«الدوقة».. أنوثة تحت مرمى الرجل

في هذا الفيلم يتأسس كل شيء ليقودنا إلى صدام الأنوثة بالذكورة. آوت ناو

تستدرك الأسطر التالية فيلم «الدوقة»، الذي عرض في الدور المحلية منذ أكثر من شهر، وليكون الارتداد هنا بأثر رجعي له أن يتجلى بقوة عبر الأنوثة، وحياة امرأة هي دوقة في النهاية لكنها على التقاء مع الكثير من الشخصيات النسائية (مدام بوفاري، آنا كارنينيا.. وحتى أبريل الشخصية الرئيسة في فيلم «طريق ثوري» المعروض حالياً)، التي قدمها الأدب والسينما وعلى شيء صار نموذجياً في تصويره عذابات المرأة واصطدام رغباتها وتطلعاتها بذكورة متسلطة عليها دائما، تقمع وتضطهد وتحد من انزياحاتها عن كونها زوجة وأماً وربة بيت فقط لا غير.

في فيلم «الدوقة»، الذي أخرجه سول ديب، يمتد الأمر إلى حالة تسود الأوساط البريطانية بأن جورجينا هي عمة الأميرة ديانا، كون عمتها أيضاً تتزوج في السادسة عشرة من عمرها، ومن دوق يكون لديه الكثير من العشيقات وإلى ما هنالك مما يجده الانجليز على التقاء مع عمة ديانا أميرة ويلز الراحلة.

في ما تقدم أسباب خاصة بالانجليز للاهتمام بهذا الفيلم، إلا أن ما يقودنا إليه لا علاقة له بذلك، ففي هذا الفيلم يتأسس كل شيء ليقودنا إلى صدام الأنوثة بالذكورة، فجورجينا «كيرا نايتلي» تتزوج من دوق ديفنشور «رالف فينيس»، ولم تكن قد تجاوزت السادسة عشرة من عمرها، ولتكون فرحتها كبيرة بهذا الزواج الذي سيحولها بين ليلة وضحاها إلى دوقة وتحت قدميها مسافات مترامية الأطراف من الأراضي والأملاك، إضافة لحضور اجتماعي وسياسي مميزين.

لكنها وسرعان ما تستيقظ على كابوس الواقع، واقع الدوق نفسه، شخصيته الغامضة، فهو صامت دائماً، لا يخاطبها إلا عندما يريد شيئاً وغالباً بصيغة الأمر، ومن ثم تتوالى الاكتشافات، مع إحضار طفلة صغيرة وسؤاله إياها أن تربيها، ولتكون تلك واحدة من بناته غير الشرعيات، ويتفاقم الأمر أكثر برغبة الدوق بأن تنجب له جورجينا ذكوراً فقط، وهي التي لم تنجب له بعد إلا الإناث.

الأحداث تتوالى وتتصاعد، ولعل السمة البارزة لشخصية جورجينا هي العذوبة، واصرارها على الحب، وإحاطة كل ما حولها بحضورها اللطيف، فهي قادرة على تطويع كل شيء في خدمة سعادتها ومن حولها واستيعاب جنون الدوق وغرابة أطواره، لكن حين يصل الأمر إلى حد اتخاذ الدوق أعز صديقاتها الليدي سبنسر (شارلوت رامبيلينغ)، لا بل صديقتها الوحيدة عشيقة له، تخرج عن طورها وتدخل في نفق طويل من العذابات والصراعات، ولتجد نفسها امرأة مهجورة هي وبناتها، كما أن انجابها طفلاً ذكراً لم يغير شيئاً، وتملي عليها أنوثتها خيانة هذا الزوج المتوحش، والعودة إلى تشارلز غراي (دومنيك كوبر) الشاب المعجبة به منذ مراهقتها، والانغماس تماماً في علاقة حب عاصفة.

الدوق لن يقف مكتوف اليدين، سيسحق تلك العلاقة، سيهددها بأنها لن ترى أولادها أبدا، وعليه تنتصر أمومتها وتعود إلى الدوق، من دون أن يسمح لها بتربية ابنها من غراي، الذي تلده وتسلمه إلى عائلته بناء على أوامر الدوق، وعلى عكس ما فعلت معه حين ربت له ابنته غير الشرعية كواحدة من بناتها.

قد يتبدى الفيلم من بعيد على شيء من الميلودراما، والتي لن نشعر بها من جراء انسيابيته وقدرات رالف فينس على لعب شخصية كهذه، وبالتأكيد كيرا نايتلي، ثم إن صراعات كل شخصية مبنية على أسس متينة تقدم لنا بنية درامية متكاملة ومتناغمة.

ما بدأنا به يملي علينا التأكيد أن الدوقة لن تصل إلى ما وصلت إليه بوفاري وكارنينيا، فهي سرعان ما تضع حداً للمأساة، عبر استكانتها، واستسلامها لواقعها والتعايش معه، وبالتالي لن يتجاوز الأمر تمرداً عابراً أو شغباً، سرعان ما ينقضي، وتعالج نتائجه ببقاء كل شيء على حاله تحت خيمة الأرستقراطية الحميدة.
طباعة