«دبي السينمائي يجدد الموعد 2027».. سينمائيون: عودة الروح إلى السينما الإماراتية

لم يكن مهرجان دبي السينمائي الدولي مجرد موعد سنوي لعرض الأفلام والاحتفاء بنجوم الشاشة، بل شكّل، منذ انطلاقه في ديسمبر 2004، جزءاً من التحول الذي شهدته الحياة الثقافية في دبي، حين بدأت المدينة تبني لنفسها حضوراً متنامياً على خريطة الفنون العالمية. واليوم، وبعد نحو عقد من اختتام مرحلته الأولى، يعود المهرجان إلى المشهد السينمائي من بوابة جديدة، معلناً عن دورة تقام في ديسمبر 2027، تضع السينما العربية وصنّاعها في قلب البرنامج.

ووصف مخرجون ومبدعون عودة «مهرجان دبي السينمائي الدولي» بأنها تتجاوز استئناف فعالية سينمائية توقفت لسنوات، لتُشكل عودة الروح إلى الحراك السينمائي في الإمارات والمنطقة، وإعادة فتح مساحة طالما شكّلت ملتقى للمواهب والأفلام وصنّاع السينما من الإمارات والعالم العربي وخارجه. ويرى هؤلاء أن عودة المهرجان تستعيد جزءاً من الذاكرة السينمائية التي ارتبطت بتجربة دبي، وتمنح جيلاً جديداً من المخرجين والكتّاب والمنتجين والفنيين فرصة للظهور والتواصل مع جمهور أوسع، كما تتيح إعادة وصل الأجيال التي صنعت تجارب المهرجان السابقة بالمواهب التي تُشكل اليوم ملامح المشهد السينمائي الجديد. ولا تقف أهمية العودة، وفق رؤيتهم، عند استعادة العروض والسجادة الحمراء والاحتفاء بالأفلام والنجوم، وإنما تمتد إلى إعادة تنشيط البيئة التي تحتاج إليها صناعة السينما كي تنمو وتتراكم، من تطوير المشاريع والإنتاج والتمويل، إلى التوزيع والوصول إلى الجمهور، وبناء العلاقات مع المنتجين والمبرمجين والمهرجانات والمنصات وصنّاع القرار في الصناعة العالمية. وبين الحنين إلى تجربة المهرجان السابقة والتطلع إلى دورة جديدة تُقام في ديسمبر 2027، يبرز تحدي بناء مرحلة مختلفة تستفيد من الإرث السابق من دون أن تكتفي بتكراره، وتستجيب للتحولات التي شهدتها صناعة السينما خلال سنوات الغياب.

عودة روحي

«عودة روحي» بهذه الكلمة عبّر المدير الفني لمهرجان دبي السينمائي الدولي حتى عام 2017 المخرج مسعود أمر الله عن قرار عودة مهرجان دبي السينمائي الدولي، قائلاً: «المهرجان والمدينة ارتبطا ببعضهما بعضاً بشكل وثيق، وقرار عودة المهرجان مهم جداً، فالأخير كان وجهة لصناع السينما في الوطن العربي والعالم، وأسهم إلى حد كبير في إثراء الساحة العربية بالكثير من المبدعين سواء من الإماراتيين أو الخليجيين أو العرب». وأشار أمر الله إلى أن المهرجان كان المحرك الأساسي لقطاع السينما في الدولة، وعودته تعني عودة الحراك السينمائي بعد سنوات جافة سواء من حيث الإخراج أو الكتابة، فهو المحرك والبوصلة التي ينتظرونها أصحاب القطاع السينمائي في البلد. ولفت إلى أن الانقطاع الذي دام سنوات أدى إلى انقطاع الأسماء القديمة والجديدة عن السينما، وبالتالي فإن الدورة القادمة ستؤثر على لم الجيلين وتُشكل انطلاقة جديدة في الصناعة، مؤكداً أن الدورات الـ14 السابقة نجحت بسبب توجه المهرجان الذي كان يخدم كل قطاعات السينما، ولذلك فإن البناء على القديم والعمل على أفكار جديدة مهم جداً في المرحلة المقبلة، لاسيما أن طبيعة الحياة والتقنيات تبدلت، وأننا أمام صناعة مختلفة عما كانت عليه في عام 2017. واعتبر أمر الله أن المهرجان كان الرائد خلال دوراته السابقة في المنطقة، وبالتالي بعد عودته سيحظى بالمكانة نفسها ضمن المهرجانات التي تقام في المنطقة، مع الإشارة إلى أن كثرة المهرجانات مهمة للصناعة نفسها، ليس في الإطار التنافسي وإنما في إطار تعدد الرؤى والتوجهات.

قرار مفرح

وعبّر الكاتب والمخرج الإماراتي ناصر الظاهري، عن سعادته بعودة مهرجان دبي السينمائي الدولي، قائلاً: «لا شك في أن خبر عودة المهرجان إلى الساحة الفنية والسياحية والمشهد الثقافي في الإمارات كان مفرحاً، وأدخل البهجة إلى نفوس الكثير من المحبين والمتابعين لنجاحاته السابقة، بعدما راكم خلال سنواته تجارب مهمة جعلته واحداً من أبرز المهرجانات السينمائية العربية، وأكثرها حضوراً وسمعة على المستوى الدولي». وأضاف «لا أنكر أن فوزي بجائزة المهر كأفضل مخرج عام 2015 عن الفيلم التسجيلي الطويل (في سيرة الماء والنخل والأهل) فتح أمام الفيلم أبواب أكثر من 21 مهرجاناً دولياً حول العالم، وكان مجرد حمله شعار مهرجان دبي السينمائي كفيلم مشارك في المسابقة الرسمية ثم شعار الفوز بالجائزة، يمنحه قيمة وحضوراً في المحافل السينمائية الدولية».

وحول ما ينتظره من النسخة الجديدة للمهرجان، قال الظاهري: «أتمنى أن يعود المهرجان بحلة عصرية تواكب التحولات التي شهدها المشهد السينمائي العالمي، وأن تتوسّع جوائزه لتشمل مختلف عناصر العمل السينمائي، كما تفعل المهرجانات الدولية الكبرى، فالفيلم يجمع فنوناً عديدة تشمل الموسيقى والمونتاج والمؤثرات السمعية والبصرية والماكياج والإضاءة والسيناريو وغيرها، وهي مجالات تستحق التقدير والاحتفاء».

وتوقف الظاهري عند تحديات السينما الإماراتية، قائلاً: «الانتقال من التجارب الفردية المتفرقة إلى صناعة سينمائية مستدامة وتراكمية يتطلب تأسيس ودعم صناديق للسينما، وتبني المواهب الحقيقية والواعية، إلى جانب دور مؤسسات القطاعين الحكومي والخاص والرأسمال الوطني في دعم المشاريع السينمائية». وأضاف «هنا يأتي الدور الحقيقي لمهرجان دبي السينمائي ليكون مبادراً وحاضناً ومظلة للمبدعين السينمائيين في الإمارات، وأن يسهم في تسخير الجهود وتوفير الإمكانات التي تساعد على النجاح والتميز وتصدير الأعمال السينمائية المحلية إلى المنصات الدولية».

وأكد الظاهري ثقته بقدرة المهرجان على الإسهام في تطوير الصناعة السينمائية، قائلاً: «مجرد عودة المهرجان إلى مكانه وتاريخه ومدينته هي عودة الروح إلى منجز كان جميلاً بما حققه وصنعه، لكننا لا نريد استباق ما يحمله القائمون عليه من برامج وخطط ومشاريع مستقبلية، ونحن كقطاع ثقافي وأدبي وفني وإعلامي نقف خلف هذه العودة».

وختم ناصر الظاهري حديثه بالكشف عن مشروع يعمل عليه منذ ثلاث سنوات، قائلاً: «أعمل على إصدار كتاب موسوعي يبحث في تاريخ السينما ودخولها إلى الإمارات، ومع إعلان عودة مهرجان دبي السينمائي الدولي قررت إعادة كتابة بعض فصوله من جديد».

فرحة كبيرة

ووصفت المخرجة نجوم الغانم، قرار عودة المهرجان بالقرار الحكيم الذي أتى في مكانه، معتبرة أن قرار متابعة المهرجان والبناء على إرث الدورات السابقة هو بمثابة تقدير لتاريخ المهرجان، ولكل الجهود السابقة، فضلاً عن كونه يُشكل رعاية كريمة من الإدارة الحالية لاستكمال المسيرة في مجال السينما. وأشارت إلى أن توقف المهرجان لسنوات أوجد نوعاً من الفراغ أثر في الإنجاز السينمائي بدولة الإمارات، ولكن عودة المهرجان هي فرحة كبيرة لكل من يعمل في هذه الصناعة في الإمارات. ورأت الغانم أن المهرجانات تنشط من صناعة السينما، وأردفت بالقول: «وجود المهرجانات الخاصة بالسينما يُشكل دعماً معنوياً للعاملين في المجال، كما أنه يُشكل منصة لاحتواء الأفلام التي تنتجها الصناعة خلال السنة، مع الإشارة إلى أهمية حرص المهرجان على إعادة صندوق الدعم، لأن توقف صناديق الدعم والفراغ الذي حدث أثر في مسيرة السينما والإنتاج، وقد تطلب مني شخصياً العمل على فيلمي الأخير أربع سنوات كي أتمكن من إنجازه بسبب غياب الدعم». وأعربت عن رغبتها في رؤية أفلام إماراتية قد صنعت الفرق في النسخة المقبلة من المهرجان، وأن تكون التجارب قد استفادت من تطور التقنيات، وحافظت على تطور المحتوى والأفكار، ومتماشية مع ما يحدث من تحولات يشهدها الإنسان خلال السنوات الأخيرة.

ذاكرة السينما

من جهتها، قالت المخرجة نايلة الخاجة: «عودة مهرجان دبي السينمائي، ليست مجرد عودة حدث سينمائي، بل عودة جزء مهم من ذاكرة السينما في الإمارات، هناك جيل كامل من صناع الأفلام ارتبطت بداياته بهذا المهرجان، وأنا واحدة منهم، فالمهرجان كان مكاناً نلتقي فيه بصناع السينما من العالم، ونشاهد أفلاماً ربما لم نكن سنراها في أي مكان آخر، ونشعر بأن ما نصنعه هنا يمكن أن يكون جزءاً من حوار سينمائي عالمي، لذلك عودته اليوم تحمل بالنسبة لي شيئاً من الحنين، ولكن الأهم أنها تفتح باباً جديداً للمستقبل». ورأت الخاجة أن المهرجان الناجح لا يعرض الأفلام فقط، بل يصنع حركة كاملة حول السينما، فهو يجمع المخرج بالمنتج والموزع والممول والمبرمج والصحافة والجمهور في مكان واحد، موضحة أن هناك مواهب أكثر في الإمارات، وخبرات إنتاجية أكبر، وأفلاماً تحاول أن تصل إلى جمهور أوسع، وما يحتاجه العاملون في هذه الصناعة هو مساحة دولية قوية تربط كل هذه العناصر ببعضها، والأهم أن تصبح دبي مكاناً تبدأ منه رحلة الفيلم العربي إلى العالم، وليس فقط مكاناً يُعرض فيه الفيلم بعد أن تكون رحلته قد بدأت في مكان آخر. وعبرت الخاجة عن أمنيتها في ألا يحصل المخرج الشاب فقط على شاشة يعرض عليها فيلمه، بل على فرصة حقيقية لما بعد تلك الشاشة، وكذلك أن تشهد مختبرات تطوير، ومنح إنتاج، وأسواق مشاريع، وبرامج تربط المواهب الإماراتية والعربية مباشرة بصناع القرار في الصناعة، لأن الموهبة موجودة، لكن ما ينقص الكثير من المواهب ليس دائماً التدريب، بل الوصول والفرصة والثقة. وعبّرت عن رغبتها في ألا تكون عودة المهرجان بالشكل نفسه الذي توقف عنده، لأن السينما نفسها تغيّرت، متمنية أن يعود أكثر جرأة، وأكثر ارتباطاً بما يحدث الآن في الصناعة، من تغير طرق التمويل والتوزيع، إلى المنصات الرقمية، والإنتاج المشترك، والتكنولوجيا الجديدة، مع التشديد على ألا يفقد هويته، لأن أجمل ما يمكن أن يفعله مهرجان دبي هو أن يكون عالمياً جداً، ولكن منطلقه واضح من هذه المنطقة.

عرس سينمائي

من جانبها، توقّفت المخرجة الإماراتية نهلة الفهد، عند أهمية عودة مهرجان دبي السينمائي الدولي، قائلة: «إن عودة المهرجان ليست أمراً غريباً على مدينة دبي ودولة الإمارات عموماً، فشعار دبي دائماً هو الأفعال، ورغم أن المهرجان غاب لسنوات، فإن أثره بقي حاضراً في نفوس السينمائيين، ليس في الإمارات فحسب، وإنما في الخليج والعالم، وهو ما لمسته بشكل شخصي خلال جولاتي ومشاركاتي في مختلف المهرجانات الدولية، التي يثني فيها صناع السينما دوماً على مكانة مهرجان دبي، وما قدمه للسينمائيين حول العالم». وأضافت «عودة المهرجان تسعدنا كثيراً نحن السينمائيين، لأنها تعني عودة عرس سينمائي كبير يليق باسم دبي ومكانتها، خصوصاً أن دبي سباقة في مختلف المجالات، لذلك من الطبيعي أن يبقى المجال السينمائي حاضراً بقوة في هذه الصورة اللامعة والمضيئة بالنجاحات، وأن يعود المهرجان ليجمع من جديد السينمائيين الإماراتيين وصناع الأفلام من خارج الدولة، ويتيح لهم تقديم إبداعاتهم وأعمالهم في الإمارات».

وحول أهمية عودة مهرجان دبي السينمائي في هذا التوقيت، قالت الفهد: «تُمثل هذه العودة متنفساً مهماً لنا كمخرجين وكتّاب وصناع أفلام وفنيين، وتفتح أمامنا باب المشاركة بأحدث الأعمال والتنافس في الطرح وتقديم ما يليق بمكانة هذا الحدث، خصوصاً أن مهرجان دبي السينمائي كان دائماً يحظى باهتمام كبير من صناع السينما الذين كانوا يتطلعون إلى طرح تجاربهم فيه، لما يتمتع به من مكانة وانتقائية في اختيار الأعمال».

واستعادت المخرجة الإماراتية مشاركاتها السابقة في المهرجان، قائلة: «كانت لي مشاركات أعتز بها كثيراً، كما كنت سعيدة بمتابعة الأفلام التي كانت تُعرض في دبي، ولم أشعر يوماً بأن المهرجان اختفى، بل أعتبر أنه كان في استراحة ظل خلالها صناع السينما يتساءلون عن موعد عودته».

وختمت نهلة الفهد حديثها قائلة: «فرحتي كبيرة جداً بالإعلان عن عودة المهرجان في عام 2027، خصوصاً أن لدي أفلاماً أعمل عليها حالياً، وأتمنّى أن تجد طريقها إلى المهرجان عند عودته، فيما أتوجه بالشكر بهذه المناسبة، إلى كل من عمل على إعادة هذا الحدث السينمائي الكبير إلى الأضواء».

بعيداً عن الاستعراض

وعبّر الفنان والمنتج الإماراتي منصور الفيلي، عن سعادته بعودة مهرجان دبي السينمائي الدولي، قائلاً: «سعيد جداً بعودة المهرجان، وأتمنّى أن يستكمل مسيرة الدورات السابقة، وألا يبدأ من الصفر، فقد وصل مهرجان دبي في السابق إلى مستوى متقدم، حتى أصبحت أفلام تمر من خلاله إلى سباق الأوسكار، لذلك، أتمنّى أن يعود بالمستوى نفسه وأن يبني نجاحات أكبر مستنداً إلى ما تحقق».

وأضاف «أتمنّى أيضاً الاستفادة من التجربة السابقة وتجاوز الأخطاء، فقد كان هناك اهتمام كبير باستضافة النجوم العالميين، لكننا كفنانين محليين، لم نكن دائماً نحقق الاستفادة التي نطمح إليها، ورغم تجربة المهرجان العالمية، فقد كنا نحتاج إلى دعم أكبر لصناعة سينما محلية رائدة ومنافسة، بحيث لا يقتصر الحضور العالمي على الجانب الاستعراضي، وإنما يحقق فائدة حقيقية لصناع الأفلام الإماراتيين».

وتوقف الفيلي عند أحد أبرز التحديات التي تواجه السينما الإماراتية، قائلاً: «المشكلة لا تنتهي عند إنتاج الفيلم، وإنما تمتد إلى وصوله إلى الجمهور، فقد ينتج صانع الفيلم الإماراتي عملاً محلياً، لكنه يواجه صعوبة في الحصول على مساحة مناسبة في دور العرض، سواء من حيث أوقات العرض أو اختيار الصالات، وفي النهاية، قد يخسر المنتج رغم الجهد الذي بذله».

وأضاف «أتمنى أن تكون هناك منظومة دعم جادة تشمل الإنتاج والانتشار ودور العرض، لأن هناك مبدعين إماراتيين شباب أنتجوا أفلاماً بجهود شخصية، لكنهم لم يستطيعوا الاستمرار وتعرضوا للخسارة، ومن ثم الانسحاب القسري نتيجة غياب الدعم الكافي».

وختم الفيلي مؤكداً أهمية إسهام نسخة المهرجان الجديدة في احتضان الجيل الجديد، قائلاً: «لدينا الكثير من المواهب الإماراتية الشابة التي ابتعدت أو اختفت بسبب غياب الدعم، وأتمنى أن تكون عودة (دبي السينمائي) اليوم فرصة حقيقية لإعادة هذه المواهب إلى المشهد ومنحها المساحة التي تستحقها».

ملتقى الثقافات

عندما انطلقت الدورة الأولى من المهرجان في السادس من ديسمبر 2004، حمل المهرجان شعار «ملتقى الثقافات والإبداعات»، وقدمت دورته الافتتاحية 76 فيلماً من 27 دولة، توزعت على 10 أقسام، وافتتح البرنامج بالفيلم المغربي «الرحلة الكبرى-The Grand Voyage». ومنذ البداية، جمع المهرجان بين السينما العربية والإقليمية والعالمية، ووضع دبي في تماس مباشر مع حركة السينما الدولية.

وخلال سنواته التالية، اتسعت ملامح المشروع، ولم يعد المهرجان يكتفي باستضافة الأفلام والنجوم، بل تحوّل إلى مساحة لدعم المواهب وصناعة الأفلام، مع إطلاق جوائز «المهر» للإبداع السينمائي العربي عام 2006، ثم توسّع نطاق المسابقة في 2008 ليشمل مسابقتي «المهر العربي» و«المهر الآسيوي الإفريقي».

وهنا تكمن إحدى أهم دلالات تجربة المهرجان، فقد تعامل مع السينما بوصفها صناعة ثقافية متكاملة، لا مجرد عروض جماهيرية، فإلى جانب الأفلام، احتضنت دوراته ورش العمل والندوات والحوارات والبرامج الموجهة إلى المخرجين والكتاب والمنتجين والمواهب الشابة، بما جعل المهرجان مساحة للتعلم والتواصل بقدر ما كان منصة للعرض.

ذاكرة المواهب العربية

أصبحت جوائز «المهر» مع مرور السنوات إحدى العلامات الأكثر ارتباطاً بالمهرجان، وارتبطت مهمتها بدعم السينمائيين العرب والتعريف بأعمالهم إقليمياً ودولياً.

وفي الدورة الـ13 عام 2016، على سبيل المثال، ضم البرنامج 156 فيلماً من 55 دولة، بينها 57 فيلماً في عروض عالمية أو دولية أولى، و73 فيلماً في عرض أول بمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، و12 فيلماً في عرض أول بالشرق الأوسط، إضافة إلى تسعة أفلام في عرض خليجي أول. وتوزّعت الأفلام على مسابقات «المهر الإماراتي» و«المهر الخليجي» و«المهر العربي».

ذاكرة إماراتية

ومن أهم جوانب التجربة أن السينما الإماراتية لم تكن هامشاً في المشهد، بل حصلت على مساحة خاصة من خلال «المهر الإماراتي»، الذي أتاح للمخرجين المحليين عرض أعمالهم والتنافس ضمن إطار مهرجان دولي.

وفي دورة 2016، فاز عبدالله الكعبي بجائزة أفضل فيلم طويل عن «الرجال فقط عند الدفن»، فيما نال ياسر النيادي جائزة أفضل مخرج عن «روبيان»، وحصل فيلم «مَمْسوسْ» لشذى مسعود على جائزة أفضل فيلم قصير. وتواصل حضور السينما الإماراتية في الدورة التالية، مع أعمال مثل «آلات حادة» لنجوم الغانم، الذي نال جائزة أفضل فيلم طويل في «المهر الإماراتي» لعام 2017.

عودة تحمل معنى مختلفاً

العودة المرتقبة في ديسمبر 2027 تأتي بعد 10 سنوات تقريباً من آخر دورة للمهرجان، لكنها لا تبدو مجرد استعادة للصيغة القديمة، فالإعلان الجديد يحدد بوضوح أن الدورة المقبلة ستكون مخصصة للسينما العربية وصنّاعها من المنطقة، مع التركيز على المخرجين والمنتجين والممثلين والكتّاب، وتوفير فرص للمواهب الجديدة للقاء الجمهور والنقاد والعاملين في الصناعة.

كما تضع الصيغة الجديدة اكتشاف المواهب وتبادل المعرفة والحوار حول مستقبل السينما ضمن مكونات المهرجان، بما يشير إلى توجه يتعامل مع الفيلم باعتباره جزءاً من منظومة إبداعية واقتصادية وثقافية أوسع.

وهكذا يعود «مهرجان دبي السينمائي الدولي» حاملاً ذاكرة مرحلة امتدت 14 عاماً، إلى مشهد سينمائي عربي تغيّر كثيراً منذ 2004. وإذا كانت التجربة الأولى قد رافقت مرحلة تشكل دبي كوجهة عالمية للثقافة والفنون، فإن المرحلة الجديدة تبدأ من سؤال آخر: كيف يمكن للسينما العربية أن تجد في دبي مساحة تجمع الفيلم والجمهور والصناعة والمواهب والمعرفة في منظومة واحدة؟

الأكثر مشاركة