شـارلي شـابـلن.. شيوعي مستتر

رغم المكانة التي بلغها الممثل والمخرج السينمائي الرائد شارلي شابلن وما ترتب عليها من تقدير في معظم دول العالم وفي بلده بريطانيا، فإن هذا لم يشفع له أمام النائب العام الاميركي الذي رفض في سبتمبر  1952 منحه تأشيرة دخول وهو في عرض البحر قادماً من بريطانيا الى الشاطئ الأميركي.

كما لم يشفع لشابلن في فترة ملاحقة مثقفين وفنانين أميركيين بتهمة الشيوعية أو ما يعرف بالمد المكارثي أنه قدم عام 1940 فيلم «الدكتاتور العظيم» ساخراً من زعيم ألمانيا النازية أدولف هتلر. وأمام اتهامه بالشيوعية لم تفلح محاولاته الدفاع عن نفسه على مدى بضع سنوات فاضطر لمغادرة البلاد نهائياً. وكان على امتداد مسيرته يعتبر شيوعياً مستتراً تحت غطاء الكوميديا، حتى ان الجهات الامنية الاميركية اعتبرته خطراً على الامن القومي الاميركي.

وسجل كتاب «هل أنت شيوعي يا مستر شابلن» أن شابلن وجد حفاوة شعبية وسينمائية في كثير من دول العالم وكرم في أكثر من مهرجان دولي، وفي بلده بريطانيا أقيم له تمثال كبير أزيح عنه النقاب يوم 16 أبريل 1981 «على بعد خطوات من تمثال شاعر المسرح الإنجليزي الخالد» وليام شكسبير.

ولشابلن في مصر تقدير كبير ففي عام 1958 صدر كتاب «عزيزي شارلي» للمخرج السينمائي المصري الرائد كامل التلمساني «1915 - 1972» الذي سجل فيه أن شابلن عقب العدوان الثلاثي «البريطاني - الفرنسي - الإسرائيلي» على مصر عام 1956 لم يتردد في الاعتراض على السياسة العدوانية لحكومة بلاده بريطانيا قائلاً إن واجب «الشرفاء في العالم كله هو الكتابة عن الكفاح الشعبي المسلح في مصر. إن مصير الاستعمار حتماً الى زوال».

وحياة شابلن جديرة بالتأمل في الصعود من القاع الى القمة منذ ولد عام 1889 في حي كيننغتون بلندن مروراً بالقبض عليه مع أخيه سيدني بتهمة التشرد وإدخاله ملجأً للأيتام. وألحت صحف المليونير الاميركي راندولف هيرست على إلصاق تهمة الشيوعية بشابلن على مدى أكثر من 35 عاماً الى أن اضطر الى مغادرة أميركا دون الحصول على جنسيتها حيث كانت تلك الصحف تلاحقه بأسئلة مستفزة «هل تفكر في زيارة الاتحاد السوفياتي؟.. ما رأيك في الثورة الروسية؟.. ماذا تظن في لينين وهل تريد مقابلته ومتى وأين ستكون هذه المقابلة؟» وكانت تلك الصحف تهدف الى إبعاده عن البلاد وتصفه بأنه مهاجر إنجليزي قذر يرفض الجنسية الاميركية. وكان شابلن يعلن بصراحة «لست شيوعياً ولكني صانع سلام»، وخرج من أميركا بعد أن قضى بها 40 عاماً وأقام في سويسرا حتى وفاته عام .1977

وكتاب «هل أنت شيوعي يا مستر شابلن» الذي ترجمه وحرره الكاتب المصري رمسيس عوض يحمل عنواناً فرعياً هو «قصة شارلي شابلن مع المخابرات الأميركية.. وثيقة تاريخية» ويقع في 119 صفحة متوسطة القطع وصدر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة بالقاهرة.

وسجل الكتاب أن الاتهامات استندت الى بعض تصريحات لشابلن منها قوله عام 1942 «اذا كنا نرغب في كسب الحرب العالمية الثانية، واذا كنا نريد من روسيا أن تظهر لنا تعاونها الكامل، فعلينا أن نتوقف عن شن الحملات ضد الشيوعيين»، وأضاف أن ما عزز توجيه الاتهام بالشيوعية الى شابلن فيلمه المثير للجدل «المسيو فيردو 1947» الذي كان سبباً مهماً في اشتباه المخابرات المركزية في تعاطفه مع الشيوعية». كما أورد الكتاب تحقيقاً مطولاً أجراه مكتب التحقيقات الفيدرالي عام 1948 مع شابلن الذي اعترف بأنه لا يعرف شيئاً عن الشيوعية، ولم يقرأ كتابات كارل ماركس، وأنكر أنه تبرع بطريقة مباشرة أو غير مباشرة للحزب الشيوعي في أميركا.

وشدد على أن ما يربطه بالشيوعية هو أن السلطات الأميركية اختارته في نهاية ديسمبر 1940 لتمثيل الولايات المتحدة - بدلاً من السفير الأميركي السابق لدى الاتحاد السوفييتي جوزيف رافيز - لإلقاء كلمة أمام اللجنة الاميركية للتخفيف من ويلات الحرب في سان فرانسيسكو وأنهم «طلبوا مني أن أدعو الى جمع التبرعات من أجل الأعمال الخيرية الروسية أو من أجل شيء من هذا القبيل.. والكلمة التي حرصت دوماً على إبرازها في كل أحاديثي هي الدعوة الى وحدة الصف بين روسيا والحلفاء لكسب الحرب»، مضيفاً أنه حافظ دائماً على استقلاله ولم يلتحق بأي منظمة سياسية. ونفى شابلن أن يكون قد تقدم بطلب للحصول على الجنسية الاميركية لأنه منذ كان في الـ19 «كان يخامرني دوماً إحساس بالانتماء إلى العالم كله وهو إحساس يكبر وينمو معي، وذهب التحقيق الى توجيه أسئلة لشابلن بعيدة عن الاتهام المباشر بالشيوعية ومنها مثلاً ما اذا كان يرى أن الطريقة الشيوعية في الحياة تتواءم مع أسلوب الحياة في أميركا، لكنه اعترف صراحة بأنه لا يعرف شيئاً عن أسلوب الحياة الشيوعية وأن الآراء المنسوبة اليه في هذا الامر شائعات سياسية وأن جميع انتماءاته بعيدة تماماً عن أي تنظيمات سياسية.

وقال إنه لا يتصور أن الاسلوب الشيوعي في الحياة أفضل، «ولو كنت أعتقد ذلك لذهبت لأعيش هناك. ولكني في الوقت نفسه لا أعادي طريقة السوفييت في العيش، اللهم إلا اذا قاموا بغزو أميركا، عندئذ سأكون أول من يهب لحمل السلاح وإشهاره في وجوههم»، وأضاف أنه كان ضرورياً أن يمتدح السوفييت خلال الحرب العالمية الثانية «لأني شخصياً آمنت بأن الروس يؤدون عملهم بطريقة رائعة كما آمنت بأنه لولا بسالة روسيا لنجح هؤلاء النازيون في احتلالنا وإني لشديد الايمان بهذا ولست أرى سبباً يدعونا الى معاداة روسيا».

وقال عوض إن «ملف شابلن في مكتب التحقيقات الفدرالي يبلغ 2063 صفحة ولعله أطول تقرير كتبته الاستخبارات الأميركية هو ذلك التقرير بتاريخ 14 أكتوبر 1952 الذي يعتبر شابلن خطراً على الأمن القومي الاميركي»، حيث كان هذا التقرير جزءاً من تحقيقات تهدف الى إيقاف توغل الفكر الشيوعي في صناعة السينما الأميركية.

طباعة