«خائن» لمن يفسدون في الأرض

دون تشيدل في دور خلال الفيلم. أرشيفية

يمكن مقاربة فيلم Traitor «خائن» الذي يعرض حالياً في دور العرض المحلية بوصفه فيلم «أكشن» بامتياز، ولتكون هذا المقاربة أولية إذ إنها سرعان ما تغيب تحت الأبعاد السياسية التي يحملها، والمقولات التي ستتناثر في أرجاء الفيلم، بما يدفع إلى القول: إنه فيلم يعرف تماماً ما يود قوله، ولعل صياغته المحكمة تأتي من هذه الحقيقة.

تشكل كلمة «الإرهاب» مفتاح الفيلم، كما هي أيضاً في مختلف جوانب الحياة في المرحلة الراهنة، وليحضر في الحال السؤال عن الكيفية التي قارب بها «خائن» ذلك، ومن أية جهة كان هبوبه باتجاه الإرهاب والإسلامي تحديداً..وعليه سيكون الفيلم من أوله إلى آخره محاولة للإجابة عن ذلك.

يعترف فيلم «خائن» الذي أخرجه جيفري ناشمنوف بأن الحقيقة معقدة وذات أوجه عدة، حالها حال الشخصية الرئيسة في الفيلم أي سمير (دون تشيدل) الذي نشاهده منذ البداية طفلاً يرى بأم عينه كيف تنفجر سيارة والده أمام عينيه الصغيرتين في السودان، ولننتقل بعد ذلك إلى اليمن حيث سمير الكبير تاجر أسلحة في طريقه إلى بيع مجموعة إسلامية متفجرات وما إلى هنالك، وليدهم الأمن اليمني وعميلان من عملاء «إف بي آي» هذه المجموعة؛ لا يقبل سمير التعامل مع العميلين، ويودع في سجن صحراوي إلى أن يتمكن من الهرب بمساعدة عمر (سعيد تغماوي)، وليدخل بعد ذلك في إحدى الخلايا الإرهابية، فهو مسلم ملتزم تماماً، ويمتلك خبرة واسعة في القتال كونه شارك في حرب أفغانستان إبان الاحتلال السوفيتي، ويمتلك خبرة واسعة في صناعة المتفجرات.

تتوالى أحداث الفيلم في إضاءة لما يتسيد هذه الخلية من مفاهيم وأفكار مقدمة بعناية، ولنكتشف أثناء ذلك أن سمير ما زال يعمل مع المخابرات الأميركية، وأنه في مهمة فائقة السرية لاكتشاف هذه الخلية التي تقف خلف عدد من التفجيرات حول العالم، يقوم بإحداها من خلال تفجيره القنصلية الأميركية في مونبلييه، ولتكتشف أن الأمر مدبر بحيث لا يكون هناك من ضحايا.

تجدر هنا الإشارة إلى أن الفيلم سيمضي إلى نهايته بإيقاع سريع ومتناغم مع أحداثه إلى أبعد حد، والنهاية التي نصل إليها ستكون على شيء من تطويع لكل ما حمله الفيلم، فنحن نكتشف تناقضات السلفيين وتناقضات أفكارهم، وفي السياق نفسه ضبابية رؤيتهم، وليأتي سمير المسلم الملتزم بتعاليم دينه، مثالاً لرؤية مناقضة لهؤلاء الذين لن يكونوا في النهاية إلا قتلة يتخذون من الدين غطاء لمطامحهم التدميرية. مع سمير يبرز عمر الذي يكون بشكل أو آخر شخصية قلقة، وفي داخله تكمن صراعات عدة ينجح سمير في أن يأخذها إلى الاتجاه الصحيح حسب رؤيته، لكن عمر يقتل في النهاية، فلا مكان في هذه الحرب اللعينة للمترددين. وعلى الجانب الآخر يقدم الفيلم نموذجين أميركيين من جنود المعركة مع الإرهاب، الأول المحقق روي (غاي بيرس) الذي يكون متقناً للغة العربية وعلى اطلاع واسع على تعاليم الإسلام وتاريخه، مع إدراكه لطبيعة الصراع المتورط فيه، بينما يكون المحقق ماكس (نيل ماكدونوف) على النقيض تماماً، ولذلك نشـاهده لدى التحقيق مع سمير في بداية الفيلم يـقوم بضربه.تحضر على لسان سمير الكثير من الآيات القرآنية، في مسعى واضح للفيلم في فصل الإسلام عن الإرهاب، وأنه ـ أي سمير ـ يشكل نموذجاً ثالثاً في الحرب على الإرهاب، إنه مسلم ملتزم تماماً بتعاليم دينه لكنه يقف ضد هؤلاء الإرهابيين، لأنه يؤمن كما سيقول لروي في نهاية الفيلم «من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً».

فيلم «خائن» يستحق المشاهدة لأكثر من سبب، لعل أولها التعرف إلى مقاربة مختلفة للحرب على الإرهاب، مقاربة تحكمها الموضوعية والبحث عن زاوية رؤية مغايرة، لها أن تمجد الخائن إن يسعى إلى أن يحيي الناس جميعاً.

طباعة