العدسات مفتوحة على العراق

مشهد من الفيلم العراقي «فجر العالم».           أرشيفية

من بين خمسة أفلام روائية طويلة، مشاركة في المسابقة الرسمية لهذه الفئة في مهرجان الخليج السينمائي، يأتي فيلم المخرج العراقي عباس فاضل «فجر العالم» دعوة للبحث عنه، أي هذا الفجر، الذي سيكون رابضاً في ما خلف الفيلم، مادامت الغلبة فيه لظلمة العالم لولا الحب المصاب بدوره بحلكته، وربما البحث عّما سيأتي بعد كل الذي نشهده من وقائع لها أن تكون مأساوية بامتياز.

يبني فاضل في أول أفلامه الروائية على ثالوث متمثل بالحب والحرب والفقر، بحيث تتجاور وتتناوب في سرد قصة لها أن تجد فيها ما يدفعها لأن تواصل حتى النهاية في انتصار للحب بشكل أو آخر، والذي سيكون أيضاً متقشفاً متأثراً بكل ما حوله من أسى وبؤس.

إنه العراق، والأهوار تحديداً، إنه مستور الذي سيقاد إلى حرب الخليج الأولى بعيداً عن زهرة ولم يقطف ثمارها بعد، ولعل مقتل مستور سيمنح لرياض رفيقه في الحرب مساحة لأن يمضي إلى زهرة محمّلاً بوصيته بأن يتزوجها، الأمر الذي يتحول إلى حب يسكن رياض، وعلى شيء من الالتصاق بعالم زهرة، وفي استعداد منه لأن يهجر بغداد ويعيش في قريتها التي يحيط بها البؤس من كل جانب.

يتبع ذلك إبادة جماعية يتعرض لها سكان تلك القرية، دون أن يبقى منهم سوى زهرة (حفصية حرزي) وأم مستور(هيام عباس) وفتى صغير ورياض (كريم صالح) والضفادع والمطر وصورة صدام حسين وبالتأكيد الحب.

فيلم عباس فاضل متسق ومتناغم مع عوالمه، وعلى عناية خاصة باللقطة التي تستثمر موقع التصوير المبني على ما يحاكي الأهوار ربما! ولعل عناصر المكان تتخطى فعل الحب الغائب، بحيث القسوة تطغى وتأتي اللقطات محملة بجماليات تلك القسوة، وفي بيت حجي ما يحيلنا إلى ذلك، في المطر الذي يأتي بعد المجزرة كما صار عرفاً، في الضفادع التي تتقافز هنا وهناك وغيرهما من لقطات.

وثائقي

من الروائي نمضي إلى الوثائقي، حيث الأفلام العراقية ستكون المتسيّدة دون منازع، بأسماء لها تاريخها وحضورها الطويل في السينما العربية مثل قيس الزبيدي بكل ما حققه على مدى 30 سنة سينمائية، وقاسم عبد وميسون باجه جي وغيرهم، ولعل الحديث هنا عن فيلم باجه جي سيكون بمثابة بداية للتقديم لأفلام وثائقية أخرى محملة بخبرات وتجارب خاصة.

يحتمل فيلم ميسون باجه جي «عدسات مفتوحة على العراق» الذي عرض أول من أمس وصفه بملف ضخم عن العذاب العراقي، والمؤنث أيضاً طالما أن الفيلم يوثق لورشة إبداعية في التصوير الفوتوغرافي تقوم بها المصورة يوجين دولبيرغ مع نساء عراقيات من مدن وطوائف مختلفة يجتمعن في دمشق لهذا الغرض، ومع تناوبهن في سرد مآسيهن التي ستكون في النهاية توثيقاً لمآسي العراق لكن بما يسمح لها بأن تكون من بشر وتواريخ وأمكنة، ومن صور أيضاً، حيث ستعود هؤلاء النسوة إلى العراق بغرض التقاط صور توثق الحياة فيها، ولعل الورشة ستكون في خدمة هذا الغرض.

فبعد إعدادهن وتدريبهن على التقاط الصور في دمشق، تعود كل واحدة منهن إلى العراق للقيام بتلك المهمة، وليترك الجزء الأخير من الفيلم لما التقطنه ومصير كل امرأة من تلك النساء، لا بل إن إحداهن ستقتل كما ستتوقع قبل عودتها من العراق.

يمتلك فيلم باجه جي مادة إنسانية هائلة، ولعله مزدحم بالمآسي الشخصية، والتي تحتوي كل أنواع الظلم والقهر والفقدان، المتأتية من مآسٍ تاريخية وحروب وصراعات ومنافٍ مسكونة بها العراقية، بما يجاور الفرح والإصرار على الحياة والذكريات، بما يجعل الفيلم الممتد لأكثر من ساعة ونصف سرداً طويلاً جداً لها، وعلى شيء من التكرار في أحيان كثيرة على ألسنة أصحابها، بما يتيح بداية بناء علاقة وثيقة بين المشاهد وما يراه طالما أن زمن الفيلم يسعى لأن يقترب من الزمن الواقعي بمعجزة سرعان ما تضر بالمآسي نفسها، وبكلمات أخرى تنعدم قدرة الدموع على إحداث بلل، ولعل النهاية ستكون استعادة لما طال انتظاره.

 
مطر

إماراتياً كان فيلم مصطفى عباس «مطر» القريب جداً من فيلم سابق له بعنوان «100 ميل» والذي بدوره يتفوق على «مطر» وإن كان «الأكشن» ما يطمح عباس إلى تقديمه دائماً عبر مواضيع لها أن تكون لصيقة بهوليوود وفي محاكاة لها، ولنكون هذه المرة على موعد مع القتلة المأجورين، وذاك الذي يبقى واقفاً إلى النهاية على الرغم من كل ما يحيط به من مكائد وضغائن ومؤامرات.

فيلم قصير

في مقابل الوثائقي يأتي الكويتي طارق الزامل بفيلم قصير بعنوان «بقايا إنسانية» ضمن المسابقة الرسمية، له أن يكون متواتراً ومبنياً وفق ما تمليه القصة التي يقدمها في 26 دقيقة، والمتمثلة بعودة مفقود في الحرب بعد غياب دام 12 سنة، وعليه تكون زوجته قد تزوجت رجلاً آخر له أن يكون نقيضه تماماً هو الشاعر والمرهف، بينما يكون الزوج الجديد تجسيداً للبطريركية والذكورية.

يستدعي فيلم الزامل التوقف عند بنائه المحكم، وتكثيفه لحكايته بما يتسق تماماً مع كل ما فيه، بحيث يمكن القول إنه لا حاجة به للشعر الذي جاء في البداية مغايراً لما سيتبعه ولكونه يبني لحظاته الشعرية بصرياً، كما أن كل شخصية تضيء لنا عالمها بلقطة أو لقطتين، ولعل الفيلم يصل نهايته الدرامية وقد استوفى شروطه المفضية إليها.

ومن الكويت أيضاً يحضر في مسابقة الفيلم القصير فيلم «المدينة الضائعة» لحسن يوسف عبدال والذي يقدم في قالب كوميدي ما له أن يكون «قفشة» أو نكتة على هيئة حلم عابر يحل بشاب تزل قدمه ويسقط على أرض فإذا به في زمن آخر يسوده الظلم، وعليه يمضي الشاب في ذلك الزمن، معتبراً انه وقع في موقع تصوير مسلسل تاريخي وهنا سيكون منبع الضحك أو «كات» التي تتحول إلى شتيمة لأن الشاب الذي يوضع في السجن يصرخ بها على الأمل بأن ينتهي مما يعيشه في الماضي.
طباعة