الطيب صالح.. ثائر على قيود الرواية التقليدية

استلهم الروائي السوداني الطيب صالح الذي رحل أول من أمس، في العاصمة البريطانية لندن، معظم شخوص رواياته وقصصه من بيئته المحلية، وبالذات من قرية «ود حامد» الخيالية المغمورة التي تنام وادعة على ضفة النيل في شمال السودان. وعكست أعماله التي تميزت بثورتها على القيود التقليدية في بناء الرواية العربية، الصراع الحضاري بين القديم والجديد على النطاق المحلي، كما في رواياته «عرس الزين»، و«دومة ود حامد» و«بندر شاه»، وبين الشرق والغرب كما في روايته المشهورة «موسم الهجرة إلى الشمال».

وقال الناقد المصري الراحل رجاء النقاش بعد قراءته لرواية موسم الهجرة إلى الشمال «لم أصدق عيني وأنا ألتهم سطور هذه الرواية وأتنقل بين شخصياتها النارية العنيفة النابضة بالحياة، وأتابع مواقفها الحارة المتفجرة، وبناءها الفني الأصيل الجديد على الرواية العربية.. لم أتصور أنني أقرأ رواية كتبها فنان عربي شاب، ولم أتصور أن هذه الرواية الناضجة الفذة فكراً وفناً هي عمله الأول».

وكتب صالح روايته «عرس الزين» عام ،1964 والتي يعرف بطلها ـ الزين ـ بالبلاهة والدمامة في الوقت نفسه، لكنه يدهش اهل القرية عندما يتزوج اجمل فتياتها، بيد أن حفل العرس يوحد الفئات المتنافرة من اهل القرية، واستطاع الزين ايضاً أن يتصالح مع إمام القرية الذي كثيراً ما يتصادم معه. وقال الكاتب الإفريقي فيليب سادغورف عن هذه الرواية إنها «تمثل الآمال والأحلام التي يتمنى الكاتب ان تتحقق في مجتمع هادئ ومستقر، متجانس وسعيد حيث تحل فيه جميع المشكلات سلمياً».

ورأى نقاد أن صالح «استطاع من خلال رواياته ان يتحلل من قيود الرواية العربية التقليدية التي تركز على النقد الاجتماعي وتعكس الحقيقة المرة للحياة، وأن يعود بها للجذور المحلية، مستمداً من غموض وسحر ومرح وأحزان وأفراح القرية روحاً لكتاباته». وتطرح رواية «موسم الهجرة إلى الشمال» جدلية الصراع الثقافي بين الشرق والغرب، والذي تجلى في تجربة الراوي العائد لتوه الى قريته الصغيرة في شمال السودان، بعد تلقيه العلم في بريطانيا ليبدأ مهمته التدريسية هناك. حيث يلتقي بطل الرواية مصطفى سعيد الرجل الغامض الذي درس في اكسفورد، وتتكشف للراوي مع تطور البناء الدرامي غموض حياة سعيد ومغامراته مع النساء الأوروبيات.

وفي رواية «دومة ود حامد» يجسد الطيب صالح الصراع الحضاري، ولكن هذه المرة في نطاق تلك القرية الصغيرة على ضفة النيل، حيث يتحدث الرّاوي عـن مجيء الموظف الحكومي إلى القرية في بداية العهد الوطني بعد الاستعمار أي بعد سنه ،1954 ليخبر اهل القرية ان الحكومة ستنشئ محطة للباخرة بالقرب من شجرة يوجد تحتها ضريح «ود حامد» الشخصية المقدسة، ولكنهم لا يشاركون هذا الموظف حماسه، على الرغم من انهم يركبون حميرهم ويسيرون ضحى بأكمله ليصلوا للباخرة عند القرية الأخرى، ثم ثاروا ضده حتى كادوا يفتكون به، لكنه استطاع أن ينجو ويهرب من القرية على ظهر حمار. ولم يكن اهل القرية يريدون ان تقف الباخرة عند الدومة بعد ظهر الأربعاء، لأنه الوقت الذي كانوا يذهبون فيه لزيارة الضريح مع نسائهم وأولادهم ليذبحوا له النذور.

وفضـّلوا ألا تقف الباخرة في قريتهم، و أن يستمروا في تحمّل تعـب الطريق حتى البلدة المجاورة، فيكفيهم أن يستطيعوا زيارة الضريح بعد ظهر الأربعاء من كلّ أسبوع، كما فعـل آباؤهم وآباء آبائهم من قبلهم. وتمثل رواية «بندر شاه» في جزأيها: «ضو البيت» و «مريود» الصدام البيئي والحضاري بين القديم والحديث.

عودة إلى الجنوب

أفادت مصادر سودانية بأن جثمان الراحل الطيب صالح سيصل إلى مدينة أم درمان فجر اليوم، من لندن عن طريق الخطوط الجوية البريطانية، وسيشيع صباح اليوم، إلى مقابر البكري في موكب رسمي وشعبي تشارك فيه كل القطاعات في السودان. وكانت أسرة الفقيد أقامت سرادقاً للعزاء في منزلها في مدينة أم درمان.

«الثقافة الإماراتية» و«الإيسيسكو» تنعيان الراحل

بعث وزير الثقافة والشباب وتنمية المجتمع عبدالرحمن محمد العويس، برقية تعزية إلى وزير الثقافة السوداني محمد يوسف عبدالله، أعرب فيها عن تعازي أسرة الثقافة الإماراتية، بوفاة الطيب صالح. ونعى العويس، فقيد السودان والثقافة العربية، والذي استحق عن جدارة لقب «عبقري الرواية العربية»، من خلال أعماله الأدبية العديدة التي ترجمت لأكثر من 30 لغة. خصوصاً روايته الشهيرة «موسم الهجرة إلى الشمال » التي اعتبرت واحدة من أفضل 100 رواية في التاريخ الإنساني، وأعرب عن تعازيه لأسرة الفقيد وأقربائه وأهله في السودان ولقرائه ومحبيه في العالم العربي والعالم.

كما نعت المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة «الإيسيسكو» الكاتب الراحل. وأشادت في نعيها بالميزة الأدبية الأصيلة التي طبعت الأعمال الروائية لـ الطيب صالح، وقالت إن روايته الرائدة «موسم الهجرة إلى الشمال» نمط فريد في الرواية العربية المعاصرة يعزّز قيم الحوار بين الثقافات والحضارات بدرجة عالية من الشفافية والصدق الفني والإبداع.

أبوظبي ــ وام

طباعة