«كازا نيغرا».. حين تصبح الدار البيضاء سوداء

"كازا نيغرا" حائز على جائزة أفضل تمثيل في "دبي السينمائي". من المصدر

في ثاني أفلامه الروائية قدم المخرج المغربي نور الدين لخماري، ما له أن يكون مقاربة لعالم الدار البيضاء السفلي، دون أن تنقصه الاستعانة بمفاصل سينمائية عالمية لها أن تنقلها أي تلك المقاربة إلى مستويات جمالية وفنية تنهل من هنا وهناك لإحداث تعديلات إن صحت الكلمة لفجاجة الواقع ووقاحته، مبقياً من ذلك لغة الشوارع، وعلى شيء من تحميل الحوارات روحاً عبثية تهكمية.

عنوان جديد لخماري «كازا نيغرا» والذي عرض في الدورة الأخيرة من مهرجان دبي السينمائي ضمن أفلام مسابقة المهر العربي، ونال الممثلان عمر لطفي وأنس الباز جائزة أفضل تمثيل عن دورهما فيه، وقد كانا عنصرين رئيسين من عناصر نجاح الفيلم الذي ستكون فضيلته الأولى مقاربته الواقع وما يعيشه شابان مغربيان في مقتبل العمر تحت وطأة الفقر والتفكك الاجتماعي وبالتأكيد حلم الهجرة التي لها دائماً أن تأتي بوصفها حبل نجاة أخير، سرعان ما يكتشف أنه مقطوع، أو خطوة أولى نحو الغرق، وقبل كل ذلك كما سيكون عليه الحال مع كريم (عمر لطفي) حلماً مستحيلاً.

يسجل الفيلم مقولته من عنوانه، فكازا نيغرا (من نيغرا ونيغرو) هي اسم بديل لكازابلانكا وعربياً تمسي الدار البيضاء «الدار السوداء»، ولعل في ذلك مقولة أولية لن يمهلنا المخرج ليضعها أمامنا ومن بداية الفيلم، فنحن أمام كريم وعادل (أنس الباز)، الزمن متوقف، الأول يحلم بالسفر و يعيش تحت رحمة زوج أمه السكير الذي يضرب أمه ليل نهار، بينما يقوم عادل هو بإدارة تجارته الصغيرة، أولاد يبيعون السجائر لحسابه، سرقة من هنا، مبلغ من هناك، ومن ثم تنفيذهما لعمليات خاصة بزريق (محمد بنبراهيم) الذي نقع عليه كما لو أنه خارج من أحد أفلام المافيا الهوليوودية.

معظم الفيلم سيكون مكرساً لتسكع كريم وعادل، وعلى شيء من نبش المدينة، وتقديمها وفق مقتضيات الفيلم الذي يشكل توثيقه للحياة في الدار البيضاء مطمحاً أولياً، مع إحاطته بجرعات تزينية، إضافة للمثقب الذي يحمله زريق، وغير ذلك من الحرص على تحميل الشخصيات مقادير من الفكاهة والكوميديا والخصوصية والتي قد تكون أحياناً قادمة من واقعها، هذا لئلا نقول إنها متأتية من مؤثرات سينمائية معروفة.

عادل وقصة حبه مع سيدة يوحي كل شيء فيها بارستقراطيتها سرعان ما تفشل ما أن ينكشف واقعه المرير أمامها، بحيث يبدو الأمر مجرد حلم عابر لن يجد نفسه بعد انقضائه إلا أمام كابوس حياته اليومية، بينما ينجح كريم بتحقيق نجاح واحد يتمثل بتمكنه من تهريب أمه إلى قريتها وتحقيق نجاتها من براثن زوجها المتوحش، ومنحها كمية كبيرة من المال يكون استولى عليه في إحدى عمليات التي نفذها للزريق.

هذه هي المساحة المتاحة أمامهما، ولعل النهاية ستأتي كتأكيد على ذلك، فحين يقوم عادل وكريم بالتسلل إلى إسطبل للخيول لإعطاء إحداها حقنة وتنفيذ ما سألهم تنفيذه الزريق لتحقيق مكاسبه في مراهنات الخيل، يفلت الحصان منهما، ويهرب من الإسطبل ويمسي اللحاق به ضرباً من الجنون.

الكثير أثير حول هذا الفيلم، وبالتأكيد ضمن المحرمات الكثيرة التي يستقبل بها كل عمل إبداعي عربي، ابتداءً من «الحياء العام» وحراسه الكثر، وصولاً إلى الخوف المتأصل في عقليات رجعية وأصولية يصيبها الهلع متى وضع الواقع أمامها، وتبدأ في الحال بالنحيب والصراخ لا لشيء إلا لأنها لا تريد لشيء أن يتغير، ولا لأحد أن يرى.

طباعة