«مناخات».. حب للشمس والثلج

    من فيلم «القرود الثلاثة» آخر أفلام المخرج التركي نوري جيلان والذي حاز على جائزة أفضل إخراج في الدورة الأخيرة من مهرجان كان، إلى «مناخات» فيلمه الذي يطالبنا بالعودة إليه خصوصاً بعد الجماليات الخاصة التي حملها «القرود الثلاثة»، وقد خصص له الكثير على هذه الصفحة بوصفه واحداً من أهم أفلام عام 2008. «مناخات» 2006 مقدمة ضرورية لما حمله «القرود الثلاثة» وله أن يكون على اتصال وتناغم بما يضعنا مباشرة أمام مخرج على قدر خاص من الإبداع، وله أن يكون مسكوناً بتقديم صورة مغايرة ومشهدية وفية للأبهى في السينما العالمية.

    مباشرة نتعقب فيلم«مناخات» مناخاً وراء آخر، لقطة وراء لقطة، والحديث عن قصته يمسي تحصيل حاصل، السؤال الأبرز يكمن في كيف يروي جيلان قصته بصرياً؟ كيف للأحداث أن تتوالى وكل ما لدينا خالٍ من الأحداث، فقصة الفيلم تتلخص بأن بهار «ايبرو جيلان» ستهجر عيسى «المخرج نوري جيلان» لأنها اكتشفت خيانته مع امرأة أخرى اسمها سيراب «نازان كيرلميس»، هذه هي القصة ببساطة، والتي نشاهدها من أول الفيلم إلى آخره، الذي يمكن تقسيمه على هذا النحو: قبل الهجران، أثناء الهجران، بعده ومحاولة عيسى أن يعود إلى بهار.

    الكلام قليل، الصورة تتولى كل شيء كما هي السينما الحقيقية، نحن في موقع أثري عيسى يلتقط الصور، بينما بهار شاردة ووجهها متلبد بالحزن، هدوء يتيح لنا سمع أي نأمة، صوت خفقان أجنحة الطيور، الذباب، ومن ثم تغرق بهار في بكاء صامت.

    بعد ذلك يقضي على الهدوء، صوت دراجة نارية يقودها عيسى وخلفه بهار، الطريق جبلي، كلاهما شاردان، ثم فجأة تضع بهار يديها على عيني عيسى فيقعان على مقربة من حافة الوادي، تتركه بهار وتعود مشياً على الأقدام.

    يمكن متابعة ذلك إلى ما لانهاية، كيف يكونان على البحر، جسد بهار مبلل بالعرق، بينما هي نائمة على الشاطئ وفجأة يداهمها كابوس، إنه عيسى يغمرها برمال البحر. ونتعرف بعد ذلك إلى سيراب، والتي يعود ويراها عيسى، ويعود إلى علاقته بها ذات الطابع الحسي البحت، بحيث تكون علاقتهما الجنسية ميالة للمازوشية والسادية.

    الجزء الأخير من الفيلم يترك لتعقب عيسى لبهار التي تكون في صدد تصوير مسلسل تلفزيوني في منطقة نائية من تركيا تغطيها الثلوج، يراقبها وهو يشرب الشاي والدنيا بيضاء تماماً في الخارج، وحين يتواصل معها ترفض أن تعود إليه، لكن وفي منتصف الليل وهو نائم كعادته وقد وضع درجاً تحت رأسه بدل الوسادة يقرع بابه فإذا بها هي، تأتي لتنام بجانبه على السرير وفي الصباح تمضي كما لو أنها المرة الأخيرة التي ستراه فيها.

    كل ما سرد سابقاً لا نفع له، ما لم يكن الأمر متروكاً للصور، للمشهدية، لتقديم كل شيء عبرهما ومن خلالهما فقط، حيث الصورة هي الحامل الجمالي لكل عوالم الفيلم، والمناخات المتبدلة تشكل خلفية استثنائية للقطات المحتشدة بالمعاني، إنها لقطات طويلة لتقول كل شيء، ما من شيء يسمى بل يترك لك كمشاهد أن تسمي الأشياء بأسمائها، سيراب بملامحها وقصة شعرها وإيماءاتها تقول من هي، وجه بهار يحكي كل ماله أن يصورها عاشقة من نوع خاص، هدوء عيسى أقرب لما يسبق العاصفة، مع أعماقه السحيقة. كل شيء في فيلم جيلان مبني لقطة بلقطة، ما من شيء ينقص هنا أو يكثر، إنه فيلم مصاغ بميزان من ذهب.
    طباعة