«1900».. قصة فيلـــــــم طويل

«1900» من أطول الأفلام في تاريخ السينما. آوت ناو

لا يمكن مقاربة منجزات المخرج الإيطالي برناردو برتولوتشي من دون المرور بفيلمه الملحمي «1900»، وربما في محاولة لتسليط الضوء على فيلم غيب أمام ارتباط برتولوتشي بأذهان المشاهدين وعشاق السينما بأفلام أخرى مميزة له، يأتي في مقدمها «الإمبراطور الأخير» الذي حصل عليه «أوسكار» أفضل مخرج عام ،1987 مع أفلام أخرى كثيرة، مثل «آخر تانغو في باريس» 1972 مع ماريا شنايدر ومارلون براندو الذي يصفه برتولوتشي بالملاك كإنسان والوحش كممثل وصولاً إلى آخر ما أخرجه عام ،2003 أي فيلم «الحالمون»، عن ستينات القرن الماضي والأفكار الثورية والتحررية التي تسيدت تلك المرحلة، وتحديداً مع الثورة الطلابية في فرنسا.

لكن الأمر مغر أيضاً باستعراض حياة برتولوتشي، ومنابعه السينمائية وتوضيح أنه جاء إلى السينما من الشعر، مثل بازوليني الذي يمكن اعتباره من أهم أسباب تحوله إلى مخرج بعد عمله كمساعد له في فيلم «أكاتوني»، الأمر الذي قاده مباشرة إلى اعتزال الشعر والتحول إلى الإخراج، ونزعة يسارية لا تفارق أفلامه، لها أن تكون على أكبر قدر من الوضوح في فيلم «1900» الذي سنقدم له .

يحكى عن هذا الفيلم بوصفه مرتبطاً بأشياء كثيرة، أولها تكلفته الضخمة التي بلغت ستة ملايين دولار في ،1976 وتجاوز برتولتشي تلك الميزانية بثلاثة ملايين إضافية ليكون المجموع تسعة ملايين دولار، كما يمكن الحديث عنه بوصفه من أطول الأفلام في تاريخ السينما، إذ يبلغ زمن الفيلم خمس ساعات و15 دقيقة (طبعاً هذا لاشيء أمام الفيلم الروسي «الحرب والسلم» الذي وصل إلى تسع ساعات)، وهو متوافر أيضاً بنسخ أخرى أقل بساعة فقط، الأمر الذي يبقيه طويلاً وجداً. ولعل عرضه العالمي الأول في مهرجان «كان» كان مناسبة قائمة بحد ذاتها، ولتكون مدة عرضه الطويلة أول مصدر خيبة بالنسبة للجمهور الذي احتشد بأعداد هائلة، بعد أن بيعت تذاكره في السوق السوداء بأرقام خيالية، كما يورد الناقد الأميركي روبرت ايبرت له في مقال عن هذا الفيلم.

التأكيد مجدداً على طول الفيلم لن يكون إلا بداعي الإشارة إلى أنه لم يكن إلا مثاراً للإعجاب بالنسبة إلي، وأنا أشاهد تلك الملحمة المترامية، والشخصيات الكثيرة ومصائرها، من دون إيلاء أي اهتمام لضرورات التكثيف هنا والحذف هناك، مع الأخذ في الحسبان بأن ذلك يعد استعراضاً لمشاعر شخصية في المقام الأول، وتتبعاً لمتعة اللقطات، وجماليات الصورة، وملحمية الحكاية.

جماليات

وإن كان من إضافات هنا وهناك بداع ومن دونه، فإنها جميعاً احتوت على جماليات يأتي في مقدمها الصورة، ومسعى برتولوتشي بالنهاية لتقديم تاريخ الصراع الطبقي في إيطاليا، ومنبع الفاشية التي حكمت إيطاليا، ومن ثم سقوطها، وترافق ذلك مع الحب والموت والصراعات النفسية والحروب والثورات والمجاعات والفقر، وتاريخ العمل النقابي، وغير ذلك ما يضعنا في النهاية أمام قطعة سينمائية توثق إيطاليا بدايات القرن الماضي وكل ما عصف بها.

تبدأ قصة الفيلم من لحظة ولادة ألفريدو، الحفيد الذكر الأول لإقطاعي يملك أراضي لا نهاية لها وكل ما عليها، ويولد في التوقيت نفسه حفيد أيضا لفلاح يعمل لدى ذاك الإقطاعي، الفلاح صاحب عائلة هائلة العدد، لا بل الابن المولود الذي يسميه ألمو غير معروف من هو والده.

وعليه تمضي حياة ألفريدو «روبرت دي نيرو في الشباب» جنباً إلى جـنب مع حياة أميلو «جيرارد دبرديو شاباً» من الطفولة إلى الكهولة، ومصائر كل واحد منهم وفق نشأته، ومصائر من حولهم أيضاً، وعلى احتكاك وتأثر دائم بما يطرأ على إيطاليا.

صداقة عميقة تربط ألفريدو بألمو، الأول ينتمي للحزب الشيوعي ويبقى يعمل في الأرض، بينما يتبع ألفريدو ملاذاته، الأول يكون على صراع مرير مع الظلم والاضطهاد الذي يتعرض له ومن في قريته، خصوصاً بعد وفاة جد ألفريدو وحلول والده محله، بينما ألفريدو يعيش الحب والحياة بالطول والعرض. ووفق هذه العلاقة لا تتلاقى المصائر، لكن تبقى الصداقة، ولتفتقد تلك العلاقة بعد وراثة ألفريدو لوالده وتحالفه شاء أم أبى مع الفاشية التي تلتقي مصالحـه مع مصالحها، من دون أن يكون ظالماً وعاتياً مثل والده.

ملحمية بريخت

كتابة ما تقدم من أحداث لا يشكل إلا خيطاً رفيعاً جداً يربط بين أحداث لا مجال لحصرها أبداً، ولعل إيرادها هنا سيكون من المستحيلات، لكن لا ننسى إدا وقصة حبها لألفريدو، وعلاقتها الخاصة مع ألمو الذي سرعان ما تموت زوجته التي كانت تتحلى بالشجاعة وتكريس نفسها لنضالات الطبقات المسحوقة.

في الفيلم، تقديم للفاشية عبر مهندس متوحش، مع تسليط الضوء على تحالف الإقطاع الإيطالي مع الفاشية، ونهوضهما سوية في وجه الحزب الشيوعي الإيطالي، ولعل الفيلم في ملمح منه يمتاز بملحمية برتولد بريخت أيضاً، حيث يمكن لمشاهد كثيرة أن تتبع مبدأ «التغريب» البريشتي، حيث ردات الفعل غير التي يتوقعها المشاهد، وعلى شيء من الإصرار على إيصال الفكرة الرابضـة خـلف المشهد، وليس التطهير وبناء التعاطف.

يحار المرء ما الذي سيذكره من الفيلم، ما المشاهد التي يتوجب رسمها بالكلمات، مثل ذاك الخيل الأبيض في حفل زفاف ألفريدو من إدا، ومشهد الحب بينهما، أو وفاة جده في حظيرة الأبقار، أو اللقطات الطويلة لوقوف الفلاحين أمام الجنود المتقدمين نحوهم لقمع إضرابهم. أم أن النهاية ستقول الكثير، ونحن نرى ألفريدو الناجي من محاكمة الشعب له وعلى رأسهم ألمو، وكيف يمضي ألفريد وألمو جنباً إلى جنب وهم يتبادلان اللكمات والصفعات إلى ما لا نهاية، وصولاً إلى ما يوحي بانتحار ألفريدو تحت عجلات القطار نفسه الذي كانا يتمدد ألمو تحته طوليا ويدعه يمر من فوقه، وليتمدد ألفريدو هذه المرة عرضياً وعلى سكتي القطار وليس كما فعل حينما كان طفلاً مقلداً لألمو.
طباعة