على البحر» الصادرة أخيراً عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت في 151 صفحة، عن صوت متميز في الساحة الشعرية، يحمل قسمات مبدعه الخاصة، فرغم ارتحالات الشاعر الدائمة، وبحثه المتواصل عن قلوب البلدان التي يحل بها، ورصده لتقلب مدينة اختلط فيها السحاب بالدخان، ومطارداته لنجمات أحلامه البعيدة، إلا أنه حافظ على نفسه الإبداعي الهادئ، وإيقاعه الداخلي المتزن، فالروح مع قلقها واغترابها لا تلجأ إلى الصراخ أو الضجيج، أو حتى تلمس البركة الجماهيرية من التمسح بأعتاب قضايا كبرى، فالثورة في نصوص «مطر» ـ كما في مجموعات البدور الثلاث السابقة ـ نابعة من عمق الذات (الإنسانية) وتأملاتها، وحزنها الفوار الداخلي، كما تيارات تمور بقلب البحر وإن بانت هادئة صفحته الخارجية: يقول البدور في قصيدة «بالنار المقدسة»: «في تلك الليالي لطالما وقفت أمام المحيطات.. تاركاً الموج يندفع بعنف تحت قدمي.. كنت أنتظر حتى تأتي رياح الكلمات.. لأشم شذى البحيرات.. وبالنار المقدسة أتدفأ على أطراف الجزر.. منصتاً لترانيم البدائيين.. تصلني من أعماق الكهوف. في تلك الليالي لم تكن الأرض تكفيني.. حلقت مبتعداً.. حاضناً بضعة أحلام.. بجناحين واهنين.. وآمال قليلة.. كنت لا أزال ضعيفاً.. حين زمجرت العواصف في المدى.. بعد عقود أدركت كم يؤلم هذا الرحيل.. غير أن البقاء أشد إيلاماً.. هكذا تركت القلب في مهب الرياح.. رياح الكلمات والأخيلةِ».

مشاهد

ويتبدى وجه البدور السينمائي مع مطلع غالبية نصوص مجموعته، فالمبدع الإماراتي الذي يحمل شهادة ماجستير في السيناريو، وكتب حوارات عدد من الأفلام، يفتتح معظم قصائده بتجهيز المشهد، كما الشأن في كتابة السيناريو (داخلي نهاري، أو خارجي ليلي أو غير ذلك)، ما يجعل المتلقي في مسرح الحدث وزمانه، ففي قصيدة «ستعود» يستهل بـ«فوق أفق البحر.. شمس ستختفي بعد قليل»، وفي «غمام» يكون المفتتح «الفجر أزرق.. أستند إلى الجدار قرب النافذة»، وفي «ليلة الموسيقى» تكون أولى الجمل «قبل المساء أرى طائراً في السماء»، بينما «في بيت خشبي» يبدأ بـ«باكراً أطل البدر فوق البحيرة».

والحال كذلك في غالبية النصوص، فالظرف، زمانياً كان أم مكانياً، حاضر بكثافة وبقصد، فقلم الشاعر يصير كاميرا تمسح عدستها منذ عتبة القصيدة المكان وتفاصيله، والزمان وحركته وتحوله، لتضع القارئ في قلب المشهد «والشريط أحياناً في بعض النصوص الممتدة»، خصوصاً حينما يستعين البدور بتقنية السرد، فتصير القصيدة لوحات سينمائية نابضة بالحوار والحركة والدراما والصوت، يقول في «لا أحد سينقذني»: «لا أحد سينقذني بعد الآن.. بينما يقترب يومي المدرسي من نهايته.. ولم يبدأ بعد درس الحساب. في هذا الوقت من النهار.. إذ يمسد الهواء حرير البحر.. أتنهد فوق كرسي خشبي.. ومن نافذة الفصل أسمع.. صوت الساحل يأتي من وراء الجدران.. وأفكر في الفرار.. لن ينقذني أحد.. من المدرس الذي مددني بكل عنف.. فوق الطاولة.. ثم صرخ «هذا جزاؤك».. واضعاً سكيناً على رقبتي.. «هذا جزاء من يجهل الحساب».

والبدور، صاحب اللغة التي تجمع بين العفوية والأناقة، لا يجبر نصه على شيء، فقد يتشكل من بضع كلمات مكثفة كما في «عشرون قصيدة على سفح الجبل» حيث تكون بعض الدفقات الشعرية ثلاث كلمات، مثل «السحابة كتابة السماء»، أو أربع كما في «غيمة تغشى الجبل.. حب»، لكنها صور مركبة، وتأملات اقتنصتها شاعرية البدور الباحثة دوماً عن المتفرد، لتطلق روح القارئ نحو آفاق جديدة، ممهورة بإمضاء شاعر يقدم إبداعاً له مذاق خاص، ببناء مغاير للسائد في مجال قصيدة النثر، التي أضيرت من داخلها عبر نصوص تزعم الانتماء إليها، أكثر مما أضيرت من هجوم الرافضين لها.

إضاءة

ولد خالد البدور في دبي عام ،1961 وحصل على شهادة البكالوريوس في الإعلام من جامعة الإمارات عام .1987 ونال شهادة الماجستير في السيناريو من جامعة أوهايو الأميركية ،1996 وبدأ بنشر أشعاره منذ عام ،1980 وحصدت مجموعته الشعرية الأولى «ليل» الصادرة عام 1991 جائزة يوسف الخال للشعر في ،1992 وصدرت مجموعته الثانية «حبر وغزل» عام ،1999 أما مجموعته الثالثة «شتاء» فرأت النور عام ،2002 وأخيراً مجموعته الرابعة «مطر على البحر». وأنجز البدور مجموعة من البرامج والأفلام الوثائقية، ومنها صدى الأيام (حلقات وثائقية عن الموسيقى والرقصات التقليدية للإمارات)، عمان تاريخ وأسرار (وثائقي تلفزيوني)، ما بين ضفتين (فيلم وثائقي)، والمريد (فيلم ثائقي).

تويتر