«سدادة» لحرية التعبير و«نصف قلب».. يحتمل التأويل

من الفيلم العراقي «أرض الرافدين».     أرشيفية

ستة أفلام قصيرة حملتها شاشة الدورة الثانية من «مهرجان الخليج السينمائي»، في ليلة افتتاحه، وعلى شيء من تقاسم جغرافي ـ إن صح الوصف ـ له أن يجد في الفيلم القصير ملاذا، وربما معبرا لما يمكن أن يكون رهاناً خاصاً يجد في هذا النمط من الأفلام بؤرة إبداعية خليجية قد تفضي مستقبلا إلى أفلام روائية طويلة تتخطى على الأقل فيلم افتتاح الدورة الماضية «أربع بنات».

ولعل أول فيلم يطالعنا لن يتجاوز الدقيقة الواحدة ويحمل عنوان «السدادة» للبحرينية عائشة المقلة، وعلى مبدأ «قلها وامش» وهذا ما فعلته المقلة إذ إننا أمام فيلم ذو بنية إعلانية ـ لئلا نقول إعلان ـ يضعنا مباشرة أمام رجل داخل زجاجة موصدة بسدادة، صوته مخمد، وطرقاته لا يسمعها أحد، وإلى جانبه نعثر على رجل آخر محبوس أيضا في زجاجة، لكن من دون سدادة، وليس عليه أن يعاني بمثل ما يفعل جاره، كونه يتمتع بحرية التعبير كما ستوضح عبارة الفيلم أو ال Slogan ، والذي يدعو إلى حرية التعبير، ذاك التكثيف والمقولة الإعلانييان سينتقلان إلى الفيلم الثاني للعُماني داوود الكيومي الذي حمل عنوان «اكتشف طاقتك»، وهو من ضمن أفلام مسابقة الأفلام القصيرة فئة الطلبة، والذي بدوره أيضا لم يتجاوز الدقيقة الواحدة، حيث المؤثرات الصوتية وإيحاء السلاسل وسحبها، ستقول لنا إننا نمتلك قوة نجهلها وعلينا أن نكتشفها.

من الدقيقتين السابقتين سنمضي إلى تجربة الممثل الإماراتي بلال عبدالله الإخراجية من خلال فيلم حمل عنوان «نصف قلب»، والذي سيأخذنا مباشرة إلى ميلودراما تمتلك كل المقومات التلفزيونية حشرت في فيلم قصير، لتصور قصة امرأة ندرك بأنها حامل، وهي برفقة والدها في سيارته، وعليه فإنه وبعد أن يمرّغها بالتراب يتيح لها أن تضع مولودها ثم يأخذه منها ويهبه إلى أحدهم، من دون رأفة بابنته المبللة بالدموع وكل ما بقي من ابنها مصاصة ينتهي بها الفيلم.لا نعرف إن كان عنوان الفيلم (نصف قلب) إيحاء بأن والد تلك المرأة يمتلكه، كونه لم يقدم مُثلا على قتلها.. ربما.. ما دام القلب الإنساني كاملاً يوضع جانبا، متى حضر الشرف الذي يدوس بقسوته وتجرده عن كل ما هو إنساني.

ماذا عن العيون إذا؟ السعودي سمير عارف سيقدم «عيون بلا روح» ولعل هذا الفيلم القصير سيخرج عمّا سبقه من أفلام وما لحقه بوضوح. ما يود عارف قوله وتناغم ذلك مع القالب الذي وضعه فيه، الذي سيكون في البداية مدوخا ما دامت اهتزازت الكاميرا ستكون موظفة ومسخرة لخدمة التلصص، وإضاءة ما يمكن أن يكون عليه البشر إن غافلتهم الكاميرا ورافقت أفعالهم.

إننا برفقة شاب يخرج من متجر ويستقل سيارة يقودها رفيقه. كل ما أمامنا على الشاشة مرتجف ومهتز، ولا يهدأ حتى يضع الشاب ما اشتراه من المتجر على المقعد الخلفي من السيارة، وعليه تكون الهدية هي نفسها الكاميرا التي يصور فيها الفيلم، وعليه فإنها ستمضي في رحلة قصيرة تضيء لنا عالم كل شخص على حدة ما دامت الكاميرا ترافقه من دون أن يعرف.

فالشاب سيلاقي فتاة يوحي الحديث بينهما بأنه تعرف إليها عبر الانترنت، وستقبل هذه الفتاة هدية الشاب التي هي الكاميرا التي تنتقل إلى والدها ومن ثم أخيها ولكل منهما عالمه وفساده الخاص، كما ليقول العارف إنهم جميعا منافقون، ولكل منهم عالمه الخفي الذي يتناقض تماما مع الصورة التي يظهر عليها.



 

 

 

 

 

من الفيلم السعودي «عيون بلا روح».

خامس أفلام الافتتاح القصيرة كان للكويتي عمر معصب وحمل عنوان «مجرد إنسان» وكان فيلم تحريك بخطوط بسيطة فحمية، إن صح الوصف، لمجرد إنسان في رحلة التلقين، وعلى شيء من التجريبية التي تتنازع فيها الرتابة مع المقولة الواحدة المتمثلة برمز ينوب عن سيزيف ربما، وامتلاء رأس الإنسان بشتى أنواع السلع والماركات والتعاليم، طبعا هذا يتكرر بالرسم نفسه والحركات المتقشفة للإنسان المرسوم طيلة 12 دقيقة مسكونة بالترديد الذي له أن يكون على وزن التلقين.

سادس الأفلام كان للعراقي فنار أحمد بعنوان «أرض الرافدين»» حيث الصورة حاضرة بقوة والحساسية مختلفة تماما كون الفيلم مصور بكاميرا 35 ملم تمنح فسحة مغايرة لكاميرا «ميني دي في» التي تسيّدت جميع الأفلام التي سبقته، مع الإشارة إلى جمالية التصوير والإضاءة مع طاقم عمل أوروبي وظفت قدراته بمهارة.

لفيلم أحمد أن يقدم رؤية مستقبلية للحاصل في العراق وله أن يصل عام 2030 كما يظهر على الشاشة والظلامية تتسيد كل شيء، وجميع من في الفيلم يواصلون حياتهم في ملجأ تحت الأرض غير قادرين أبدا على الخروج منها من هول ما يحدث في الخارج ولخطورة ما يعمه من فوضى.

نحن أمام شخصيات معطلة تماما عاجزة عن الاتيان بحركة، لها أن تكون «في انتظار غودو» الذي لن يأتي، لا بل إن الأمل لديها لا يتجاوز ما تتيحه لهم الرسائل التي يكتبها لهم أحدهم ويجيب عنها بنفسه، وليكون هذا الفعل هو الاتصال الوهمي الوحيد بالخارج الذي يكتشف تلفيقه أيضا، لكن يبقى الصبي طارق المتنقل بين الشخصيات التي تجتمع على اليأس ولنراه يخاطب أمه المدفونة في الملجأ نفسه تحت طبقة تراب خفيفة، وليكون طارق نفسه آخر أمل متبق ربما، ولعله الوحيد الذي سيخرج من ظلمة هذا الملجأ ذي الدهاليز والممرات اللا متناهية.

تويتر