«حراقة» و «أمريكا».. جنة المهاجر وجحيمه
«حراقة» يمضي خلف أحلام محطمة. من المصدر
ما بين إسبانيا وأميركا يمكن الحديث عن الهجرة، شرعية أو غير شرعية، بواسطة الطائرة أو مركب صغير تتقاذفه الأمواج، ويمكن أيضاً أن تختلف المسميات بين مهاجر ومسافر، أو «حرّاقة» المسمى الجزائري الذي يطلق على من يحرقون جوازات سفرهم وأوراقهم الثبوتية، ويلقون بأنفسهم في البلاد التي يهاجرون إليها.
الهجرة في النهاية من أشكال الخلاص من ظروف اقتصادية واجتماعية قاهرة، وقد تكون هرباً من واقع يفرضه الاحتلال بقسوة. في الحالتين، يبقى ما ينتظر المهاجر عبوراً نحو عالم مغاير لما تعوّد عليه، ولن يكون على موعد مع حفاوة الاستقبال، بل سيلقى على الأرجح مكاناً طارداً له، وعليه أن يتحلى بقوة مقاومة كبيرة لما يلفظه وهو يتمسك به.
يمضي هذا التقديم يداً بيد مع فيلمين من أفلام مسابقة «المُهر العربي» في الدورة السادسة من مهرجان دبي السينماذي الدولي، أالأول هو فيلم الفلسطينية شيرين دعبيس «أمريكا» والثاني «حرّاقة» للجزائري مرزاق علواش، ولعلهما ـ وإن اختلافا ـ يقاربا الهجرة من بابين مختلفين، لنا أن نفتحهما هنا.
يمضي علواش خلف أحلام محطمة، لها أن تتقاذفها الأمواج، ولا تصل بها إلى مكان، فتبقى معلقة بين السماء والأرض، متخذاً من ميناء «مستغانم» الجزائري الذي يبعد 200 كيلومتر عن الشواطئ الإسبانية معبراً له، لمقاربة عالم يتحكم به الفقر والملل واليأس.
لا يمهلنا علواش، يبدأ من لقطة شاب مشنوق تتدلى رقبته من حبل، كما ليقول لنا من البداية إنه ما من خيارات كثيرة أمام هؤلاء الشبان، الانتحار أو الهجرة، ولتتوالى أحداث الفيلم والراوي يضيء لنا ما نشاهده، إنه عمر من انتحر وقد كان مع رشيد وناصر يحلم بالهجرة إلى إسبانيا، وليمضي رشيد بوصفه الراوي في مقاربة عوالم الهجرة غير الشرعية التي يمتهنها حسن الذي نجده يتلاعب بمجموعة من المهاجرين المنهكين بانتظار القارب الذي سيقلهم، يتولى إطعامهم «الإسباغتي» فقط، ويدعهم في العراء ينامون وينتظرون قارباً لا يأتي.
يمكن تقسيم «حرّاقة» إلى قسيمن: يتمثل الأول بتجميع المهاجرين والتعرف إلى عالم كل واحد منهم، وليكون رشيد وناصر أولهم، ومع ناصر ستأتي حبيبته التي سترفض رفضاً قاطعاً أن يسافر من دونها، كما أننا سنتعرف إلى حكيم الملتحي أو «الإسلامي»، والذي سيكون أيضاً من ركاب قارب الهجرة، وهناك رجل أصلع يتردد إلى الأمكنة التي يرتادها حسن، وسيكون قاتله. اللقطات في القسم الأول مأخوذة بالمكان وما يمليه البحر، متروكة لتقول لنا الأشياء بتكثيف. سيتصاعد الإيقاع في القسم الثاني، بمجرد أن يستقل كل هؤلاء القارب المتداعي إلى إسبانيا، وسيمسي القارب بؤرة درامية للصراعات في ما بينهم، ولصراعاتهم مع ذواتهم، ولنصل في النهاية إلى أنهم جميعاً خاسرون، ووفق إملاءات مصائر تتفاوت بين الموت والفشل، الأمر الذي يطال رشيد أو الراوي، ومعه ناصر وحبيبته والذين يمضون سباحة إلى الشاطئ الإسباني، بعد أن يتعطل محرك القارب، ويكتشفون بأنه غير مزوّد بمجاديف.
لا شيء سيتحقق، لن تكون تلك المغامرة إلا ملامسة وجيزة لجنة متوهمة، سرعان ما تعود بمن لامسها إلى أ«الجحيم»، كما يصفون بلادهم طوال الفيلم، ما من صرخة فرح أو نصر، إنها نداءات استغاثة فقط، وعلواش يحملها بحنكته السينمائية، ويترك لأرقام ضحايا الهجرة غير الشرعية أن تتكلم في النهاية.
بالانتقال إلى «أمريكا»، ستضاف إلى الهجرة كلمة احتلال، ولعل التقاء الكلمتين سيكون مدمراً، طالما أن المهاجر هنا يخلف وراءه بلداً ليس فقيرا أو متأزماً ، بل محتلاً، لكن شيرين دعيبس لا تكتفي بهذا القدر، فنحن نتكلم هنا عن شخصيات من لحم ودم، عن امرأة مطلقة وبدينة ترعى طفلها الوحيد، وتعيش تحت رحمة الحواجز والمضايقات الإسرائيلية، بوصفها مسلكاً يومياً يبرع الاحتلال في ابتكاراته في هذا الخصوص، وهي تمضي بين عملها في بنك وبيتها في الخليل، لا بل إن قرار سفرها إلى أميركا يأتي خياراً شخصياً ، بعد أن كانت قد قدمت طلباً للهجرة مع زوجها، لكن، ها هو يتزوج غيرها، فتجد أن عليها وابنها إيجاد حياتهما الخاصة بعيداً عنه.
سيكون الاستقبال الأميركي لها وابنها مليئاً بحفاوة الشك والريبة، ولعل هذه البداية ستمضي بها إلى سلسة متصلة من الخيبات، لن يكون وزنها الزائد إلا واحدة منها، ولتضيف مشكلاتها وخيباتها مع مشكلات أختها وزوجها الطبيب، ومعهما أولادهما الذين يتعرضون للتهديد، بينما يقل عدد زوار عيادته لا لشيء إلا لأنه عربي، فنحن هنا نتكلم عن ما بعد أحداث «11سبتمبر»، لا بل إن ابنها سيصبح اسمه في المدرسة أسامة، في إحالة إلى أسامة بن لادن، كما لو أن كل عربي أو مسلم هو بن لادن.
فيلم شيرين دعيبس مليء بالمقولات، ولعل فضيلته الكبرى تتمثل بانسيابيته، وتمريره كل تلك المقولات من دون أن يقع في مطب الوعظية، أو حتى منح المشاهد الشعور بأنه في صدد فيلم تسبقه أفكاره، كل ما تود قوله يأتي مترافقاً ومتناغماً مع بنية الفيلم الحميمة، نعم «الحميمة» كونها مصاغة بعناية وفي تحالف عذب مع القيم العائلية المشهرة في الفيلم، وفي استثمار لعناصر مثل أغاني فيروز أو غيرها.
نقاط الاشتباك بين العربي والآخر مصنوعة وفق رغبات امرأة كل ما تريده هو العيش بحرية وكرامة، لا بل يمكن لعلاقتها مع مدير مدرسة ابنها اليهودي أن تقول الكثير، لكن، وفق حيثيات تلك العلاقة وليترك الأمر للمشاهد، وليكون السؤال من أين لهذا أن يتحقق؟ ولتكون الإجابة كامنة في الواقع، ففيلم «أمريكا» مأخوذ بواقع يعيشه آلاف العرب في أميركا، ومتى كان الفيلم وفياً لواقعه، له أن يقول من دون أن يصرخ أو يتبجج، وهو يقول لنا: ها هي أميركا وها نحن المهاجرين العرب، إننا أإرهابيون بنظرهم ومن دون منحنا فرصة إثبات العكس، وما علينا إلا أن نبحث عن استثناءات تنحاز للإنساني أولاً.
نهاية الفيلم التي تركت دعيبس لها أن تقول إن البشر متشابهون، وكل الاختلافات علائم خارجية لا تطول العمق الإنساني، وهي في الواقع مساحة للتلاقي، أكثر منها مساحة للتنابذ، لا تدفعها إلا إلى الاستعانة بأغنية مارسيل خليفة «كل قلوب الناس جنسيتي فلتسقطوا عني جواز السفر».
تابعوا آخر أخبارنا المحلية والرياضية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news