«فالس مع بشير» وأطفال غزة

»فالس مع بشير« يحتكم إلى سريالية تحوّل الواقع إلى أحلام متصلة. آوت ناو

لم يجد المخرج الإسرائيلي آري فولمان من شيء يقوله لدى نيله الأحد الماضي جائزة أفضل فيلم أجنبي في«الغولدن غلوب» عن فيلمه «فالس مع بشير» سوى تمنيه أن يصبح فيلمه «لعبة فيديو لا علاقة له بحياة الأطفال عندما يصبحون كباراً»، على شيء من التعميم الذي ينأى به عن القتل الحي والمباشر لأطفال غزة، وواقعيته وتناقضه مع ما يفترض أن فيلمه سابق الذكر قد قدمه بوصفه هجائية مطولة للمؤسسة العسكرية الاسرائيلية، وكل ما تحتكم عليه من وهم صارخ يتمثل بجبروتها الذي بدا في الفيلم أشبه بالنكتة المحاصرة بخوف الجنود الاسرائيليين الأسطوري، ونحن نراهم يطلقون النار طيلة الوقت بلا توقف وهم يتقدمون في جنوب لبنان.

قبل العرض للفيلم «هذه هي المرة الثانية» يجب التأكيد على أن الفيلم في جانب منه يحمل هروباً من شعور هائل بالذنب يحاصر مخرجه من جراء كونه مساهماً «بشكل غير مباشر» في مجازر صبرا وشاتيلا، ولعل عنصر فقدان الذاكرة يأتي من هذا الجانب، لكن عقدة الذنب يبدو مشكوكاً بها وأشبه بالوهم عندما يتعلق الأمر بتصريحه الذي له أن ينطبق على جميع الأطفال إلا الفلسطينيين كما تؤكد لنا دولته يومياً، كما أن جانباً آخر سيدفعنا للقول، أليس من الوهم أيضاً مطالبته بأكثر، خصوصاً مع تكاثر ما نسمعه ونقرأه في الصحافة العربية من آراء وتحاليل مريخية، وترافق ذلك مع النبرة الإنسانية العالية التي يلفقها كتاب إسرائيل «العظام» عاموس عوز وديفيد غروسمان وأ.ب. يهوشع وهم يتحدثون الآن عن «الألم الجماعي الذي تعانيه اسرائيل المسالمة». وحشية الهجوم الاسرائيلي على غزة ستضع كل ما يعرف بالمثقفين الاسرائيليين «التقدميين» على المحك، بحيث تتبدى صفة «التقدمية» التي تلصق بهم في بعض الصحف العربية مثاراً للسخرية والتندر، وفعل إدانة ضرورياً لوصفهم بمثقفين أصلاً، كون الفعل الثقافي فعلاً انسانياً نقدياً بالدرجة الأولى، ولدى الإخلال بأحد الشرطين يمسي الأمر مضحكاً ومأساوياً في آن معاً.

تنصّل مرحلي

عقدة الذنب التي يقدمها الفيلم تحيلنا إلى التنصل أيضاً، التنصل المرحلي، وحفلة جلد الذات التي تخلص من الخطايا، وعليه ينتاب من يقدم على ذلك شعور بالمغفرة وبالتالي الجاهزية لارتكاب المزيد من الخطايا، ولعل فولمان يقارب فيلمه من هذه الزاوية، لا لشيء إلا لحقيقة أن الشعور بالذنب في الحالة الإسرائيلية يستدعي حالة عارمة تنطلق من نشأتها ولا تنتهي بغزة، فما خفي أعظم، وعلى تناغم تام مع انعدام جلد الذات العربية، التي تستشعر وبقدرة هائلة على الوهم والدجل بأنها لا تحمل على عاتقها إلا الحسنات، مع أنها أيضاً مساهمة بالمأساة الفلسطينية حتى إن تعلق الأمر بالنيات الحسنة.

يقارب فولمان فيلمه أولاً بمزج خاص يجمع الوثائقي بالأنيماشن، لا بل يمضي التوثيق كموجات متوالية من استجماع الذاكرة بالاتكاء على الأحلام كأداة رئيسة ، في محاولة للوصول إلى صورة مكتملة لنا أن نشاهدها في نهاية الفيلم، أي مع وصولنا إلى مجزرة صبرا وشاتيلا.

حلم متكرر

يبدأ الفيلم بكلاب مسعورة تركض في الشوارع، وصولاً إلى أحد البيوت حيث تتجمع وتمضي بالنباح تحت إحدى النوافذ التي يطل منها رجل، ولنمضي إلى لقطة أخرى نشاهد فيها ذاك الرجل جالساً أمام رجل آخر هو فولمان نفسه في حانة بتل أبيب.

نكتشف أن ما شاهدناه هو عبارة عن حلم متكرر يعاود صديق فولمان كل ليلة، وليكتشف هذا الأخير أن جزءاً مهماً من ذاكرته مفقود تماماً يتمثل بمشاركته في اجتياح ١٩٨٢ لبيروت ومجزرة صبرا وشاتيلا التي كان شاهداً عليها أثناء خدمته العسكرية، وعليه يمضي الفيلم في تعقب محاولات متعددة لاسترجاع تلك الذاكرة عبر مقابلة أصدقائه ورفاقه في الاجتياح.

يضيء فيلم «فالس مع بشير» مهزلة الحرب، لتكون كل اللقطات التي تصورها قادمة من ذكريات الجنود وبسخرية كبيرة، إذ نجدهم لا يتوقفون عن إطلاق النار طيلة الوقت، وهم في خوف متواصل، وهناك مشاهد كثيرة لها أن ترسخ في الذهن، مثل الكمين التي تتعرض له الدبابات الاسرائيلية، وكيفية نجاة الجندي الذي يروي حكايته، وبناء كل شيء على أن الجنود الاسرائيليين كانوا لا يفعلون شيئاً سوى إطلاق النار بعشوائية حفاظاً على حياتهم.

في الفيلم حلم يكتمل رويداً رويداً له أن يكون حلم فولمان نفسه، حيث ثلاثة جنود يصلون إلى شاطئ بيروت عراة تماماً، يرتدون بدلاتهم ويأخذون أسلحتهم، يقطع هنا ويكرر لثلاث مرات.

ثم يصار إلى ربط هذا الحلم بالنهاية التي تأتي صادمة، ومتسلحة بكل ما يتسبب بأثر دامغ، فمع تصوير فظاعات صبرا وشاتيلا بالصور المتحركة التي تشكل كل مادة الفيلم، ومطابقة هذه الصور لصور حقيقية نعرفها، يكون الحلم قد وصل إلى أن الجنود الثلاثة يحدقون بشيء مروع قادم نحوهم، ولنكتشف بأن النساء المنتحبات اللواتي خرجن هلعات من المخيم في طريقهن نحوهم ولينتهي الفيلم بالانتقال إلى صور حقيقية، تبدأ من تلك النساء الحقيقيات، ومشاهد الجثث المكدسة، والأطفال ولعبهم المغمورة تحت ردم البيوت، في تطابق تام مع ما رأينه كرسوم متحركة.

إيغالاً في الأحلام أكثر، فإن الفيلم يحتكم على سريالية تحوّل الواقع إلى أحلام متصلة، لي هنا أن استعيد كمثال آخر حلم أحد الجنود، الذي يكون في قارب حربي مصاباً بدوار البحر، فإذا بامرأة عارية هائلة الحجم، تأتي وتأخذ بيده، لتسبح على ظهرها وهو معانق لها، ولينفجر القارب بعد ذلك.

تجاهل المجزرة
يؤكد فيلم «فالس مع بشير» مسؤولية القيادة الإسرائيلية عن المجزرة عبر تجاهلها، ويبعدها تماماً عن الجنود الذين نراهم يقومون بإبلاغ القيادات بأن فظائع ترتكبها «الميليشيات المسيحية» في المخيم، ولتكون الردود دائماً ساخرة، تدعوهم لئلا يتدخلوا بما لايعنيهم، ويتبنى الفيلم أن كل ما ارتكب في المخيمين جاء كرد فعل على اغتيال الرئيس اللبناني بشير الجميل والذي يقول عنه الفيلم «إنه كان بمثابة إله لأنصاره». كل التوقعات في الدورة الأخيرة من مهرجان «كان» كانت تتجه إلى أنه سينال السعفة الذهبية، ولعل احتمال نيله «أوسكار» أفضل فيلم أجنبي وارد بقوة، فالفنية العالية تتكلم، على عكس ما نقترفه من أفلام، والتي تستدعي عقدة ذنب إبداعية، تكون الرداءة مأخذاً تاماً علينا، فكلما اتسعت الرداءة ضاقت الحياة

طباعة