توم كروز يخسر رهانه في «Digger».. النجومية وحدها لا تضمن النجاج في شباك التذاكر
ليس كل ما يلمع باسم توم كروز يتحول إلى ذهب في شباك التذاكر، فالنجم الذي اعتاد تحدي المستحيل أمام الكاميرا، والمجازفة بحياته في مشاهد الحركة، يواجه هذه المرة اختباراً مختلفاً: فيلم طموح فنياً، باهظ الكلفة، لكنه لم ينجح في استقطاب الجمهور كما كان متوقعاً متسبباً بصدمة غير متوقعة، ومع تعثر «ديغر -Digger»، لا تتوقف الأسئلة عند حجم الخسائر المحتملة، بل تمتد إلى مستقبل العلاقة بين النجومية والإيرادات، وحدود قدرة أشهر نجوم هوليوود على إقناع الجمهور بمغامرة سينمائية تبتعد عن الصورة التي أحبها فيه، فهل دفع كروز ثمن خروجه من منطقة الأمان، أم أن المشكلة أعمق، وتتعلق بفيلم لم يتمكن من تحويل طموحه الفني إلى تجربة جماهيرية مقنعة.
أبرز ما يكشفه تعثر فيلم توم كروز الجديد «ديغر» أن النجومية وحدها لا تضمن شباك التذاكر، حتى عندما يجتمع نجم بحجم كروز مع مخرج حائز جوائز عالمية مثل أليخاندرو إيناريتو، فالفيلم الذي راهن على تقديم كروز في شخصية بعيدة عن أدوار الحركة التي رسخت صورته، أخفق في جذب الجمهور بالحجم الذي يبرر كلفته الضخمة، وأثار انقساماً نقدياً بشأن جدوى المجازفة الفنية وحدود قدرة النجم على تسويق مشروع غير جماهيري.
وبحسب أرقام شباك التذاكر، التي نشرتها صحيفة «لوس أنجلوس تايمز» ووكالة الصحافة الفرنسية، لم تتجاوز إيرادات «ديغر» عالمياً 35.3 مليون دولار بعد أكثر من أسبوعين على عرضه، فيما راوحت تقديرات ميزانية الإنتاج بين 125 و180 مليون دولار، مع إنفاق تسويقي إضافي قُدّر بنحو 100 مليون دولار، وتشير التقديرات الأولية المتداولة في الصناعة إلى تكبد الشركة المنتجة خسائر كبيرة تصل إلى نحو 150 مليون دولار أو أكثر، بحسب طريقة احتساب التكاليف والإيرادات.
وتبدو هذه الأرقام أكثر قسوة بالنظر إلى أن كروز لم يكن ممثلاً يؤدي دوراً عابراً، بل كان محور حملة تسويقية استندت إلى تاريخه السينمائي وشهرته العالمية. غير أن الجمهور لم يتجاوب مع العرض بالقدر المتوقع، في نتيجة أعادت طرح سؤال جوهري في هوليوود: هل مازال اسم النجم كافياً لبيع فيلم مرتفع التكلفة، حتى عندما يبتعد العمل عن النوع السينمائي الذي اعتاد الجمهور ربطه به؟
مغامرة فنية
الفيلم وهو من إخراج المكسيكي، أليخاندرو غونزاليز إيناريتو، صاحب أفلام حظيت بتقدير نقدي واسع، من بينها «بيردمان-Birdman» و«العائد-The Revenant»، يقدم كروز فيه أداءً مختلفاً يتناول تداعيات الجشع الاقتصادي وأزمة المناخ، وتدور الحكاية حول قطب نفطي يدعى ديغر روكويل، يتسبب نشاطه في كارثة بيئية تهدد العالم، قبل أن تتكشف طبقات سردية أخرى تعيد النظر في طبيعة الشخصية والحكاية نفسها. وهذه البنية، التي تتعمد التشكيك في الحدود بين المسرحية والواقع، منحت الفيلم مساحة للتجريب، لكنها جعلت تسويقه باعتباره عملاً جماهيرياً أمراً أكثر تعقيداً، خصوصاً أن حملته ركزت على التحول الاستثنائي في أداء كروز، من دون أن تضمن وصول فكرة الفيلم إلى جمهور اعتاد منه المغامرة والإيقاع السريع.
وفي تحليل نشرته مجلة «ذا أتلانتيك»، رأت الناقدة السينمائية شيرلي لي أن الفيلم أخفق في تحويل مكانة كروز إلى قوة جذب جماهيرية، مشيرة إلى التعارض بين صورته السينمائية القائمة على التفاؤل والاستعراض والحركة، وبين عمل ساخر ومتشائم لا يقدم تجربة ترفيهية تقليدية. ومع ذلك، أشادت بأداء كروز، معتبرة أنه يقدم تجربة تمثيلية لافتة من خلال تعامله مع شخصيتين، بينما تكمن المشكلة في أن هذا التحول لا ينسجم بالضرورة مع توقعات الجمهور من النجم.
النجومية لا تنقذ
وتتقاطع هذه القراءة مع تحليل نشره موقع «ذا راب» إذ أشار الناقد جيريمي فاستر إلى أن جمهور كروز الذي اعتاد الذهاب إلى السينما لمشاهدة مشاهد الحركة والمجازفات الخطرة لم يستجب بالقدر نفسه لفيلم «ديغر»، الذي يبتعد عن العناصر التي شكلت جزءاً أساسياً من جاذبية النجم التجارية. وبذلك، لم تكن المشكلة مرتبطة بغياب اسم كبير أو ضعف الحضور التسويقي، بقدر ما ارتبطت بالفجوة بين ما وعدت به صورة كروز الجماهيرية وما قدمه الفيلم فعلياً.
تجربة سابقة لأوانها
إخفاق «ديغر» في شباك التذاكر لا يعني أن جميع القراءات النقدية أجمعت على فشله فنياً. ففي مقال نشرته صحيفة «الغارديان»، قدمت الناقدة سيان كين قراءة مغايرة، ووصفت الفيلم بأنه عمل جريء قد يعاد تقييمه مع مرور الوقت. ورأت أن بنيته المعقدة لا تقتصر على السخرية من أزمة المناخ، بل تطرح أسئلة عن قدرة الفن على تمثيل الكوارث المعاصرة، وعن ميل الجمهور إلى الأعمال التي تؤكد قناعاته بدلاً من مواجهته بأفكار مزعجة.
ويعكس هذا التباين انقساماً بين معيارين مختلفين للحكم على الأفلام: النجاح التجاري من جهة، والقيمة الفنية والفكرية من جهة أخرى. فقد يخفق فيلم في جذب الجمهور وتحقيق الإيرادات المطلوبة، لكنه يظل تجربة قابلة للنقاش وإعادة القراءة؛ كما أن طموحه الفني لا يعفيه من مسؤولية بناء حكاية متماسكة أو تقديم تجربة تستطيع الوصول إلى المتفرج.
وفي حالة «ديغر»، يبدو أن الرهان على اجتماع نجم عالمي ومخرج صاحب رؤية سينمائية خاصة لم يكن كافياً لتجاوز المسافة بين التجريب الفني والتوقعات الجماهيرية. فالفيلم أراد أن يقدم كروز في صورة لم يعتدها الجمهور، لكنه لم ينجح حتى الآن في إقناع عدد كافٍ من المشاهدين بمتابعة هذه المغامرة.
لغة سينمائية
لا تتمثل دلالة تعثر «ديغر» في تراجع مكانة توم كروز، بقدر ما تكمن في حدود هذه المكانة، وفي صعوبة تحويل النجومية إلى ضمانة لنجاح أي مشروع، أما الحكم على قيمة الفيلم على المدى الطويل، فسيظل مفتوحاً أمام قراءات نقدية جديدة قد تمنحه مكانة مختلفة، أو تؤكد أن الطموح الفني، مهما كان جريئاً، يحتاج إلى لغة سينمائية قادرة على التواصل مع الجمهور، وليس إلى الاسم الكبير وحده.