سالمين: المشاهد يترقب الفيلم الإماراتي الطويل

«بنت مريم».. صائد الجوائز المهرجانية لأفلام سالمين. من المصدر

لم يغب عن الحضور المؤثر عن أي من دورات «دبي السينمائي» الخمس، وعن دورتي مهرجان الشرق الأوسط في أبوظبي، فضلاً عن مسابقة أفلام من الإمارات ومهرجان الخليج السينمائي وسائر الفعاليات ذات الصلة بالفن السابع التي نشطت في الإمارات خلال فترة نضوجه الفني، من دون أن يغفل أهمية المشاركات الخارجية خليجياً وعربياً ودولياً التي كان احدث ثمارها الجائزة الذهبية لمهرجان الهربان الدولي في العراق، فكان المخرج الشاب سعيد سالمين الذي حصل أيضاً على لقب أفضل مخرج إماراتي لعام 2008 بمثابة سفير فوق العادة لسينما إماراتية ناشطة، جامعاً في مشوار قصير زمنياً 13 جائزة مهرجانية مختلفة تسع منها لـفيلم «بنت مريم».

وفي الوقت الذي لا ترصد فيه وجوه كثيرة من جيل سالمين في أروقة «دبي السينمائي»، فإن صاحب «بنت مريم» كان وجهاً إماراتياً التصق بمخيلة ضيوف المهرجان بفضل سعيه لخلق حوارات سينمائية مع نظرائه المخرجين الشباب وغيرهم من المخضرمين والنقاد الذين وفدوا على دبي من مختلف أنحاء العالم خارجاً بكل تأكيد بتصورات نظرية جديدة، باثاً في الوقت نفسه تصوراً لما لدى الآخر في ما يتعلق بالسينما الإماراتية.

سالمين: السينما الإماراتية حققت تميّزاً. تصوير: مصطفى قاسمي


وأشار سالمين في حواره مع «الإمارات اليوم» إلى أنه من خلال وجوده المستمر في المسابقات والمهرجانات العربية المختلفة لمس ترقباً شديداً لمولد الفيلم الروائي الإماراتي الطويل، مضيفاً «حققت صناعة السينما الإماراتية تميزاً لافتاً خلال السنوات الخمس الماضية في ما يتعلق بالأفلام الوثائقية والتسجيلية والقصيرة والمتوسطة، وتكونت لدينا خبرات مهمة من خلال الاحتكاكات بمدارس سينمائية، مختلفة فضلاً عن وجود الكثير من العناصر الموهوبة سواء في مجال الإخراج أو التأليف والسيناريو»، معتبراً أن المخرجين الشباب تجاوزوا حاجز الرهبة من خلال فوز أعمال إماراتية كثيرة بجوائز مهرجانية مهمة شهدت مشاركات من دول مؤسسة لصناعة السينما عربياً وإقليمياً، وهي كلها مؤشرات ـ حسب سالمين ـ تؤكد أن الميقات اصبح مناسباً لدخول الإمارات بقوة مجال صناعة أفلام روائية طويلة.

دعم غائب

ورأى سالمين أن غياب الدعم المؤسساتي وكذلك الفردي من أهم الأسباب التي أدت إلى عدم وجود نتاج محلي حقيقي في ما يتعلق بالفيلم الروائي، مضيفاً «النجاح الذي حققه الإماراتيون في مجال صناعة أفلام غير روائية كان يجب أن يحفز باتجاه دعم مشروعات أفلام روائية، لا سيما في ظل حالة احتفاء استثنائية من قبل إدارات المهرجانات السينمائية المختلفة بالفيلم الإماراتي وبشكل خاص على الصعيد العربي بالإضافة إلى الدفعة والزخم المهمين اللذين يستمدهما من مهرجاني دبي والشرق الأوسط الدوليين، فضلاً عن مهرجان الخليج السينمائي الذي يقام سنوياً في دبي»، وتابع «للأسف الشديد فإن حجم الاحتفاء بالفيلم الإماراتي عربياً أكبر بكثير من نظيره محلياً».

واعتبر سالمين أن الظرف التاريخي في صناعة السينما الآن في صالح المراهنة على إنتاج أفلام روائية طويلة، وقال «يلاحظ نقاد سينمائيون كثيرون أوجه شبه متعددة بين الأساليب والتقنيات السينمائية الإماراتية ونظيرتها الإيرانية، وهي مقولات نقدية وأوجه شبه يجب ألا تمر من دون تمحيص من قبل الراعين لصناعة السينما، لأن الفيلم الروائي الإيراني الذي يحظى بسمعة عالمية مرموقة يمر الآن بمرحلة تراجع واضحة من دون أن يكون هناك البديل المناسب حتى الآن لسد الفراغ الناشئ عن غيابه الواضح عن المحافل والمهرجانات السينمائية وفقدان بريقه الذي عٌرف به»، لافتاً إلى ان الفيلم الروائي الإماراتي يمكن أن يكون خياراً عالمياً مناسباً يعوض التراجع الحالي في السينما الإيرانية.

الجمهور أولاً

وعلى الصعيد الفني نفى سالمين أن يكون كمخرج يبني مشروعاته السينمائية وفق أجندة المهرجانات التي يعتزم المشاركة في مسابقاتها، مؤكداً «رغم انه لا مانع مهنياً أو أخلاقياً من هذا المسلك المقبول في ظل صناعة سينمائية تتجه عالمياً إلى مزيد من الاحتراف في الإنتاج، إلا أنني وكذلك سائر المخرجين الشباب في الإمارات نعمل بتلقائية شديدة». وأوضح «نهدف اولاً إلى إبداع أفلام تمتعنا وتمتع جمهورنا، ثم نبحث بعد ذلك عن المشاركة المهرجانية التي تمكنا من خلال الكثير منها من التعريف خارجياً بالمستوى الجيد الذي وصل إليه الفيلم الإماراتي، في الوقت نفسه الذي تمنحنا فيه تلك المشاركات مزيداً من الثقة ودافعاً مهماً لمواصلة العمل السينمائي».

ورأى المخرج الإماراتي أن «الإخلاص لفنيات العمل السينمائي والاشتغال على استثمار الأدوات المختلفة المتاحة هو الأنجع من تقديم عمل مفصل لتوجهات مهرجان بعينه»، مضيفاً «لا أعتقد بأن هناك فيلماً مهرجانياً وآخر جماهيرياً كما يشاع، وإلا بماذا نفسر فوز «بنت مريم» الذي يعالج مشكلة اجتماعية محلية بجائزة الجمهور ثم النقاد في مهرجان إيطالي»، مستدركاً «في كل الأحوال لا يعني أن فيلماً ما بعينه جماهيري بأنه فيلم تجاري بالمصطلح السلبي للكلمة، لأن هذه المقولة تحديداً تحمل إيحاءات بسذاجة الحس السينمائي للجمهور، وهو أمر غير صحيح، وفي حالة صوابه فإن السينمائيين هم المطالبون بتقديم أعمال فنية حقيقية تعالج وتهتم بما يشغل الناس كي تصبح جماهيرية».

واعترف سالمين بأنه كان يخشى أن تخرج الإمارات في الدورة الخامسة لمهرجان دبي السينمائي من دون جوائز في المسابقة الأساسية «مهر الإبداع العربي»، مضيفاً «من بين 12 فيلماً في مسابقة مهر الإبداع العربي للأفلام القصيرة لم تشارك الإمارات سوى بفيلمين اثنين هما «باب» للمبدع وليد الشحي، و«بنت مريم»، وهو أمر سبب لي توتراً على مدار أيام المهرجان ومسؤولية كبيرة، لا سيما وأنني كنت أتحسب لأن يأخذ المحكمون في الاعتبار حجم الجوائز المتعددة التي جناها «بنت مريم»، لذلك انحصر هدفي في هذه المسابقة بأن يحرز أحد الفيلمين الإماراتيين جائزة ما تحفظ اعتبار الفيلم الإماراتي».

إمارات الستينات 

قال سعيد سالمين الذي فاز بلقب أفضل مخرج إماراتي لعام 2008 إنه يستعد لإخراج فيلمه الروائي الأول الذي يأتي في قالب تاريخي يعود بالزمن الدرامي إلى ستينات القرن الماضي، رافضاً الكشف عن تفاصيل العمل الذي كتبه محمد حسن أحمد.

وأكد أن «الفيلم الإماراتي الطويل لا يواجه مشكلات فنية أو حتى تسويقية، بل يواجه مشكلات تمويلية تتعلق بمدى ثقة وقناعة المنتجين بالمراهنة على أعمال سينمائية تحتاج لميزانية جيدة في ظل غياب تجارب سابقة مطمئنة لصاحب رأس المال»، مضيفاً «الخروج من هذا المأزق الذي قد تحيلنا جدليته لأحجية أسبقية البيضة للدجاجة أو العكس لن يكون إلا من خلال دعم رسمي مادي في المقام الأول من أجل المساهمة في انطلاقة الفيلم الإماراتي الطويل».

«القصير» ليس فقيراً

أشار المخرج الإماراتي، سعيد سالمين، إلى أن هناك خلطاً نقدياً جائراً لم يراعِ التطور الكبير الذي لحق بالفيلم القصير، وبشكل خاص على الساحة الإماراتية، وبين الفقر الإنتاجي والإخلال بثوابت وفنيات أساسية في صناعة السينما اعتقد البعض أن الأفلام القصيرة ليست سوى محاولات أولى لمجموعة من المخرجين الهواة الذين ينتجون أفلاماً في أوقات فراغهم.

واستطرد سالمين الذي أخرج ثمانية أفلام منها «جدران»، «هبوب»، «عرج الطين»، «الغبنة»: «ليس الجوهري في الفيلم القصير أن يقدم حدوتة درامية مختصرة زمنياً، بل إخلاصه لفنيات وتقنيات سينمائية تتعلق بجنسه في ما يرتبط بأسلوب الإخراج وحركة الكاميرا، وليس اختزال السيناريو»، مضيفاً «أسعى في معظم أفلامي القصيرة إلى إيصال سقفها الزمني إلى هامش تختلط فيه حسب النظرة الكلاسيكية بالفيلم الطويل من أجل التأكيد على تلك الأطروحات النقدية».
  

طباعة