أوجاع عراقية تتجسد بالبــرونز

الكبيسي والعامري خلال افتتاح المعرض. تصوير: محمد حكيم

اختار الفنان العراقي معتصم الكبيسي مشاهد من الواقع الذي يعيشه العراق في السنوات الأخيرة لتجسيدها في أعماله التي ضمها المعرض الذي افتتح مساء أول من أمس في المجمع الثقافي في أبوظبي، وضم عدداً كبيراً من المنحوتات البرونزية المعبرة.

ونجح الكبيسي في تطويع معدن البرونز ليخرجه من صمته، ويحوله إلى شاهد، على ما عانى ـ ومازال يعاني ـ منه العراق في فترة ما قبل دخول قوات الاحتلال إليه وما بعدها، عامداً إلى استخدام لغة إنسانية ذات رمزية دالة تمنح المشاهد رموزاً هي بمثابة مفاتيح فكرية تقوده عبر بوابة التأويل لقراءة جوهر الواقع العراقي دون التركيز على الظاهر والمعتاد.

وضم المعرض الذي افتتحه مدير إدارة الثقافة والفنون في هيئة أبوظبي للثقافة والتراث، عبدالله العامري، ويستمر حتى الرابع من فبراير المقبل، مجموعة كبيرة من المنحوتات البرونزية، وعلى الرغم من تنوعها إلا انه يمكن إدراجها تحت عنوان كبير هو «أوجاع عراقية»، تكرر فيها ظهور التكوين الإنساني، والذي كان رجالياً في الغالب، مع ظهور محدود للمرأة، وهو ما يرجع ـ بحسب الكبيسي ـ إلى رغبته في تناول «موضوعات ذات بعد إنساني عام تخص الرجل والمرأة على السواء، من دون ان تضع فروقاً بينهما، فالهم والوجع والمعاناة لا تفرق كثيراً بين رجل وامرأة بل هي تجمعهما معاً لمواجهتها وتحملها»، لافتاً إلى انه في أعماله لا يهدف إلى تجسيد الرجل كرجل، ولكن كرمز للإنسان بشكل عام ولذا لم تكتسِ منحوتاته ملامح الخشونة التي تميز الرجل بوضوح، في اشارة لعدم التخصيص.

وتميزت أعمال الفنان بلغتها الرمزية العالية، حيث حملت العديد من الإشارات والرموز التي تختصر الكثير من المعاني، ومن بينها منحوتة لثلاثة رجال يجلسون في مشهد محاكمة ولكن استطاع الفنان عبر استخدامه لإشارات مثل أصابع الاتهام التي يشير بها كل من الجالسين نحو الآخر، وحالة الخوف والقلق التي أضفتها لمسات الفنان على العمل عكست المعنى الذي يرمي إليه، وان القضاة هم أنفسهم المتهمون.

ومن الأعمال اللافتة في المعرض أيضاً منحوتة لشخص يركل الهواء بقدمه بكل ما أوتي من قوة وقد اكتسى تكوينه بالكامل بمعاني الرفض، وهو ما أشار إليه الفنان موضحاً انه نفذ هذا العمل في لحظة دخول قوات الاحتلال إلى العراق، ولذلك جاء محملاً بكل ما طاقة الرفض التي حملها الشعب العراقي لما يتعرض من اعتداء.

ومن الرموز التي بدت واضحة في أعمال المعرض الأقدام الضخمة لعدد من منحوتاته، والتي يشير إليها الكبيسي باعتبارها «علامة ترتبط بالفلاح الذي يقضي معظم وقته في زراعة أرضه والعناية بها، وبالجندي كذلك، وهي في أعماله رمز للارتباط الوثيق بين الإنسان وأرضه، ورغبته في التمسك بها في مواجهة كل القوى والعوامل التي تسعى لاقتلاعه منها».

وحضرت الأقنعة بوضوح في غالبية أعمال الفنان العراقي، بينما ارتدى عدد كبير منها القفازات في يديه، في حين ظهرت بعض أعماله من دون رأس على الإطلاق، وأوضح الكبيسي ان «استخدام الأقنعة يرمز للوجوه المتعددة التي قد يضطر الإنسان لارتدائها في اليوم الواحد، وقد تكون إشارة إلى ان أشخاصاً يعيشون حياتهم خلف أقنعة تخفي ما يقومون به من ادوار وأفعال بعيداً عن الضوء، بالإضافة إلى انني نشأت في عائلة ملتزمة دينياً واستخدام الأقنعة في ما أقوم به من أعمال يعفيني من التساؤل حول شرعية ما أقوم به من أعمال»، مفسراً المجسمات البشرية التي لا رأس لها بأنها اشارة إلى ان «الرأس او العقل في زمننا هذا اصبح امراً غير مطلوب».

وأضاف ان «العمل الفني في رأيي ليس قصة او حكاية على الفنان ان يعرضها بكل تفاصيلها امام الجمهور، ولكنه يقدم رموزاً ذات معنى تحفز المشاهد لتأويل العمل مستنيراً بهذه الرموز وايضاً بالخلفية التي يستند اليها الفنان من حيث الزمان والمكان والبيئة التي نشأ فيها والمجتمع الذي يعيش فيه وما يشهده هذا المجتمع من واقع يومي»، مشيراً إلى عدم ميله لشرح اعماله للجمهور او وضع عناوين واضحة لها، حيث يؤدي الشرح والتفسير إلى استقطاب المشاهد تجاه جانب معين ويحرمه من التفاعل مع العمل الفني بحرية.

طباعة